كتاب «الصواعق» ثابت النسبة للإمام ابن القيِّم - رحمه الله تعالى - وقد تضافرت على ذلك الأدلة، وقد قسمتها إلى أدلة داخلية من الكتاب، وأدلة خارجية:
أمَّا الأدلة الداخلية فمنها:
الأول: ما في ثنايا الكتاب من إحالة الإمام ابن القيِّم على كتبه المشهورة:
فقد أحال على ثلاثة من كتبه المشهورة، هي:
١ - «اجتماع الجيوش الإسلامية» في قوله (ص ٨٤٦): «وقد ذكرنا في كتاب «اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية» أضعاف أضعاف هذه النقول عن الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة الأربعة نصًّا صريحًا عنهم، نقل أصحابهم وغيرهم، وأئمة التفسير، وأئمة اللغة، وأئمة النحو، وأئمة الفقه، وسادات الصوفية، وشعراء الجاهلية والإسلام، ممَّا في بعضه كفاية لمن أراد الله هدايته». وفي قوله (ص ٨٩٠): «وهذه النقول التي حكيناها قليلٌ من كثيرٍ، وقد ذكرنا أضعاف أضعافها في كتاب «اجتماع العساكر الإسلامية على غزو الفرقة الجهمية». وهذه الأقوال في «اجتماع الجيوش الإسلامية» (ص ١٦٢ - ٥١٠).
٢ - «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح» في قوله (ص ٩١٥): «وقد ذكرنا في كتاب «صفة الجنة» أربعين دليلًا على مسألة الرُّؤية من الكتاب والسُّنَّة». وهي في «حادي الأرواح» (٢/ ٦٠٥ - ٧١٤).
٣ - «مفتاح دار السعادة» في قوله (ص ١٠٢٥ - ١٠٢٦): «وعلى هذا
[ المقدمة / ٧ ]
الأصل تنشأ مسألة التحسين والتقبيح، وقد ذكرناها مستوفاةً في كتاب «المفتاح» وذكرنا على صحتها فوق الخمسين دليلًا». وهي في «مفتاح دار السعادة» (٢/ ٨٧٥ - ٨٩١).
الثاني: ما في ثنايا الكتاب من نقل الإمام ابن القيِّم عن شيوخه المعروفين:
فقد ذكر ابن القيِّم في كتابه هذا اثنين من شيوخه المشهورين، هما:
١ - شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (ت ٧٢٨ هـ).
ذكره في غير موضع وكان به حفيًّا.
٢ - الشيخ عبد الله بن عبد الحليم ابن تيمية (ت ٧٢٧ هـ) (^١).
ذكر ابن القيم (ص ١٣١) مناظرة وقال: «حدثني بمضمونها شيخُنا عبد الله ابن تيمية - ﵀ -».
الثالث: اختيارات ابن القيِّم المشهورة وإحالاته على أبحاثه عنها، منها:
١ - مسألة دخول الكفّارة في الحلف بالطلاق وكون الثلاث في كلمةٍ واحدةٍ واحدةً، قال (ص ٣٣٥): «فالذي يَجزِم به أن دخول الكفارة في الحلف بالطلاق وكون الثلاث في كلمةٍ واحدةٍ واحدةً أحد الوجهين في مذهب أحمد، وهو مخرَّج على أصوله أصحَّ تخريج، والغرض نقض قول مَن ادعى الإجماع في ذلك، ولتقرير هذه المسألة موضع آخر». وينظر: «زاد المعاد» (٥/ ٣٤٤ - ٣٨٣) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٤٩٩ - ٥٦٩) و«بدائع الفوائد» (٣/ ٣١ - ٣٨). ولقد نصر الإمام ابن القيم هذه المسألة وأُوذي بسببها كما
_________________
(١) ترجمته في: «المعجم المختص بالمحدثين» للذهبي (ص ١٢١) و«أعيان العصر» للصفدي (٢/ ٦٩٢) و«ذيل طبقات الحنابلة» لابن رجب (٤/ ٤٧٧).
[ المقدمة / ٨ ]
هو معلوم.
٢ - مسألة طلاق الحائض، لما ذكر حديث عبد الله بن عمر طلَّق امرأته وهي حائض، قال (ص ٣٤٠): «والكلام على هذا الحديث وعلى الحديث الآخر: «أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ» وبيان عدم التعارض بينهما له موضعٌ آخَرُ». وقد تكلم الإمام ابن القيم - ﵀ - على هذه المسألة بتوسُّع في «تهذيب السنن» (١/ ٤٨٣ - ٥١٦) وختمها بقوله: «وقد أفردت لهذه المسألة مصنَّفًا مستقلًّا، ذَكَرتُ فيه مذاهب الناس ومآخذهم، وترجيح القول الراجح، والجواب عمَّا احتجَّ به أصحاب القول الآخر».
٣ - مسألة نكاح المحلل، قال (ص ٢٩٩): «وغير ذلك من الوجوه التي أَفهَمَتْ منها الآية بطلانَ نكاح المحلِّل، وهي عشرة، قد ذكرناها في موضع آخر». وينظر عن نكاح المحلل «زاد المعاد» (٥/ ١٥٤ - ١٥٧) و«إغاثة اللهفان» (١/ ٤٧٣ - ٤٩٥).
الرابع: أسلوب الإمام ابن القيِّم الذي لا يخطئه من يعرفه.
