تصور أزمة إنسان عادي كان يعيش حياة طبيعية كسائر الناس يفاجأ برجال شرطة غريبين يلقون القبض عليه ويحاول عبثًا أن يعرف السبب، ويحدث أن تحال قضيته إلى محكمة غريبة في أشخاصها
_________________
(١) المصدر السابق: (٦٣).
(٢) هو فرانتس كافكا، أديب ألماني (١٨٨٣ - ١٩٢٤) اشتهر بهذه الرواية: انظر سلسلة تراث الإنسانية: (٥/ ٨٠٧).
[ ٤٨١ ]
وقانونها وبنائها، ويظل يترافع مدافعًا عن نفسه دون أن يعرف ماهية القضية، ويظل رهن الاعتقال إلا أنه اعتقال غير مألوف، فهو حر مأسور في آن واحد، يخضع للملاحقة والمتابعة في كل مكان، ويظل يشكو حاله لمعارفه وأصدقائه ويبحث عن محام قدير، لكنه يكتشف -يا للمصيبة- بأن معارفه كلهم أعضاء مجهولون في المحكمة الغريبة! حتى رجل الدين الذي لقيه صدفة في إحدى الكنائس، هو أيضًا عضو في المحكمة، وبعد فصول طويلة معقدة من المحاكمة ومع أنه لا يزال يجهل التهمة تنتهى حياة المتهم (١) بأن يقتاده مجهولان ويغتالانه خارج البلدة، وكانت آخر كلمة قالها (مثل الكلب) يعني: نفسه.
وتنتهى صفحات الرواية وفصول المحاكمة مبتورة، والموضوع لا يزال معلقًا فهي في الحقيقة لم تتم ولا يريد كافكا أن تتم!
والقضية، في حقيقتها، هي قضية الوجود الإنساني على هذه الأرض، قضية الحياة ذاتها كما تبدو للإنسان اللامنتمي، فمن خلال رؤيته يبرز إلى الوجود دون سابق استشارة، ويظل رهن الحياة تتقاذفه أقدارها ويطويه الليل والنهار، وهو قابع في متاهة يلهث ويتحسر حتى يداهمه الفناء المحتوم، دون أن يعرف السر في وجوده والقضية التي لأجلها جاء ثم ذهب واضمحل!
٢ - الشيخ والبحر "همنغواي":
هنا يأتى اللامنتمى بنموذج آخر لتصوير المأساة الإنسانية وتجسيد المعضلة والمنعطف للحضارة البشرية، حيث تكون الكارثة والخسارة الفادحة هي النتيجة والثمرة من عمر طويل وخبرة كافية وصراع مرير في الأعماق!
_________________
(١) من الواضح أنه رمز لاسم كافكا.
[ ٤٨٢ ]
فالشيخ الصياد أفنى عمره في منازلة أقدار البحار، وقد توغل هذه المرة في أعماق المحيط لا تنقصه الخبرة ولا يعوزه السلاح، غير أنه يظل متشبثًا بإصرار مميت على أن تفوز شبكته بأكبر نصيب، وبعد معاناة قاسية ومغامرات مضنية يظفر بما يروي أحلامه، ويجنح بزورقه طالبًا بر الأمان، لكنه يفاجأ بعقبات ومهاجمات شتى تجعل الاحتفاظ بالصيد أعظم مخاطرة من الحصول عليه، وينفذ زاده وتتحطم بقايا سلاحه وتخور قواه والتماسيح والقرشان العظيمة لا تكف غاراتها الشرسة على زورقه، وأخيرًا وبعد جهد جهيد وجراح بالغة يصل إلى الشاطئ وليس لديه من الصيد الثمين إلا هيكله العظمي في حين قد فقد كل شيء!!
وكما صور همنغواي أزمة الحضارة البشرية وأزمته الشخصية فقد تقمص شخصية الشيخ الخاسر، وآثر أن يغادر الحياة بعد أن ظهرت له أعراض الكارثة، ولم يجد وسيلة إلا أن يبادرها بالانتحار (١).
٣ - الساعة الخامسة والعشرون:
رواية طويلة ألفها الكاتب الروماني كونستانتان جيورجيو وهي من أعظم الأعمال الأدبية التي تناولت بالتحليل المستفيض والتصوير الدقيق مأساة الضياع المتمثل في انهيار الحضارة الغربية وسحق إنسانية الإنسان، يقول فيها:
إنني أشعر أن حدثًا خطيرًا قد وقع حولنا، إنني أجهل أين انفجر ومتى بدأ وكم يدوم؟ لكنني أشعر بوجوده، لقد أخذنا في الدوامة ولسوف تمزق هذه الدوامة جلودنا وتحطم عظامنا الواحد تلو الآخر، إنني أشعر بهذا الحدث الهائل شعورًا لا يضاهيه إلا إحساس
_________________
(١) انتحر همنغواي سنة (١٩٦١) (انظر مجلة العربي عدد: ٥٢) والقصة ترجمها: منير البعلبكي.
[ ٤٨٣ ]
الجرذان المسبق الذي يدعوهم إلى هجر مركب على وشك الغرق، لن يكون لنا أي مأوى في أي مكان في العالم (١).
