تقدم معنا أن كتابات العلمانيين العرب لا تعدو أن تكون صدى شاحبا وباهتا للغاية للفكر الغربي والفلسفة الغربية وكتابات المستشرقين بالذات. أو
_________________
(١) الإسلام والانغلاق اللاهوتي (٢١ - ٢٢).
[ ١٣٣ ]
على حد تعبير العلماني اللبناني علي حرب: الخطاب العربي الحديث الذي هو صدى خافت أو صورة مشوهة عن الخطاب الغربي (١).
ولهذا حظي عندهم المستشرقون بالتقدير والتبجيل، وقد أخذ علينا أركون نحن المسلمين بأننا ننظر إلى ديننا وتاريخنا نظرة احتفالية تبجيلية، وفاته أن كتابات إخوانه المستشرقين تتميز بنظرة انتهازية احتقارية.
يبدي أركون إعجابا كبيرا بالمستشرقين وأبحاثهم ويتحسر على المسلمين كيف رفضوا تلك الأبحاث ووقفوا منها موقفا عدائيا، ووصف كتب المستشرقين التي مُلِئت حقدا وطعنا في الإسلام بالأبحاث الاستشراقية القيمة (٢).
وقال عن العلماء المسلمين: يرفضون هذه الأبحاث العلمية والتاريخية للأساتذة المستشرقين الأكاديميين المتبحرين في العلم (٣).
واعتبر أن الغربيين هم الذين يقدمون البحوث التاريخية الرصينة عن التراث الإسلامي وليس المسلمين (٤).
_________________
(١) الممنوع والممتنع (٢٢٢).
(٢) نحو نقد العقل الإسلامي (١٩١). وانظر قضايا في نقد العقل الديني (٤٧ - ٥٤ - ٥٩ - ٦٤ - ٦٥ - ٦٦ - ٦٧ - فما بعدها- ٣٠٤ - ٣٠٥ - ٣٠٦ - ٣٠٧) ونحو نقد العقل الإسلامي (٢٤٣ - ٢٧١).
(٣) نحو نقد العقل الإسلامي (١٩١).
(٤) نفس المرجع (٢٨٤).
[ ١٣٤ ]
وتأسف مرارا لعدم ترجمة كتبهم عن الإسلام والنبي - ﷺ - وعن القرآن (١). بل اعتبر مرة من العار ألا يترجم كتاب اللاهوت والمجتمع في العصور الأولى للإسلام لمستشرق ألماني (٢).
وحاول أن يضفي الشرعية على الاستشراق، فحور اسمه إلى الإسلامياتي. تاريخية الفكر العربي (٢٠٣).
فربطه بالإسلام ليكتسب شرعية ما، وبين مترجمه بإشرافه هاشم صالح (٢٠٣) ذلك قائلا: يستخدم أركون عادة كلمة إسلامياتي Islamologie عوضا عن كلمة مستشرق المشحونة بالقيم السلبية والجدالية في الوعي العربي والإسلامي.
ومما يثير الدهشة والاستغراب أن أركون تأسف مرارا في كتبه على مستشرقين لا ينقدون نقدا جذريا، بل كتبوا مقالات تبجيلية باردة تدافع عن الإسلام، وجعل هذا مؤسفا ومخيبا للآمال. الفكر الإسلامي (١٨٤).
فلا يرضى أركون إلا على الحاقدين منهم، الذين همهم كما هو همه أيضا الإجهاز على الإسلام والقضاء على التدين عموما وإحلال العلمانية الغربية محله تحت ستار النقد التاريخي والدراسة الانتروبولوجية والسيميائية والدلالية للنص الديني.
وانظر مثلا ما قاله عن برنارد لويس في تاريخية الفكر العربي (٢٥٦).
_________________
(١) القرآن من التفسير الموروث له (٨) والفكر الإسلامي (٢٨١).
(٢) قضايا في نقد العقل الديني (٣٠٦).
[ ١٣٥ ]
وكذا فعل تلميذه، بل بوقه هاشم صالح العلماني السوري ذو الأصول الشيعية، فقد أظهر في كتابه الإسلام والانغلاق اللاهوتي (٢١ - ٢٢ - ٢٨) إعجابا منقطع القرين بالمستشرقين، وأن من أراد أن يقرأ الدين الإسلامي وتاريخه فعليه بكتبهم وإلا فلن يفهم تراثه على حقيقته (١).
وهكذا فعل خليل عبد الكريم في الأعمال الكاملة (٢٠١) فقد تهجم بعنف على كتاب غربيين دافعوا عن الإسلام بطريقة أو بأخرى كموريس بوكاي في كتابه: الثورة والقرآن والعلم، وروجيه جارودي في: وعود الإسلام، والفريد هوفمان في الإسلام هو البديل.
_________________
(١) وانظر تعليقه على قضايا في نقد العقل الديني (٥٩) في دفاعه عن الاستشراق صراحة فيما يتعلق بنقد القرآن.
[ ١٣٦ ]