أسلوب يمتاز بعذوبة اللفظ، وسلاسة العبارة، وحُسن التقسيم، مع الإحاطة بأطراف المسائل وكثرة الاستشهاد بالكتاب والسُّنة وآثار السلف، فتأتي كتبه في غاية القوة مع الإنصاف وحُسن العبارة؛ قال الشوكاني في «البدر الطالع» (٢/ ١٤٤ - ١٤٥): «وله من حُسن التَّصرف مع العذوبة الزَّائدة، وحُسن السِّياق ما لا يقدر عليه غالب المصنِّفين، بحيث تعشق الأفهام كلامه، وتميل إليه الأذهان، وتحبُّه القلوب، وليس له على غير الدَّليل معوَّل في الغالب وغالب أبحاثه الإنصاف والميل مع الدَّليل حيث مال، وعدم التَّعويل على القيل والقال، وإذا استوعب الكلام في بحثٍ وطوَّل ذيوله أتى
[ المقدمة / ٩ ]
بما لم يأت به غيره، وساق ما ينشرح له صدور الرَّاغبين في أخذ مذاهبهم عن الدَّليل».
وأمَّا الأدلة الخارجية فكثيرة، منها:
الأول: أن الإمام ابن القيِّم نفسه أحال عليه في عدة كتبٍ من كتبه المشهورة:
منها: قوله في «مدارج السالكين» (٤/ ٣٠٦): «وكذلك كان تأويل آيات الصفات وأحاديثها بما يخرجها عن حقائقها من جنس تأويل آيات المعاد وأخباره، بل أبعد منه لوجوهٍ كثيرةٍ، ذكرتها في كتاب «الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة».
ومنها: قوله في «إغاثة اللهفان» (٢/ ٥٢٦): «وقد دل على هذا نسبة الله سبحانه ذلك الكيد إلى نفسه بقوله: ﴿كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ اِلْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اَللَّهُ﴾ [يوسف: ٧٦] وهو سبحانه ينسب إلى نفسه أحسن هذه المعاني، وما هو منها حكمة وحق وصواب، وجزاء للمسيء، وذلك غاية العدل والحق كما قد بسطنا هذا المعنى واستوفينا عليه الكلام في كتاب «الصواعق».
ومنها: قوله في «الكافية الشافية» (ص ٥١٧):
عشرون وجهًا تبطل التأويل باسـ ـتولى ف لا تخرج عن القرآن
قد أفردت بمصنف هو عندنا تصنيف حبر عالم رباني
ولقد ذكرنا أربعين طريقة قد أبطلت هذا بحسن بيان
هي في «الصواعق» إن ترد تحقيقها لا تختفي إ لا على العميان
[ المقدمة / ١٠ ]
الثاني: وجود «مختصر الصواعق» للإمام محمد الموصلي تلميذ مصنِّفه.
وهو مختصرٌ نافعٌ جدًّا، مشهور مطبوع عدة طبعات، وهو مختصر يحافظ على عبارة المصنِّف غالبًا، وسيأتي الكلام عليه.
وكذلك وجود «مختصر الصواعق» للشيخ محمد بن عبد الوهاب.
الثالث: نقل أهل العلم عن «الصواعق».
للأسف لم أقف على نقول كثيرة من «الصواعق»، وممَّن وقفت على نقله عنه: الشيخ عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب في «فتح المجيد» (ص ٥٦ - ٥٧) وفي «كشف ما ألقاه إبليس من البهرج والتلبيس على قلب داود بن جرجيس» (ص ١٤٤ - ١٤٦، ١٤٩ - ١٥٢) والشيخ سليمان بن سحمان في «إقامة الحجة والدليل وإيضاح المحجة والسبيل» (ص ٤٨ - ٤٩).
الرابع: نسب «الصواعق» إلى الإمام ابن القيِّم جماعةٌ كثيرةٌ من أهل العلم.
منهم: شهاب الدِّين ابن رجب في «معجم شيوخه» -كما في «المنتقى من معجم شيوخ ابن رجب» (ص ١٠١) - وابنه زين الدِّين ابن رجب في «ذيل طبقات الحنابلة» (٥/ ١٧٥) وابن حجر في «الدُّرر الكامنة» (٣/ ٤٠٢) والعليمي في «الدُّر المنضد» (٢/ ٥٢٢) وفي «المنهج الأحمد» (٥/ ٩٤) والدَّاودي في «طبقات المفسرين» (٢/ ٩٦) وحاجي خليفة في «سلم الوصول» (٣/ ٦٢) وفي «كشف الظنون» (٢/ ١٠٨٣) وابن العماد في «شذرات الذهب» (٨/ ٢٩٠) والشَّوكاني في «البدر الطَّالع» (٢/ ١٤٤) وابن
[ المقدمة / ١١ ]
بدران في «منادمة الأطلال» (ص ٢٤١) وصدِّيق حسن خان في «التَّاج المكلَّل» (ص ٤١١) وفي «أبجد العلوم» (٣/ ١٤٠) وإسماعيل البغدادي في «هدية العارفين» (٢/ ١٥٨ - ١٥٩) والشَّطي في «مختصر طبقات الحنابلة» (٦٩) والآلوسي في «جلاء العينينِ» (ص ٤٩ - ٥١) والزِّركلي في «الأعلام» (٦/ ٥٦) وكحالة في «معجم المؤلفين» (٣/ ١٦٥) وغيرهم.
كل هذا يجعلنا لا نرتاب في صحة نسبة «الصواعق المرسلة» إلى الإمام ابن القيِّم.
* * * * *
[ المقدمة / ١٢ ]