التأويل: تفعيل مِن آلَ يؤولُ إلى كذا: إذا صار إليه، فالتأويل: التصيير، وأَوَّلتُه تأويلًا: إذا صيرتَه إليه، فآلَ وتأوَّلَ، وهو مطاوِعُ أوَّلْتَه.
وقال الجوهري (^١): «التأويل: تفسيرُ ما يؤولُ إليه الشيءُ، وقد أوَّلتُه تأويلًا وتأوَّلْتُه بمعنًى؛ قال الأعشى (^٢):
عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ تَأَوَّلُ حُبَّهَا تَأَوُّلَ رِبْعِيِّ السِّقَابِ فَأَصْحَبَا
قال أبو عبيدة: يعني تفسير حبِّها ومرجعه، أي أنه كان صغيرًا في قلبه فلم يزل يَنبُتُ حتى صار قديمًا كهذا [ق ٣ ب] السَّقب (^٣) الصغير، لم يزل يشبُّ حتى صار كبيرًا مثل أمه وصار له ابنٌ يصحبه». انتهى كلامه.
ثم تُسمَّى العاقبة تأويلًا؛ لأنَّ الأمر يصير إليها، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اَللَّهِ وَاَلرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ اِلْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٨].
وتُسمَّى حقيقة الشيء المخبَر به تأويلًا؛ لأن الأمر ينتهي إليها، ومنه قوله: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ اُلَّذِينَ نَسُوهُ مِن قَبْلُ قَد جَّاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٥٢] فمجيءُ تأويله مجيءُ نفس ما أخبرت
_________________
(١) «تاج اللغة وصحاح العربية» (٤/ ١٦٢٧).
(٢) «ديوان الأعشى» (ص ١١٣).
(٣) «ح»: «الشهب». وهو تصحيف، قال الجوهري في «الصحاح» (١/ ١٤٨): «السقب: الذكر من ولد الناقة، ولا يقال للأنثى سقبة، ولكن حائل».
[ ١ / ٢٣ ]
به الرُسل من اليوم الآخر والمعاد وتفاصيله والجنة والنار.
ويُسمَّى تعبيرُ الرؤيا تأويلًا بالاعتبارين؛ فإنه تفسيرٌ لها، وهو عاقبتها وما تؤول إليه، وقال يوسف لأبيه: ﴿يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُءْيَايَ مِن قَبْلُ﴾ [يوسف: ١٠٠] أي: حقيقتها ومصيرها إلى هاهنا انتهت.
وتُسمَّى العِلة الغائية والحكمة المطلوبة بالفعل تأويلًا؛ لأنها بيانٌ لمقصود الفاعل وغرضه من الفعل الذي لم يعرف الرائي له غرضَه به. ومنه قول الخضر لموسى ﵉ بعد أن ذكَر له الحكمة المقصودة بما فعله من تخريق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار بلا عوض: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٧٧]. فلمَّا أخبره بالعلة الغائية التي انتهى إليها فعله قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٨١].
فالتأويل في كتاب الله ﷾ المراد به: حقيقة المعنى الذي يؤول اللفظ إليه، وهي الحقيقة الموجودة في الخارج، فإن الكلام نوعان: خبرٌ وطلبٌ. فتأويل الخبر هو الحقيقة، وتأويل الوعد والوعيد هو نفس الموعود والمتوعد به، وتأويل ما أخبر الله به مِن صفاته وأفعاله نفس ما هو عليه سبحانه، وما هو موصوفٌ به من الصِّفات العُلى، وتأويل الأمر هو نفس الأفعال المأمور بها. قالت عائشة: «كان رسول الله - ﷺ - يقول في ركوعه وسجوده: سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ. يتأوَّلُ القرآنَ» (^١). فهذا التأويل هو نفس فِعل المأمور به (^٢)، فهذا التأويل في كلام الله ورسوله.
_________________
(١) أخرجه البخاري (٨١٧) ومسلم (٤٨٤).
(٢) «به» ليس في «ب».
[ ١ / ٢٤ ]
وأمَّا التأويل في اصطلاح أهل التفسير والسلف من أهل الفقه والحديث فمرادهم به معنى التفسير والبيان. ومنه قول ابن جرير وغيره: «القول في تأويل قوله تعالى كذا وكذا»، يريد: تفسيره. ومنه قول الإمام أحمد في كتابه في «الرد على الجهمية» (^١): «فيما تأولته مِن القرآن على غير تأويله». فأبطلَ تلك التأويلاتِ التي ذكروها، وهي تفسيرها المراد بها، وهو تأويلها عنده. فهذا التأويل يرجع إلى فَهْم المعنى (^٢) وتحصيله في الذهن، والأول يعود إلى وقوع حقيقته في الخارج.
وأمَّا المعتزلة والجهمية وغيرهم من فرق المتكلمين فمرادهم بالتأويل: صرف اللفظ عن ظاهره وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهرَه (^٣). وهذا هو الشائع في عُرف المتأخرين من أهل الأصول والفقه، ولهذا يقولون: «التأويل على خلاف الأصل»، و«التأويل يحتاج إلى دليل».
وهذا التأويل هو الذي صُنِّف في تسويغه وإبطاله من الجانبين، فصَنَّف جماعةٌ في تأويل آيات (^٤) الصِّفات وأخبارها، كأبي بكر بن فُورَك (^٥) وابن مهدي الطبري (^٦) وغيرهما، وعارَضهم آخرون فصنَّفوا في إبطال تلك
_________________
(١) «الرد على الجهمية» (ص ٩٧).
(٢) «ح»: «المؤمن».
(٣) «وحقيقته إلى مجازه وما يخالف ظاهره» ليس في «ح».
(٤) «ب»: «إثبات».
(٥) كتابه «مشكل الحديث وبيانه» مطبوع معروف متداوَل.
(٦) هو أبو الحسن علي بن محمد بن مهدي الطبري تلميذ الشيخ أبي الحسن الأشعري، له كتاب «مشكل الأحاديث الواردة في الصفات» أو «تأويل الأحاديث المشكلات الواردات في الصفات»، كما في ترجمته في «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر (ص ١٩٥ - ١٩٦) و«تاريخ الإسلام» للذهبي (٨/ ٤٩٢) و«طبقات الشافعية الكبرى» للسبكي (٣/ ٤٦٦). وله مخطوط اسمه «تأويل الآيات المشكلة الموضحة» محفوظ في مكتبة طلعت المودعة بدار الكتب المصرية، في مجموع رقم ٤٩١.
[ ١ / ٢٥ ]
التأويلات (^١)، كالقاضي أبي يعلى (^٢) والشيخ موفَّق الدِّين ابن قُدامة (^٣). وهو الذي حكى (^٤) غيرُ واحدٍ إجماعَ السلف على عدم القول به، كما سيأتي حكاية ألفاظهم، إن شاء الله تعالى.
* * * * *
_________________
(١) «ح»: «ذلك التأويل».
(٢) كتابه «إبطال التأويلات لأخبار الصفات» مطبوع معروف متداوَل.
(٣) رسالته «ذم التأويل» مطبوعة معروفة متداوَلة.
(٤) «ب»: «حكي عن».
[ ١ / ٢٦ ]
فصل
وعلى هذا ينبني (^١) الكلام في (^٢)