فقد كانت في أوروبا سلطتان: سلطة سياسية يمثلها الرئيس أو الملك وأعوانه، وسلطة دينية يترأسها البابا ويساعده الرهبان والراهبات والقساوسة والكردنالات وغيرهم من رجال الإكليروس. وكانت لها ميزانيتها وإقطاعها وثرواتها (١).
وحتى بعد العلمانية لا زالت هذه السلطة على حالها إلى عصرنا، فللفاتكان حكومة خاصة غير الحكومة السياسية، فالمسيحية منذ نشأتها ظلت دينا لا دولة، وشريعة محبة، لا تقدم للمجتمع مرجعية قانونية ولا نظاما للحكم، ورسالة مكرسة لخلاص الروح، تدع ما لقيصر لقيصر وما لله لله، وظلت رسالة كنيستها خاصة بمملكة السماء، لا شأن لها بسلطان الأرض وقوانين تنظيم الاجتماع البشري في السياسة والاجتماع والاقتصاد وعلومها ومعارفها، كما قال عمارة (٢).
وزاد: «فلما حدث وتجاوزت الكنيسة حدود رسالة الروح ومملكة السماء فاغتصبت السلطة الزمنية أيضا، أضفت على الدنيا قداسة الدين، وثبتت متغيرات الاجتماع الإنساني ثبات الدين، فدخلت بالمجتمعات الأوروبية مرحلة الجمود والانحطاط وعصورها المظلمة ..» (٣).
_________________
(١) الإسلام والعلمانية وجها لوجه (٤٩).
(٢) الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية (١٨).
(٣) نفس المرجع (١٩).
[ ٧١ ]
هنا تفجرت فلسفة الأنوار العلمانية كحركة تصحيحية للدين المسيحي وإرجاعه لطبيعته الأولى الذي أخرجته الكنيسة منها بجعل ما لقيصر لقيصر وما لله لله.
«الأمر الذي جعل سجن الدين في الكنيسة وفي الضمير الفردي ثورة تصحيح ديني، وليس عدوانا على الدين» (١).
أما في تاريخنا الإسلامي فكانت هناك سلطة سياسية واحدة تستمد مشروعيتها من بيعة العلماء والفقهاء والكتاب والوجهاء.
وكان العلماء والقضاة جزءا من الشعب ومرجعا له في القضايا الاجتماعية والاقتصادية وغيرها في تناغم وتجانس تام.
ولم يعرف تاريخ الإسلام سلطة دينية من جهة وأخرى سياسية.
وعليه «من هذا يتضح لنا أن نظام لا دينية الدولة إذا كان ينسجم مع المسيحية، ولا يقضي على سلطتها، وإنما يحدد اختصاصاتها بالنسبة للسلطة الدنيوية، فإن هذا النظام يتعارض تماما مع طبيعة الإسلام، ويكون خطرا مباشرا عليه كشريعة كاملة للحياة، ويعطل أجهزته المتحركة عن القيام بوظيفتها ويُحيله بالتالي إلى عاطفة وجدانية نائمة في قلوب الناس» (٢).