هذا فصلٌ عظيم النفع جليل القدر، إنما ينتفع به مَن عرف نوعَيِ التوحيد: القولي العلمي الخبري، والتوحيد القصدي الإرادي العملي، كما دلَّ على الأول سورة: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدٌ﴾، وعلى الثاني سورة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا اَلْكَافِرُونَ﴾. وكذلك دلَّ على الأول قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا﴾ الآية [البقرة: ١٣٥]، وعلى الثاني قوله تعالى: ﴿* قُلْ يَاأَهْلَ اَلْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ ﴾ الآية [آل عمران: ٦٣]. ولهذا كان النبي - ﷺ - يقرأ بهاتين السورتين في سُنة الفجر (^٢)، وسُنة المغرب (^٣)،
ويقرأ بهما (^٤) في ركعتَيِ الطواف (^٥). ويقرأ بالآيتين في سُنة الفجر (^٦) لتضمُّنهما التوحيدَ
_________________
(١) «ح»: «الفصل السابع عشر». «ب»: «الفصل الثامن عشر». والصواب أن هذا الفصل تابع للفصل السابق، فلم يُعد فصلًا منفصلًا في الفهرس الوارد في مقدمة الكتاب، وسيأتي الفصل الثامن عشر في النسختين موافقًا للفهرس المتقدم.
(٢) أخرجه مسلم (٧٢٦) عن أبي هريرة - ﵁ -.
(٣) أخرجه الترمذي (٤٣١) وابن ماجه (١١٦٦) عن ابن مسعود - ﵁ -، وقال الترمذي: حديث غريب. وفي الباب عن علي وابن عمر - ﵃ -، ينظر: «نتائج الأفكار» لابن حجر (١/ ٤٨٩ - ٤٩٢).
(٤) «ب»: «ويقرأهما».
(٥) أخرجه مسلم (١٢١٨) عن جابر بن عبد الله - ﵄ -.
(٦) أخرجه مسلم (٧٢٧) عن ابن عباس - ﵄ -.
[ ١ / ١٨٦ ]
العلمي والعملي. والتوحيدُ العلمي أساسُه إثبات صفات الكمال للربِّ تعالى ومباينته لخَلْقه، وتنزيهه عن العيوب والنقائص والتمثيل. والتوحيدُ العملي أساسُه تجريد القصد بالحب والخوف والرجاء والتوكل والإنابة والاستعانة والاستغاثة والعبودية بالقلب واللسان والجوارح لله وحده لا شريك له (^١). فمدار ما بعث الله به رسله وأنزل به كُتبه على هذين التوحيدين، وأقرب الخلق إلى الله أقومُهم بهما علمًا وعملًا. ولهذا كانت الرُّسل - صلوات الله وسلامه عليهم - [ق ٢١ أ] أقربَ الخلق إلى الله، وأقربُهم إليه وسيلةً أولو العزم، وأقربُهم الخليلانِ، وخاتَمُهم سيِّد ولد آدم وأكرمُهم على الله بكمال توحيده وعبوديته لله.
فهذان الأصلان هما قُطب رحى القرآن، وعليهما مداره، وبيانهما من أهم الأمور. والله سبحانه بيَّنَهما غايةَ البيان بالطرق الفطرية والعقلية والنظرية والأمثال المضروبة، ونوَّع سبحانه الطرق في إثباتهما أكمل التنويع، بحيث صارت معرفة القلوب الصحيحة والفِطَر السليمة لهما بمنزلة رؤية الأعين المبصرة التي لا آفة بها (^٢) للشمس والقمر والنجوم والأرض والسماء، فذاك للبصيرة بمنزلة هذا (^٣) للبصر.
فإنْ سُلِّط التأويل على التوحيد الخبري العلمي كان تسليطه على التوحيد العملي القصدي أسهلَ، وانمحت رسوم التوحيد، وقامت معالم التعطيل والشرك. ولهذا كان الشرك والتعطيل متلازمينِ، لا ينفك أحدهما
_________________
(١) «لا شريك له» ليس في «ب».
(٢) «ح»: «لها».
(٣) «ح»: «هذه».
