-كما يسمى- بطابعه الخاص، والذي كانت مدارسه رغم تباينها تسعى إلى غاية واحدة، هي تقويض الدين واجتثاث مبادئه من النفوس، وقد سلكت كل مدرسة منحى خاصًا لتحقيق ذلك وأشهرها:
١ - مدرسة ذات طابع علمي عام، وأبرز الأمثلة عليها الكتاب الموسوعيون الذين كتبوا دائرة المعارف بزعامة " ديدرو"، وكانوا كما يقول ويلز: " يناصبون الأديان عداوة عمياء ".
_________________
(١) فيما يتعلق بأسباب ونتائج الثورة انظر: تاريخ أوروبا في العصر الحديث - فيشر الأول.
[ ١٦٩ ]
٢ - مدرسة ذات طابع اجتماعي وسياسي: ويرأس هذا الاتجاه "روسو" صاحب كتاب "العقد الاجتماعي" الذي أطلق عليه "إنجيل الثورة الفرنسية" و"مونتسكيو" صاحب "روح القوانين"، ومن كتابات هؤلاء استلهم زعماء الثورة مبادئهم واقتباساتهم.
والغرض من فكرة العقد الاجتماعي واضح للعيان؛ فهي تهدف إلى استبدال "المصلحة الاجتماعية " أو الرابطة النفعية للأفراد "بالأخلاق والنظم الدينية وتحل عبادة "المجتمع " ممثلًا في الوطن أو القوم محل عبادة الله، وذلك ما نادت به الثورة حرفيًا.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الفكرة ليست من بنات أفكار روسو، فقد سبقه إليها الفلاسفة المثاليون في المدينة الفاضلة، ففي " جمهورية أفلاطون" و" اليوتوبيا" لتوماس مور، و" مدينة الشمس" لكامبانيللا، نماذج واضحة للحياة اللادينية، التي تقوم على أساس من التفاهم والوفاق المجرد بين الأفراد، وهو ماعبر عنه روسو بالعقد الاجتماعي، إلا أنه أضاف إلى هذا النموذج ما اقتبسه من "هوبز" و"ميكافيلي"، اللذين غلَّبا جانب الشر لدى الإنسان على الخير، لذلك كان روسو هدامًا أكثر منه فيلسوفًا (١).
٣ - مدرسة ذات طابع فلسفي هدام: سبق الفلاسفة العقلانيون غيرهم في بحث علاقة الفرد بالدولة، والمناداة بمجتمع ينفصل فيه الدين عن الدولة، وكانت فكرتهم اللادينية أوسع مما تصوره ميكافيلي، لأن الدين نفسه عندهم يجب أن يلغى ليحل محله "الدين الطبيعي، أو القانون الطبيعي" وربما كان الفيلسوف اليهودي "سبينوزا" رائد الفكرة العلمانية باعتبارها منهجًا للحياة، فهو يقول في كتابه" رسالة في اللاهوت والسياسة":
_________________
(١) سيأتي تفصيل هذه النظريات في فصل "علمانية الحكم والسياسة من الباب الثالث" انظر صفحات: (٢١٢ - ٢١٣ - ٢١٤).
[ ١٧٠ ]
"ومن الخطورة على الدين وعلى الدولة على السواء إعطاء من يقومون بشئون الدين الحق في إصدار القرارات أيًا كانت، أو التدخل في شئون الدولة، وعلى العكس يكون الاستقرار أعظم إذا اقتصروا على الإجابة على الأسئلة المقدمة إليهم، والتزموا في أثناء ذلك بالتراث القديم الأكثر يقينًا والأوسع قبولًا بين الناس" (١).
واكتملت لدى فولتير فكرة الدين الطبيعي التي ورثها عن سبينوزا ولايبنتز، واشتق منها فكرة "القانون الطبيعي" حيث نجده يقول:
"إن دين أهل الفكر دين رائعٍ خالٍ من الخرافات والأساطير المنتاقضة، وخال من العقائد المهينة للعقل والطبيعة، لقد منع الدين الطبيعي آلاف المرات المواطنين من ارتكاب الجرائم، أما الدين المصطنع فإنه يشجع على جميع مظاهر القسوة كما يشجع على المؤامرات والفتن وعلى أعمال القرصنة وقطع الطريق .. ويسير كل فرد نحو الجريمة مسرورًا تحت حماية قديسه ".
ويقول: "هناك قانون طبيعي مستقل عن الاتفاقات الإنسانية، يبدو لي أن معظم الناس قد أخذوا من الطبيعة حسًا مشتركًا لسن القوانين " (٢).
وإذا كان روسو وفولتير لم يدركا الثورة الفرنسية، فإن الفيلسوف الألماني " كانت" (١٨٠٤م) عاصرها واشتهر بتأييدها، وهو الذي طور فكرة "العقد الاجتماعي" في كتابه "الدين في حدود العقل وحده " (٣).
كما أن كاتبًا ثائرًا معاصرًا لها، هو "وليم جدوين"، نشر سنة ١٧٩٣ كتاب "العدالة السياسية" الذي كان دعوة علمانية صريحة (٤).
_________________
(١) (ص:٤٢٦).
(٢) مقتطفات من القاموس الفلسفي لفولتير سلسلة تراث الإنسانية: (ج:٨).
(٣) انظر: عنه سطور مع العظماء (١٧٣)، وسلسلة تراث الإنسانية (٨/ ٢٠٧).
(٤) انظر: أفكار ورجال (٤٨٩).
[ ١٧١ ]
وهكذا بتأثير هذا الفكر اللاديني جسمت الثورة الفرنسية الفكرة الفلسفية القديمة بإقامة مجتمع يرفض القيم والأخلاق الدينية، ويجعل العلاقات النفعية المحضة هي الرباط المقدس الوحيد.