إن النظرية التي هزت الكنيسة لأول مرة هي نظرية كوبرنيق (١٥٤٣) الفلكية، فقبل هذه النظرية كانت الكنيسة المصدر الوحيد للمعرفة، وكانت فلسفتها تعتنق نظرية بطليموس التي تجعل الأرض مركز الكون وتقول: إن الأجرام السماوية كافة تدور حولها (١).
فلما ظهر كوبرنيق بنظريته القائلة بعكس ذلك كان جديرًا بأن يقع في قبضة محكمة التفتيش، ولم ينج من ذلك لأنه كان قسيسًا، بل لأن المنية أدركته بعد طبع كتابه بقليل؟. فلم تعط المحكمة فرصة لعقوبته، إلا أن الكنيسة حرمت كتابه " حركات الأجرام السماوية "ومنعت تداوله، وقالت: إن ما فيه هو وساوس شيطانية مغايرة لروح الإنجيل.
وظنت أن أمر هذه النظرية قد انتهى، ولكن رجلًا آخر هو " جردانو برونو" بعث النظرية بعد وفاة صاحبها فقبضت عليه محكمة التفتيش وزجت به في السجن ست سنوات، فلما أصر على رأيه أحرقته سنة ١٦٠٠م وذرت رماده في الهواء وجعلته عبرة لمن اعتبر.
وبعد موته ببضع سنوات كان " جاليلو " قد توصل إلى صنع
_________________
(١) حول هذه النظرية: انظر: كتب غيرت وجه العالم. دوانز الفصل الخاص بكتاب كوبرنيق.
[ ١٥٠ ]
المرقب "التلسكوب" فأيد تجريبيًا ما نادى به أسلافه نظريًا، فكان ذلك مبررًا للقبض عليه ومحاكمتة و" قضى عليه سبعة من الكرادلة بالسجن مدة من الزمان وأمر بتلاوة مزامير الندم السبعة مرة كل أسبوع طوال ثلاث سنوات" (١) ولما خشي على حياته أن تنتهي بالطريقة التي انتهى بها برونو أعلن ارتداده عن رأيه وهو راكع على قدميه أمام رئيس المحكمة قائلًا: "أنا جاليلو وقد بلغت السبعين من عمري سجين راكع أمام فخامتك، والكتاب المقدس أمامي ألمسه بيدي، أرفض وألعن وأحتقر القول الإلحادي الخاطئ بدوران الأرض، وتعهد مع هذا بتبليغ المحكمة عن كل ملحد يوسوس له الشيطان بتأييد هذا الزعم المضلل" (٢).
هؤلاء هم زعماء النظرية، وهذا هو موقف الكنيسة منهم، وليس غريبًا أن تضطهدهم وتحارب أفكارهم، فإن أفكارها لا تعيش إلا في الظلام، وهي لن تستعبد الناس بالحق، بل بالخرافة .. ولكن الغريب هو أدلتها الدينية التي ساقتها لتكذيب النظرية وما كان ليضير الدين في شيء أن تصدق أو تكذب.
قالت الكنيسة: إن الأرض يجب أن تكون مركز الكون الثابت لأن الأقنوم الثاني - المسيح - تجسد فيها، وعليها تمت عملية الخلاص والفداء، وفوقها يتناول العشاء الرباني، كما أن التوراة تقول: "الأرض قائمة إلى الأبد والشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق" (٣)
_________________
(١) معالم تاريخ الإنسانية (١/ ١٠٠٨).
(٢) قصة النزاع بين الدين والفلسفة: توفيق الطويل (٢٠٥)، وانظر: كذلك: تكوين العقل الحديث (٣/ ٣٤٨).
(٣) المصدر السابق: (٢٠٣) وفي أصل العهد القديم والأرض قائمة مدى الدهر"، انظر: الفصل الأول (٥ - ٦)، سفر الجامعة.
[ ١٥١ ]
أما كروية الأرض وسكنى جانبها الآخر فنفتها الكنيسة بحجة أن " من خطل الرأي أن يعتقد الإنسان بوجود أناس تعلو مواطئ أقدامهم على رءوسهم، وبوجود نباتات وأشجار تنمو ضاربة إلى أسفل، وقالت: إنه لو صح هذا الزعم لوجب أن يمضي المسيح إلى سكان الوجه الآخر من الأرض ويموت مصلوبًا هناك من أجل خلاصهم" (١).
ومع ذلك، فلم يكد القرن السابع عشر يستهل حتى كان لنظرية كوبرنيق وما أضاف إليها برونو وجاليلو آثار واسعة، ظلت راسخة في الفلسفة الأوروبية عامة، فقد أفقدت الكثيرين ثقتهم في الكنيسة، وأدت إلى التشكيك في سلامة معلوماتها، وهو أثر له أهميته القصوى، كما أنها أعطت الأولوية للتجربة والبحث العقلي في الوصول إلى الحقائق، وإضافة إلى ذلك قدمت إيحاءات فلسفية جديدة، فقد هزت فكرة الثبات المطلق التي كانت مسيطرة على العقلية الأوروبية وحطت كذلك من قيمة الإنسان ومكانته في الوجود أو هكذا تخيل الناس آنذاك.