[ ١ / ١٨٧ ]
عن صاحبه. وإمام المعطِّلين المشركين فرعون، فهو إمام كل معطِّلٍ ومشركٍ إلى يوم القيامة، كما أن إمام الموحدين إبراهيم ومحمد - صلوات الله وسلامه عليهما - إلى يوم القيامة. قال الله تعالى لإمام المعطِّلين وأتباعه: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئمَّةً يَدْعُونَ إِلَى اَلنّارِ﴾ [القصص: ٤١]، وقال لإمام الحنفاء ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنّاسِ إِمَامًا﴾ [البقرة: ١٢٣] وقال لأتباعه: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ٢٤].
فلا (^١) يأتي المعطِّل للتوحيد الخبري بتأويلٍ إلَّا أمكن المشرك المعطِّل للتوحيد العملي أن يأتي بتأويلٍ من جنسه، وقد اعترف بذلك حُذَّاق الفلاسفة وفضلاؤهم، فقال أبو الوليد ابن رشد في كتاب «الكشف عن مناهج الأدلة» (^٢):
«القول في الجهة: وأمَّا هذه الصفة فلم يزل أهل الشريعة يُثبِتونها لله سبحانه حتى نفتها المعتزلةُ، ثم تَبِعهم على نفيها متأخرو الأشعرية كأبي المعالي ومَنِ اقتدى بقوله. وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات (^٣) الجهة، مثل قوله: ﴿اَلرَّحْمَنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى﴾ [طه: ٤]، ومثل قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، ومثل قوله: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾ [الحاقة: ١٦]، ومثل قوله: ﴿يُدَبِّرُ اُلْأَمْرَ مِنَ اَلسَّمَا إِلَى اَلْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ﴾ [السجدة: ٤]، ومثل قوله تعالى: ﴿تَعْرُجُ اُلْمَلَائِكَةُ وَاَلرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤]، ومثل قوله: ﴿* آامِنتُم
_________________
(١) «ح»: «ولا».
(٢) «مناهج الأدلة» (ص ١٧٦ - ١٨٢).
(٣) «ح»: «إثباتها».
[ ١ / ١٨٨ ]
مَّن فِي اِلسَّمَاءِ اَن يَخْسِفَ بِكُمُ اُلْأَرْضَ﴾ [الملك: ١٧]، إلى غير ذلك من الآيات التي إنْ سُلِّط التأويل عليها عاد الشرعُ كله مؤولًا (^١). وإن قيل فيها: إنها من المتشابهات عاد الشرع كله متشابهًا؛ لأن الشرائع كلها مبنيةٌ على أن الله في السماء، وأن (^٢) منه تنزل الملائكةُ بالوحي إلى النبيين، وأن مِن السماء نزلت الكتبُ، وإليها كان الإسراء بالنبي - ﷺ - حتى قُرِّب من سدرة المنتهى. وجميع الحكماء قد اتفقوا على أن الله والملائكة في السماء، كما اتفقت (^٣) جميع الشرائع على ذلك.
والشبهة التي قادت نُفاةَ الجهة إلى نفيها هي أنهم اعتقدوا أن إثباتَ الجهة يوجب إثباتَ المكان، وإثباتَ المكان يوجب إثباتَ الجسمية.
ونحن نقول: إن إثبات هذا كله غير لازمٍ؛ فإن الجهة غير المكان، وذلك أن الجهة هي إمَّا سُطوح الجسم نفسه المحيطة به وهي ستة. وبهذا تقول: إن للحيوان فوق وأسفل ويمينًا وشمالًا وأمامَ وخلفَ. وإمَّا سُطوح جسمٍ آخر يحيط بالجسم ذي الجهات الست، فأمَّا الجهات التي هي سطوح الجسم نفسه فليست بمكان للجسم نفسه أصلًا، وأمَّا سطوح الأجسام المحيطة به (^٤) فهي له مكان، مثل سطوح الهواء المحيط بالإنسان، وسطوح الفلك المحيط بسطوح الهواء هي أيضًا مكان (^٥) للهواء، وهكذا الأفلاك بعضها
_________________
(١) «ح»: «متأولا».
(٢) «أن» ليس في «ح».
(٣) «ح»: «ارتفعت». وهو تحريف ظاهر.
(٤) «به» ليس في «ح».
(٥) «ح»: «فكان».
