والذكاء وإن كان ذلك عزيزا قليلا، أو كان وجود ذلك ممتنعا، ومن العادة خارجا. فإذا كان قد كان يوجد مثله على عزته وقلته فما كان إلا كبعض من نرى اليوم ممن يتعجب من حسه وفطنته، وحفظه وحكايته وسرعة قبوله على صغر سنه وقلة تجريبه. وإن كانت حاله هذه الحال، وطبيعته على هذا المثال، فإنا لم نجد صبيا قط وإن أفرط كيسه وحسنت فطنته وأعجب [به] أهله يحتمل ولاية الله سبحانه وعداوته، والتمييز بين الأمور التي ذكرنا. مع أنه ما جاءنا ولا صح عند أحد منا بخبر صادق، ولا كتاب ناطق، أنه كان لعلي خاصة دون قريش عامة في صباه من إتقان الأمور وصحة المعارف وجودة المخارج ما لم يكن لأحد من إخوته وأعمامه وآبائه.
وإن كان القدر الذي كان عليه على من الذكاء والمعرفة القدر الذي لم نجد له [فيه] مثلا، ولا رأينا له شكلا - وهذا هو البديع الذي به يحتج على المنكرين، ويفلج على المعارضين، ويبين للمسترشدين - فهذا باب قد فرغنا منه مرة.
فصل: ولو كان الأمر في علي على ما يقولون لكانت في ذلك حجة للرسول في رسالته، ولعلي في إمامته. والآية إذا كانت للرسول وخليفة
[ ١٤ ]
الرسول كان أشهر لها، لأن وضوح أمر الرسول يزيد على ما للامام ويزيده إشراقا واستنارة وبيانا. ولا يجوز أن يكون الله قد عرف أهل عصرهما ذلك، وهم الشهداء على من بعدهم من القرون ثم يسقط حجته، فلا تخلو تلك الحجة وتلك الشهادة من ضربين: إما أن تكون ضاعت وضلت، وإما أن تكون قد قامت وظهرت.
فإن كانت قد ضاعت فلعل كثيرا من حجج الرسول - ﷺ - قد ضاع معها، وما جعل الباقي منها أولى بالتمام من الساقط، والساقط من شكل الثابت. على أن مع الساقط خاصة ليست مع الثابت لأنه حجة على شيئين، والثابت حجة على شئ. ولا يخلو أمر الساقط من ضربين: إما أن يكون الله لم يرد تمامه، أو يكون قد أراده.
وأي ذين [كان] ففساده واضح عند قارئ الكتاب.
وإن كانت الآية قد تمت إذ كانت الشهادة قد قامت علينا بها كما كانت شهادة العيان قائمة عليهم [فيها] فليس في الأرض عثماني إلا وهو يكابر عقله ويجحد علمه.
ولعمري إنا لنجد في الصبيان من لو لقنته وسددته أو كتبت له أغمض المعاني وألطفها، وأغوص الحجج وأبعدها، وأكثرها لفظا
[ ١٥ ]
وألطفها، وأطولها، ثم أخذته بدرسه وحفظه لحفظه حفظا عجيبا، ولهذه هذا ذليقا. فأما معرفته صحيحه من سقيمه، وحقه من باطله، وفصل ما بين المقرب والدليل، والاحتراس من حيث يؤتى المخدوعون، والتحفظ من مكر الخادعين، وتأتي المجرب، ورفق الساحر، وخلابة المتنبئ، وزجر الكاهن وإخبار المنجمين، وفرق ما بين نظم القرآن وتأليفه ونظم سائر الكلام وتأليفه - فليس يعرف فروق النظر واختلاف البحث إلا من عرف القصيد من الزجر، والمخمس من الأسجاع، والمزاوج من المنثور، والخطب من الرسائل، وحتى يعرف العجز العارض الذي يجوز ارتفاعه من العجز الذي هو صفة في الذات.
فإذا عرف صنوف التأليف عرف مباينة نظم القرآن لسائر الكلام، ثم لم يكتف بذلك حتى يعرف عجزه وعجز أمثاله عن مثله، وأن حكم البشر حكم واحد في العجز الطبيعي وإن تفاوتوا في العجز العارض.
وهذا ما لا يوجد عند صبي ابن سبع سنين وثمان سنين وتسع سنين أبدا، عرف ذلك عارف أو جهله جاهل. ولا يجوز أن يعرف عارف معنى الرسالة إلا بعد الفراغ من هذه الوجوه، إلا أن يجعل جاعل
[ ١٦ ]