فصل
ومن جنايات التأويل ما وقع في الإسلام من الحوادث بعد موت رسول الله - ﷺ - وإلى يومنا هذا، بل في حياته - صلوات الله وسلامه عليه - فإن خالد بن الوليد قتل بني جَذِيمة بالتأويل، ولهذا تبرَّأَ رسول الله - ﷺ - مِن صُنعه، وقال: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ» (^١).
ومنعَ الزكاةَ مَن منعها من العرب - بعد موت رسول الله - ﷺ - - بالتأويل، وقالوا: إنما قال الله لرسوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَوَاتِكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٤]، وهذا لا يكون لغيره. فجرى بسبب هذا التأويل الباطل على الإسلام وأهلِه ما جرى.
ثم جرت الفتنةُ التي جرَّتْ قَتْلَ عثمان بالتأويل، ولم يزل التأويلُ يأخذ مأخذَه حتى قُتل به عثمانُ، فأَخذَ في الزيادة والتولد حتى قُتِل به بين عليٍّ ومعاوية بصفين سبعين (^٢) ألفًا أو أكثر من المسلمين، وقُتِلَ أهلُ الحرَّة (^٣) بالتأويل، وقُتل نوبةَ الجمل بالتأويل مَن قُتل، ثم كان قُتِل ابن الزبير ونُصِبَ
_________________
(١) أخرجه البخاري (٤٣٣٩) عن عبد الله بن عمر - ﵄ -.
(٢) كذا في النسختين!
(٣) لما استباح جيش يزيد بن معاوية المدينة النبوية، «فإن أهل المدينة النبوية نقضوا بيعته وأخرجوا نوابه وأهله فبعث إليهم جيشًا؛ وأمره إذا لم يطيعوه بعد ثلاث أن يدخلها بالسيف ويبيحها ثلاثًا، فصار عسكره في المدينة النبوية ثلاثًا يقتلون وينهبون ويفتضون الفروج المحرمة». قاله شيخ الإسلام «مجموع الفتاوى» (٣/ ٤١٢). وأخبار هذه المصيبة مبسوطة في كتب التاريخ في أحداث سنة ثلاث وستين من الهجرة.
[ ١ / ١٧٠ ]
المنجنيقُ على البيت بالتأويل، ثم كانت فتنة ابن الأشعث وقُتِل مَن قُتِل من المسلمين (^١) بدَيْرِ الجماجم (^٢) بالتأويل، ثم كانت فتنة الخوارج - ما لقي المسلمون من حروبهم وأذاهم - بالتأويل (^٣)، ثم خروج أبي مسلم (^٤) وقتْله بني أُمية وتلك الحروب العظام بالتأويل، ثم خروج العلويين وقتْلهم وحبْسهم ونفْيهم بالتأويل، إلى أضعاف أضعاف ما ذكرنا من حوادث الإسلام التي جرها التأويل.
وما ضُرب مالكٌ بالسياط وطِيفَ به إلَّا بالتأويل، ولا ضُرب الإمام أحمد بالسياط وطُلب قتله إلَّا بالتأويل، ولا قُتل أحمد بن نصر الخزاعي (^٥) إلَّا بالتأويل، ولا جرى على نُعيم بن حمادٍ الخُزاعي ما جرى (^٦) وتوجَّعَ أهلُ
_________________
(١) «من المسلمين» ليس في «ب».
(٢) كانت سنةَ اثنتين أو ثلاث وثمانين بين جيشين عظيمين، جيش بقيادة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، وجيش بقيادة الحجاج بن يوسف الثقفي. وينظر «تاريخ الطبري» (٦/ ٣٤٦) و«الكامل» لابن الأثير (٣/ ٤٩٤).
(٣) من قوله: «ثم كانت فتنة الخوارج» إلى هنا ليس في «ب».
(٤) أبو مسلم الخراساني صاحب الدعوة، وهازم جيوش الدولة الأموية، والقائم بإنشاء الدولة العباسية. ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٤٨ - ٧٣).
(٥) قال الذهبي في «العبر» (١/ ٤٠٨): «قتله الواثق بيده لامتناعه من القول بخلق القرآن، ولكونه أغلظ للواثق في الخطاب وقال له: يا صبي. وكان رأسًا في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ فقام معه خلقٌ من المطوعة واستفحل أمرهم؛ فخافته الدولة من فتق يتم بذلك».
(٦) قال الذهبي في «العبر» (١/ ٤٠٥): «امتُحِن بخلق القرآن فلم يُجِب؛ فحُبس وقُيِّد، ومات في الحبس رحمه الله تعالى».
[ ١ / ١٧١ ]
الإسلام لمُصابه إلَّا بالتأويل، ولا جرى على محمد بن إسماعيل البخاري ما جرى ونُفِيَ وأُخرِجَ من بلده إلَّا بالتأويل، ولا قُتل مَن قُتل مِن خلفاء الإسلام ومُلوكه إلَّا بالتأويل، ولا جرى على شيخ الإسلام عبد الله أبي (^١) إسماعيل الأنصاري ما جرى، وطُلب قَتْلُه بضعةً وعشرين مرةً إلَّا بالتأويل، ولا جرى على أئمة السُّنَّة والحديث ما جرى حين (^٢) حُبِسُوا وشُردوا وأُخرجوا من ديارهم إلَّا بالتأويل، ولا جرى على شيخ الإسلام ابن تيمية ما جرى من خُصومه بالسَّجْن (^٣)، وطلب قتله أكثر من عشرين مرة إلَّا بالتأويل.
فقاتل الله التأويل الباطل (^٤) وأهلَه، وأخذ حقَّ دِينه وكتابه ورسوله وأنصاره منهم، فماذا هدموا من معاقل الإسلام، وهدُّوا من أركانه، وقلعوا من قواعده! ولقد تركوه أرقَّ من الثوب الخَلَق البالي، الذي تطاولت عليه السنون وتوالت عليه الأهوية والرياح.
ولو بسطنا هذا الفصل وحده وما جناه التأويل على الأديان والشرائع وخراب العالم لَقام منه عدةُ أسفار، وإنما نبَّهنا تنبيهًا يعلم به العاقلُ ما وراءه. وبالله التوفيق.
* * * * *
_________________
(١) في النسختين: «بن». وهوتصحيف، وشيخ الإسلام أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي ترجمته في «سير أعلام النبلاء» (١٨/ ٥٠٣).
(٢) «ح»: «حتى».
(٣) «ح»: «بالسحر الباطلة».
(٤) «الباطل» ليس في «ح».
[ ١ / ١٧٢ ]