[ ١ / ١٨٩ ]
محيطةٌ ببعض ومكان له. وأمَّا سطح الفلك الخارج (^١) فقد تبرهن (^٢) أنه ليس خارجه جسمٌ؛ لأنه لو كان ذلك (^٣) كذلك لوجب أن يكون خارجَ ذلك الجسم جسمٌ آخر، ويمر (^٤) الأمر إلى غير نهاية. فإذًا سطحُ آخر أجسام العالم ليس مكانًا أصلًا؛ إذ ليس يمكن أن يوجد فيه جسمٌ؛ لأن كل ما هو مكان يمكن أن يوجد فيه جسمٌ. فإذًا إنْ قام البرهانُ على وجود موجود في هذه الجهة فواجبٌ أن يكون غير جسمٍ، فالذي يمتنع (^٥) وجوده هناك هو عكس ما ظنه القوم وهو موجود هو جسم، لا موجود ليس بجسم.
وليس لهم أن يقولوا: إن خارج العالم خلاء. وذلك أن الخلاء قد تبيَّن في العلوم النظرية امتناعُه؛ لأن ما يدل عليه اسم الخلاء ليس هو شيئًا أكثرَ من أبعادٍ ليس فيها جسمٌ، أعني: طُولًا وعرضًا وعمقًا؛ لأنه إنْ رُفِعت الأبعادُ (^٦) عنه عاد عَدَمًا، وإن أُنزِلَ الخلاء موجودًا لزم أن يكون أعراضٌ موجودة في غير جسمٍ؛ وذلك أن الأبعاد هي أعراض من باب الكمية ولا بد. ولكنه قيل في الآراء السالفة القديمة والشرائع الغابرة: إن ذلك الموضع هو مسكن الرُّوحانيين، يريدون الله والملائكة، وذلك أن ذلك الموضع ليس هو بمكان (^٧) ولا يحويه زمانٌ. وكذلك إن كان كل ما يحويه الزمان والمكان
_________________
(١) «مناهج الأدلة»: «الخارجي».
(٢) «ح»: «برهن».
(٣) «ذلك» ليس في «ح».
(٤) «ح»: «وممر».
(٥) «ح»: «والذي يمنع».
(٦) «ب»: «الأبصار».
(٧) «ب»: «مكان».
[ ١ / ١٩٠ ]
فاسدًا فقد يلزم أن يكون ما هنالك غيرَ فاسدٍ ولا كائنٍ [ق ٢١ ب]. وقد تبيَّن هذا المعنى ممَّا (^١) أقوله، وذلك أنه لمَّا (^٢) لم يكن ها هنا شيءٌ، إلَّا هذا الموجود المحسوس أو العدم (^٣)، وكان من المعروف بنفسه (^٤) أن الموجود إنما يُنسَب إلى الوجود، أعني أنه (^٥) يقال إنه موجودٌ - أي: في الوجود - إذ لا يمكن أن يقال إنه موجودٌ في العدم. فإن كان ها هنا موجودًا هو أشرفُ الموجودات فواجبٌ أن يُنسَب من الموجود المحسوس إلى الجزء (^٦) الأشرف وهي السماوات. ولشرفِ هذا الجزء (^٧) قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ اُلسَّمَاوَاتِ وَاَلْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ اِلنَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ اَلنَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [غافر: ٥٧]، وهذا كله يظهر على التمام للعلماء الراسخين في العلم.
فقد ظهر لك من هذا أن (^٨) إثبات الجهة واجبٌ بالشرع والعقل، وأنه الذي جاء به الشرع وانبنى عليه، وأن إبطال هذه القاعدة إبطالٌ للشرائع (^٩)، وأن وجه العُسر في تفهيم (^١٠) هذا المعنى مع نفي الجسمية (^١١) هو أنه ليس
_________________
(١) «ح»: «ما».
(٢) «لما» ليس في «ح».
(٣) «ح»: «المعدوم».
(٤) بعده في «ح»: «به».
(٥) «ح»: «أن».
(٦) «ح»: «الحيز».
(٧) «ح»: «التحيز».
(٨) «أن» ليس في «ح».
(٩) «ح»: «الشرائع».
(١٠) «ح»: «العرفي يفهم».
(١١) «ح»: «الجهمية».