ويصور جورجيو سبب المأساة بأن التقدم الآلي المجرد من القيم وتفوق الآلة الطاغي على الإنسان وذبول إنسانيته أمامها، كل هذا سيفضي بالمجتمع البشري إلى نهاية مرعبة، إذ يظهر سلالات من نوع خاص لا هي بشرية ولا هي آلية، أسماها المؤلف الرقيق التكني وبحكم كثرة الرقيق التكني، فإنه سوف يثور للسيطرة على العالم وسينتصر فعلًا، ويعود البشر الحقيقيون أقلية ضئيلة على الأرض:
المجتمع الحديث الذي يحوي على رجل واحد مقابل كل ثلاثين عبدًا تكنيًا، ينبغي أن ينظم وأن يعمل حسب النظم التكنية لأنه مجتمع خلق وبني على احتياجات ميكانيكية وليست إنسانية، وهنا تبدأ الفاجعة (!!) إن المخلوقات البشرية مرغمة على الحياة والتصرف وفق قوانين تكنية غريبة عن القوانين الإنسانية (٢).
وعندما يثور العبيد الآليون فماذا ستكون النتيجة؟
إن هذه الثورة ستحدث على سطح الأرض كلها، ولن نستطيع الاختفاء لا في الغابات ولا في الجزر ولا في أي مكان، لن تستطيع أمة في العالم أن تحمينا (!!) سوف تشكل جيوش العالم كله من مأجورين يناضلون ويكافحون من أجل تدعيم المجتمع الآلي الذي لن تعيش فيه الفردية، ولعل هذا العصر هو الفترة الأكثر ظلمة في تاريخ البشرية، إذ لم يحدث لحد الآن أن احتقر الإنسان إلى هذا الحد.
والحياة البشرية لم تعد لها قيمة إلا بوصفها مصدر حركة، والقياسات
_________________
(١) عن تهافت العلمانية د. عماد الدين خليل: (١٧٥).
(٢) المصدر السابق: (١٨١).
[ ٤٨٤ ]
أضحت علمية محضة، وهذا هو قانون بربريتنا الآلية المظلمة ولسوف نصبح بعد النصر الكلي عبيدًا آليين (١).
ثم يتحدث المؤلف عن سلالة المواطنين في الشرق والغرب، في أمريكا وروسيا في ظل الشيوعية والديمقراطية على حد سواء فيقول: "إن الانسان لم يستطع السيطرة على كل الحيوانات المفترسة، غير أن حيوانًا جديدًا ظهر على سطح الأرض في الآونة الأخيرة، وهذا الحيوان الجديد اسمه المواطنون، إنهم لا يعيشون في الغابات ولا في الأدغال ولكن في المكاتب، ومع ذلك فإنهم أشد قسوة ووحشية من الحيوانات المتوحشة في الأدغال، لقد ولدوا من اتحاد الرجل مع الآلات، إنهم نوع من أبناء السفاح (!!) وهم أقوى الأصول والأجناس الموجودة الآن على سطح الأرض، إن وجههم يشبه وجه الرجل، بل إن المرء غالبًا ما يخلط بينهم، ولكن لا يلبث المرء حتى يدرك بعد حين أنهم لا يتصرفون كما يتصرف الرجال بل كما تتصرف الآلات، إن لهم مقاييس وأجهزة تشبه الساعات بدلًا من القلوب وأدمغتهم نوع من الآلة، فهم بين الآلة والإنسان، ليسوا من هذه ولا ذاك، إن لهم رغبات الوحوش الضارية مع أنهم ليسوا وحوشًا ضارية بل إنهم مواطنون إنها سلالة اكتسحت الأرض".
والنتيجة التي يستخلصها المؤلف من وجود هذه السلالة هي: أن كلمة مواطن لم تعد مرادفة لمعنى إنسان (٢)
ويتعرض المؤلف في روايته الطويلة لضروب الإفلاس والضياع التي ستمنى بها البشرية في كل ناحية، في الاجتماع والسياسة، في
_________________
(١) المصدر السابق: (١٨٢).
(٢) المصدر السابق: (١٨٦).
[ ٤٨٥ ]
الإبداع والشعر في الإنسانية. في كل شيء، ويقول: "إن كل ما تستطيع الحضارة تقديمه للإنسان: الأصفاد" (١).
وينبغي أن نشير هنا إلى عدة أعمال فنية في الاتجاه نفسه لا تقل عما ذكرنا: قلعة أكسل لأدموند ولسن، البحث عن الزمن الضائع لبروست، والعالم الطريف آلدوس هكسلي وكوكب القردة لبيريل بيل ورحلة في دنيا المستقبل لويلز.
وعلى مستوى المسرحية تجد البيت المحطم للقلب، وهي إحدى مسرحيات شو ويعرض فيها إفلاس حضارتنا الحديثة كما تجلَّى عقب الحرب الكبرى (٢).
أما الشعر فيلمع اسم اليوت وقصيدته اليباب أو الأرض القفر (The Waste Land) وقد كان لهذه القصيدة أثر كبير في الشعر الحديث، وهى تصور مشكلة الإنسان المعاصر الذي يبدو للشاعر تافهًا مشلول القوة محطم الإرادة يعيش في عالم يستحق الفناء.