ترجع أسباب هذا الصراع إلى عدة أمور منها:
- تعصب رجال الكنيسة الذين اعتبروا أنفسهم المصدر الوحيد للمعرفة. فتدخلوا فيما ليس من اختصاصهم كالعلوم التجريبية البحتة وعلوم الفلك ونحوها.
إدخال رجال الكنيسة للمفاهيم الدينية نظريات مغلوطة عن الكون والطبيعة مستمدة من نظريات فلسفية قديمة أو من أقوال القديسين القدامى، كنظرية بطليموس التي تجعل الأرض مركز الكون وأن باقي الأجرام تدور حولها.
[ ٦٦ ]
كما كانت تعتبر نفسها المصدر الوحيد للمعلومات الطبية والفلكية وغيرها.
فلما جاء القرن السابع عشر بدأ الباحثون الأوروبيون في الجهر ببعض النظريات التي تخالف ما عليه الكنيسة، وكانت أول النظريات ظهورا نظرية كوبرنيك الفلكية في كتابه «حركات الأجرام السماوية» التي بين فيها أن الأرض تدور كما تدور باقي الكواكب.
فحرمت الكنيسة كتابه ومنعت تداوله.
ثم جاء بعده برونو فأكد نفس النظرية فقبضت عليه محكمة التفتيش وسجنته ست سنوات، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة ١٦٠٠ وذرت رماده في الهواء.
وبعده جاء جليلو فأكد نفس النظرية فقبض عليه وسجن حتى تراجع خوفا وهو راكع، ومما قال في تراجعه أمام المحكمة: أنا جليلو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض (١).
وأي إلحاد في دوران الأرض أو عدمه؟ ولكن هكذا رأت الكنيسة، وهكذا أسست لنهايتها.
وحبست الكنيسة دي روفنيس لإثباته أن قوس قزح إنما هو انعكاس لضوء الشمس في نقط الماء، وليس قوسا حربيا بيد الله ينتقم به من عباده إذا أراد كما تقول الكنيسة. وضربت برنيلي لأنه قال: إن النجوم لا تقع. وسجنت هارفي لبرهنته أن الدم يجري في الجسم (٢).
_________________
(١) العلمانية للحوالي (١٥١) وملاك الحقيقة لمراد وهبة (٢٤).
(٢) العلمانية في الإسلام (٣٠).
[ ٦٧ ]
ومع انتشار البحث العلمي في أوروبا بدأت تهتز مكانة الكنيسة في النفوس، وبدأت مصداقيتها تتلاشى، وكثرت المناهج الفلسفية الداعية إلى المنهج العقلي التجريبي بدل أساطير الكنيسة.
وهكذا تتابعت أبحاث ديكارت وسبينوزا وجون لوك وغيرهم.
وكذلك قابلت نظرية نيوتن في الجاذبية التي بينت إمكان تفسير الظواهر الطبيعية اعتمادا على ربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل خارجي.
فحاربتها الكنيسة واعتبرت أن الأشياء لا تعمل بذاتها، ولكن عناية الله هي التي تسيرها.
ولم تفهم الكنيسة أنه لا منافاة بين كون الله فاعلا من جهة، وبين كون الأشياء لها أسباب طبيعية تؤثر فيها كما هو رأي أهل السنة والحديث، خلافا للجبرية والقدرية.
كل هذه الظروف وغيرها جعلت من الكنيسة عائقا كبيرا أمام التقدم والبحث العلمي والتطور. لذلك كان واجبا الحد من نشاط الكنيسة ومجال عملها، وفصلها التام عن مجمل الحياة العامة وأصبح جميع الأوروبيين مقتنعين بضرورة الحد من هيمنة الكنيسة وحبسها داخل جدرانها وإفساح المجال للبحث العلمي بالتحرر السياسي.
من رحم هذه الأوضاع جاءت فلسفة الأنوار العلمانية.
«جاء التنوير الأوربي فلسفة رافضة لتجاوز الكنيسة حدودها التي رسمها الإنجيل: خلاص الروح ومملكة السماء، ومدافعة عن النزعة الدنيوية [العلمانية] للفلسفة الأوربية وداعية إلى العقل الذي استبعدته الكنيسة والرأي
[ ٦٨ ]
الذي قهره اللاهوت، ومنادية بالتحرر من سلطة التقاليد الكنسية التي كانت سوقا تجارية راجت فيها مفاسد القساوسة والبابوات» (١).
لما اشتعلت الثورة الفرنسية وانتصرت على الإقطاعيين وحلفائهم، هنا تلقت الكنيسة الضربة القاضية.
فحلت الجمعيات الدينية وسرح الرهبان وصودرت أملاكهم، فكان نهاية هذا العهد البئيس.