[ ١ / ١٩١ ]
في الشاهد مثالٌ له، فهو بعينه السبب في أنه لم يصرِّح الشرع بنفي الجسم عن (^١) الخالق سبحانه؛ لأن الجمهور إنما يقع لهم (^٢) التصديقُ بحكم الغائب متى كان ذلك معلومَ الوجود في الشاهد، مثل العلم بالصانع، فإنه لما كان في الشاهد شرطًا في وجوده كان شرطًا في وجود الصانع الغائب. وأمَّا متى كان الحكم الذي في الغائب غير معلوم الوجود في الشاهد عند الأكثر، ولا يعلمه إلَّا العلماء (^٣) الراسخون، فإن الشرع يَزجُر عن طلب معرفته إن لم يكن بالجمهور حاجة إلى معرفته، مثل العلم بالنفس، أو يضرب له مثالًا من الشاهد إن كان بالجمهور حاجة إلى معرفته في سعادتهم (^٤).
والشبهة الواقعة في نفي الجهة - عند الذين نفَوْها - ليس يتفطن الجمهور إليها، لا سيما إذا لم يصرِّح لهم بأنه (^٥) ليس بجسمٍ، فيجب أن يمتثل في هذا كله فِعل الشرع، وأن لا يتأول ما لم يُصرِّح الشرع (^٦) بتأويله.
والناس في هذه الأشياء في الشرع على ثلاث مراتب:
صِنفٌ لا يشعرون بالشكوك العارضة (^٧) في هذا المعنى، وخاصة متى
_________________
(١) «ح»: «على».
(٢) «ب»: «على».
(٣) «العلماء» ليس في «ب».
(٤) من قوله: «إن كان بالجمهور» إلى هنا ليس في «ب». وفي «ح» تحرف لفظ «سعادتهم» إلى «معادتهم». وصوبته من «م» و«مناهج الأدلة» لابن رشد.
(٥) من قوله: «ليس يتفطن» إلى هنا ليس في «ب».
(٦) من قوله: «وأن لا يتأول» إلى هنا ليس في «ب».
(٧) «ح»: «للمعارضة».
[ ١ / ١٩٢ ]
تُركت هذه الأشياء على ظاهرها في الشرع، وهؤلاء هم الأكثر، وهم الجمهور.
وصِنفٌ عرفوا حقيقة هذه الأشياء، وهم العلماء الراسخون في العلم، وهؤلاء هم الأقل من الناس.
وصِنفٌ عرضت لهم في هذه الأشياء شكوكٌ ولم يقدروا على حلها، وهؤلاء هم فوق العامة ودون العلماء، وهذا الصِّنف هم الذين يُوجد في حقهم التشابهُ في الشرع، وهم الذين ذمَّهم الله. وأمَّا عند العلماء والجمهور فليس في الشرع تشابهٌ، فعلى هذا المعنى ينبغي أن يُفهم التشابه. ومثال ما عرض لهذا الصِّنف مع الشرع مثالُ ما يعرض في خبز البُرِّ مثلًا - الذي هو الغذاء النافع لأكثر الأبدان - أن يكون لأقل الأبدان ضارًّا، وهو نافعٌ للأكثر، وكذلك التعليم الشرعي هو نافع للأكثر، وربما ضرَّ الأقل، ولهذا (^١) الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا اَلْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٥]
لكن هذا إنما يعرض في آيات الكتاب العزيز في (^٢) الأقل منها والأقل من الناس، وأكثرُ ذلك هي الآيات التي تتضمَّن الإعلام عن أشياء في الغائب ليس لها مثال في الشاهد، فيُعبَّر (^٣) عنها بالشاهد الذي هو أقرب الموجودات (^٤) إليها، وأكثرها شبهًا (^٥) بها، فيعرض لبعض الناس أن يأخذ
_________________
(١) في النسختين: «وبهذا». وفي «م»: «وإلى هذا». والمثبت من «مناهج الأدلة».
(٢) «في» ليس في «ب».
(٣) «ح»: «فيصير».
(٤) «ب»: «الوجودات».
(٥) «ح»: «تشبيهًا».
