فصل: ولذلك كان جبير بن مطعم أعلم قريش بالعرب بعد أبي بكر، لأنه كان المتولي لتأديبه وتثقيفه، وقد كان أبو بكر قد سمى عائشة له، للذي رأى من حسن أثره عليه.
وكان أبو بكر، مع علمه بالناس وحسن معرفته، ذا مال كثير ووجه عريض، وتجارة واسعة، وكان جميلا عتيقا، ومزورا مغشيا، ومحببا أديبا، صاحب ضيافات، ويعين في الحمالات، ويجتمع إلى مجلسه كبراء أهل مكة، لما يجدون عنده من طريف الحديث وغريب الشعر، حتى كان مثل عتبة وشيبة يجلسان إليه، ويعجبان بحديثه، ثم يتخذ لهم ما يتحدثون عليه ويطول مجلسهم به، من شراب العسل والزبيب
[ ٢٥ ]
واللبن، فكانت قريش بعد إسلام أبي بكر وكثرة مستجيبيه بمكة تريد تنفير عتبة بن ربيعة من مجلسه وإيحاشه منه، مخافة أن يستميله بحسن دعائه، وتأتيه ورفقه، ورقة دموعه وشدة خشوعه، فتقول له: أما إنك ما تأتي ابن أبي قحافة إلا لطيب عسله وإلا لمذقته، وإنما نفروه بهذا وشبهه لأنه كان ذا عيال مملقا ثقيل المؤونة، خفيف ذات اليد، مع سنه وسؤدده وحلمه ورأيه.
ولا سواء إسلام ذي اليسر والمال الدثر، المنفق حريرة كسبه وعقيلة ملكه، والمفرق عنه جمعه والموحش منه أنيسه، الخارج من عز الغنى وكثرة الصديق، إلى ذل القلة وعجز الفاقة، وإسلام من لا حراك به ولا جدا عنده، تابع غير متبوع، ومستجد غير مجد. لأن من أشد ما يبتلى به الكريم السب بعد التحية، والضرب بعد الهيبة، والعسر بعد اليسر.
ولا سواء إسلام العالم الأديب الأريب، ذي الرأي السديد، وإسلام غيره.
ثم كان داعية من دعاة الرسول مقبول القول، متبوع الرأي. ومن كان في صفة أبي بكر فالخوف عليه أشد، والمكروه إليه أسرع، لأنه لم يكن على ظهرها عدو النبي - ﷺ - إلا وأبو بكر يتلوه عنده في العداوة.
ولا سواء إسلام من أسلم على أن يمون ويكلف، وإسلام من كان يمان قبل إسلامه ويكلف بعد إسلامه.
[ ٢٦ ]
ولا سواء إسلام الكهل النبيه الذي يحسن عند قريش مطالبته، ولا يستحي من طلب الثأر عنده، وإسلام الحدث الذي لا يفي بعداوة الجلة، ولا تستجيز مجازاته العلية.
ثم كان الذي يلقى أبو بكر في الله ورسوله ببطن مكة، وعلي خلي الروع آمن السرب رخي البال، كما لقي يوم دعا طلحة إلى الإسلام فأسلم ومضى به إلى النبي - ﷺ - وخذلتهما تيم، وأخذهما نوفل بن خويلد بن أسد - فأما ابن إسحاق فزعم أنه كان من شياطين قريش، وأما الواقدي وغيره فزعموا أنه كان يلقب أسد قريش،
[ ٢٧ ]
وهو الذي يقال له ابن العدوية - فقرنهما في حبل، وفتنهما على دينهما وعذبهما، فلذلك سمي أبو بكر وطلحة "القرينين".
وأبو بكر الذي قام دون النبي - ﷺ - بمكة وقد اعتوره المشركون حين قال: "أما والله لقد جئتكم بالذبح! " قال أبو بكر ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله! فصدعوا فودى رأسه.
ثم الذي لقي في مسجده الذي كان بناه على بابه في بني جمح، وحيث رد الجوار وقال: لا أريد جارا سوى الله. وقد كان بنى مسجدا يصلي فيه ويدعو الناس إلى الإسلام، وله صوت رقيق ووجه عتيق، فكان إذا قرأ وبكى، وقعت عليه المارة والنساء والصبيان والعبيد، فلما أوذي في الله حتى بلغ جهده استأذن النبي - صلى الله عليه - في الهجرة، فأذن له، فأقبل يريد المدينة فتلقاه الكناني سيد الأحابيش، فعقد له
[ ٢٨ ]
جوارا وقال: والله لا أدع مثلك يخرج من بين أخشبي مكة. فرجع وقد عقد له الكناني جوارا. كل ذلك رغبة في قرب النبي - صلى الله عليه -، فلما رجع إلى مكة عاد إلى مسجده وصنيعه. فمشت قريش إلى جاره وعظموا الأمر عنده وأجلبوا عليه فقالوا: قد أفسد أحداثنا، وعبيدنا وإماءنا ونساءنا، في منازلنا! فمشى إليه الكناني وقال: ليس على هذا أعطيتك الجوار، ادخل بيتك واصنع فيه ما بدا لك! قال له أبو بكر: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ فلما قطع الجوار وترادا العهد وتباريا لقي أبو بكر ﵁ من الأذى والذل والضرب والاستخفاف ما بلغك. وهو أمر موجود في جميع السير. وليس المفتون كالوادع. قال الله سبحانه: ﴿والفتنة أشد من القتل﴾. وذلك أن المشركين كانوا قد صاروا إلى أن يفتنوا الناس عن دينهم بالتعذيب، والمسلمون نفر يسير، قد خذلتهم عشائرهم، وأسلمتهم أهلوهم. فألقوا خبابا على الرضف، حتى ذهب ماء متنه. وكان أبو ذر حليفا مستضعفا فكان يدخل بالنهار في خلال أستار الكعبة ويخرج بالليل مستخفيا. وكانت بنو مخزوم تعذب عمارا وأباه وأمه برمضاء مكة، فيمر بهم النبي - ﷺ - فيقول:
[ ٢٩ ]
"صبرا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة! " فذكر عمار عند ذلك عياذ أبي بكر لبلال حين أعتقه من العذاب فيمن أعتق، فقال:
جزى الله خيرا عن بلال ودينه * عتيقا وأخزى فاكها وأبا جهل
وقال سعيد بن جبير: قلت لعبد الله بن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه - من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟ قال: والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويعطشونه حتى لا يقدر أن يستوى جالسا من الجهد، حتى إن كان أحدهم ليعطيهم الذي سألوه، من الفتنة، وحتى يقال له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم، وحتى إن الجعل ليمر بهم فيقال له: هذا إلهك؟ فيقول: نعم.
فلو كان علي بن أبي طالب قد ساوى أبا بكر في الإسلام لقد كان فضله أبو بكر بأن أعتق من المفدين المفتونين بمكة، وحتى [لو] لم يكن غير ذلك لكان لحاقه عسيرا، ولو كان ذلك يوما واحدا لكان عظيما، فكيف وكان بين ظهور النبي ﵇ ودعائه إلى أن هاجر إلى المدينة ثلاث عشرة سنة، في كل ذلك أبو بكر وخباب وأصحاب النبي - ﷺ - يتجرعون المرار وعلي وادع رافه، غير طالب ولا مطلوب. وليس أنه لم يكن في طباعه النجدة والشهامة، وفي غريزته الدفع والحماية،
[ ٣٠ ]