[ ١ / ١٩٣ ]
الممثَّل به هو المثال نفسه (^١)، فيلزمه الحيرة والشك، وهو الذي يُسمَّى متشابهًا في الشرع. وهذا ليس يعرض للعلماء ولا للجمهور، وهم صِنفَا الناس في الحقيقة؛ لأن هؤلاء هم الأصِحَّاء، والغذاء الملائم إنما يُوافق أبدان الأصحاء (^٢). وأمَّا أولئك فمرضى، والمرضى هم الأقل، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٧]، وهؤلاء أهل الجدل (^٣) والكلام.
وأشدُّ ما عرض على الشريعة من هذا الصنف أنهم تأولوا كثيرًا ممَّا ظنوه ليس على ظاهره، وقالوا: إن هذا التأويل هو المقصود به، وإنما أتى اللهُ به في صورة المتشابه ابتلاءً لعباده واختبارًا لهم. ونعوذ بالله من هذا الظن بالله، بل نقول: إن كتاب الله العزيز إنما جاء معجِزًا من جهة الوضوح والبيان. فإذًا ما أبعدَ مِن مقصد الشرع مَن قال فيما ليس بمتشابه إنه متشابه. ثم أوَّلَ ذلك المتشابِهَ بزعمه، وقال لجميع (^٤) الناس: إن فرضكم هو اعتقاد هذا التأويل، مثل ما قالوه في آيات الاستواء على العرش، وغير ذلك ممَّا قالوا إن ظاهره متشابِهٌ.
وبالجملة فأكثرُ التأويلات التي زعم القائلون بها أنها المقصود من الشرع إذا تُؤمِّلَت وُجدتْ ليس يقوم عليها برهانٌ، ولا تفعل فِعل الظاهر في قبول الجمهور لها وعملهم (^٥) عنها. فإن المقصود الأول بالعلم في حق
_________________
(١) «ب»: «يقيسه».
(٢) «والغذاء الملائم إنما يوافق أبدان الأصحاء». في «ح»: «عن».
(٣) «الجدل» ليس في «ح».
(٤) «ح»: «فجميع».
(٥) «ب»: «وعلمهم».
[ ١ / ١٩٤ ]
الجمهور إنما هو العمل، فما كان أنفعَ في العمل فهو أجدرُ. وأما المقصود بالعلم في حق العلماء فهو الأمران جميعًا، أعني العلم والعمل.
ومثال مَن أوَّلَ شيئًا من الشرع، وزعم أن ما أوَّلَه هو الذي قصده الشرع، وصرح بذلك التأويل للجمهور: مثال مَن أتى إلى دواءٍ قد ركَّبه طبيبٌ ماهرٌ ليحفظ صحةَ جميع الناس أو الأكثر، فجاء رجلٌ فلم يلائمه ذلك [ق ٢٢ أ] الدواء المركَّب الأعظم لرداءة مزاجٍ كان به ليس يعرض إلَّا للأقل من الناس، فزعَمَ أن بعض الأدوية الذي (^١) صرَّح باسمه الطبيبُ الأول في ذلك الدواء العام المنفعة المركَّب لم يُرِدْ به ذلك الدواءَ التي جرت العادة في اللسان أن يدل بذلك الاسم عليه، وإنما أراد به دواءً آخَرَ ممَّا يمكن أن يدل عليه بذلك باستعارة بعيدة، فأزال ذلك الدواء الأول من ذلك المركب الأعظم، وجعلَ فيه بدلَه الدواء الذي ظن أنه الذي قصده الطبيبُ، وقال للناس: هذا هو الذي قصده الطبيبُ الأول. فاستعمل الناسُ ذلك الدواء المركَّب على الوجه الذي تأوَّله عليه ذلك المتأوِّل (^٢)، ففسدت به أمزجةُ كثيرٍ من الناس. فجاء آخرون فشعروا بفساد أمزجة الناس عن ذلك الدواء المركَّب، فراموا إصلاحه بأن أبدلوا بعض أدويته بدواءٍ آخرَ غير الدواء الأول، فعرض من ذلك للناس نوعٌ من المرض غير النوع (^٣) الأول. فجاء ثالثٌ فتأوَّل في أدوية ذلك المركَّب غيرالتأويل الأول والثاني، فعرض من ذلك للناس (^٤) نوعٌ ثالثٌ من المرض
_________________
(١) «ب»: «التي».
(٢) في النسختين: «المثال». والمثبت من «م» و«مناهج الأدلة».
(٣) «النوع ليس في «ح».
(٤) «للناس» ليس في «ب».
[ ١ / ١٩٥ ]
غير النوعين المتقدمين. فجاء متأوِّلٌ رابع فتأول دواءً آخر غير الأدوية المتقدمة. فعرض منه للناس نوعٌ رابعٌ من المرض (^١) غير الأمراض المتقدمة، فلمَّا طال الزمان بهذا الدواء المركَّب الأعظم، وسلط الناس التأويل على أدويته وغيَّروها وبدَّلوها، عرض منه للناس أمراضٌ شتى، حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركَّب في حق أكثر الناس.
وهذه هي حال هذه الفِرَق الحادثة في الشريعة. مع الشريعة، وذلك أن كل (^٢) فرقةٍ منهم تأوَّلت في الشريعة تأويلًا غير التأويل الذي تأوَّلته الفرقةُ الأخرى، وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشرع، حتى تمزَّقَ الشرعُ كلَّ مُمزَّقٍ، وبَعُدَ جدًّا عن موضوعه الأول. ولمَّا علم (^٣) صاحب الشرع - ﷺ - أن مثل هذا يعرض، ولا بد، في شريعته، قال: «سَتَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً، كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلَّا وَاحِدَةً» (^٤). يعني بالواحدة: التي سلكت ظاهرَ الشرع
_________________
(١) «ح»: «الأمراض».
(٢) «كل» سقط من «ح».
(٣) «ح»: «علمه».
(٤) أخرجه الإمام أحمد (١٧٢١١) وأبو داود (٤٥٩٧) والحاكم في «المستدرك» (١/ ١٢٨) عن معاوية بن أبي سفيان - ﵄ -. وقال الحاكم: «هذه أسانيد تقام بها الحُجة في تصحيح هذا الحديث». وقال ابن كثير في «البداية والنهاية» (١٩/ ٣٨): «تفرد به أبو داود، وإسناده حسن». وأخرجه أحمد (١٢٨١٥) وابن ماجه (٣٩٩٣) والضياء في «المختارة» (٧/ ٨٩) عن أنس بن مالك - ﵁ -، وقال البوصيري في «مصباح الزجاجة» (١٤١٢): «إسناد صحيح رجاله ثقات». قلنا: وفي الباب عن جماعة من الصحابة - ﵃ -، ينظر: «تخريج أحاديث الكشاف» للزيلعي (١/ ٤٤٧ - ٤٥١) و«الأجوبة المرضية» للسخاوي (١٤٧). وقال شيخ الإسلام في «مجموع الفتاوى» (٣/ ٣٤٥): «الحديث صحيح مشهور في السنن والمساند».
[ ١ / ١٩٦ ]
ولم تؤوِّله.
وأنت إذا تأملتَ ما (^١) عرض في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض (^٢) فيها من قِبَل التأويل (^٣) تبيَّنتَ أن هذا المثال صحيح، وأولُ مَن غيَّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارجُ، ثم المعتزلة بعدهم، ثم الأشعرية، ثم الصوفية، ثم جاء أبو حامد فَطَمَّ الوادي على القَرِيِّ (^٤)».
وذكر كلامًا بعد ذلك يتعلق (^٥) بكُتب أبي حامد (^٦) ليس لنا غرضٌ في حكايته.
* * * * *
_________________
(١) «ب»: «في».
(٢) «ح»: «المعارض».
(٣) «التأويل» ليس في «ح».
(٤) يقال: «جرى الوادي فطمَّ على القَرِيِّ». أي: جرى سيل الوادي فطمَّ أي: دفن، يقال: طمَّ السيلُ الركيةَ. أي: دفنها، والقريِّ: مجرى الماء في الروضة، والجمع أقرية وقريان، و«على» من صلة المعنى: أي أتى على القري، يعني: أهلكه بأن دفنه، يُضرب عند تجاوز الشر حده». قاله الميداني في «مجمع الأمثال» (١/ ١٥٩).
(٥) «ح»: «متعلق».
(٦) «أبي حامد» ليس في «ح».
[ ١ / ١٩٧ ]