وفي القرن السابع عشر تبلور النزاع واتخذ شكلًا جديدًا؛ فقد أصبح النزاع بين مرقب جاليلو وحجج الكنيسة الواهية، نزاعًا بين النص الذي تعتمد عليه أدلتها وبين العقل والنظر الذي استند إليه أصحاب النظريات الجديدة.
وثار العلماء ودعاة التجديد مطالبين بتقديس العقل واستقلاله بالمعرفة بعيدًا عن الوحي، ولم يجرؤ دعاة المذهب العقلي أول الأمر على
_________________
(١) المصدر السابق.
[ ١٥٢ ]
إنكار الوحي بالكلية، بل جعلوا لكل من الطرفين دائرة خاصة يعمل فيها مستقلًا عن الآخر.
وكان مذهب " ديكارت " أبرز المذاهب الفلسفية في هذا العصر، وقد دعا إلى تطبيق المنهج العقلي في الفكر والحياة واستثنى من ذلك -لسبب ما - الدين والعقائد الكنسية والنصوص المقدسة، وكان يرى "أن ميدان العلم الطبيعة، وموضوعه استغلال القوى الطبيعية، وأدواته الرياضة والتجربة، ويختص الدين بمصائر النفس في العالم الآخر، ويعتمد على الاعتقاد والتسليم، فلا مضايقة بين العلم والدين ولا سلطان لأحدهما على الآخر" (١).
وهذه الازدواجية الديكارتية وجدت لها نظيرًا في منهج بيكون التجريبي، الذي قال عنه أندرسن: " إن أعظم مآثر بيكون الفصل بين العلم البشري والوحي الإلهي "، فعند بيكون يمكن أن تكون أي قضية خاطئة تمامًا في نظر العقل، ولكنها صحيحة تمامًا لأنها نظر الدين (٢).
والواقع أن المذهب الازدواجي ليس إلا مرحلة طبيعية في سلم التدرج من الإيمان المطلق بالوحي إلى الإنكار المطلق له.
ومع ذلك فقد وجد فلاسفة آخرون معاصرون لهؤلاء لم ترق لهم هذه الفلسفة، بل أغرتهم تفاهة آراء الكنيسة وحقدهم عليها أن يهاجموا التعاليم الدينية هجومًا مباشرًا.
وكان " سبينوزا" -بحكم يهوديته- أعنف هؤلاء، فقد طبق المنهج العقلي على الكتاب المقدس نفسه، ووضع الأسس التي قامت عليها "مدرسة النقد التاريخي" التي ترى أنه يجب أن تدرس الكتب
_________________
(١) العلم والدين في الفلسفة المعاصرة - إميل بوترو (١٩).
(٢) انظر: عن بيكون سلسلة تراث الإنسانية، (ج:٢).
[ ١٥٣ ]
الدينية على النمط نفسه الذي تدرس به الأسانيد التاريخية -أي: على أساس أنها تراث بشري وليست وحيًا إلهيًا- وبالفعل حقق " سبينوزا " نتائج إيجابية:
فمثلًا: استنتج أن أسفار التوراة لم يكتبها موسى، مستدلًا بما جاء في سفر التثنية من ذكر موت موسى ورثائه، وقول كاتب السفر: "لم يأت نبي مثله من بعده "، وأيضًا استطاع أن يثبت أن التوراة قد عينت أماكن بأسماء لم " توضع لها إلا بعد موسى بقرون عديدة " (١) كما استطاع " باسكال" أن يوجه نقده إلى عقيدة الخطيئة قائلًا: " لا شيء يزحم العقل الإنساني بالألم كعقيدة الخطيئة الأصلية، وإنه ليبدو أبعد ما يكون عن العقل أن يعاقب إنسان من أجل خطيئة اقترفها أحد أسلافه منذ أربعة آلاف سنة " (٢).
أما " جون لوك " فقد خطا خطوة أبعد من ديكارت بأن طالب بإخضاع الوحي للعقل عند التعارض قائلًا: "من استبعد العقل ليفسح للوحي مجالًا فقد أطفأ نور كليهما، وكان مثله كمثل من يقنع إنسانًا بأن يفقأ عينيه ويستعيض عنهما بنور خافت يتلقاه بواسطة المرقب من نجم سحيق" (٣).
كما دعا إلى تطبيق مبدأ جديد على الحياة الأوروبية آنذاك، وهو مبدأ التسامح الديني، وإعطاء الحق لكل إنسان في أن يعتنق ما يشاء ويكفر بما يشاء من الأديان والمذاهب.
على أن نقد هؤلاء الرواد لم يصل إلى إنكار الوحي والرسالات السماوية بصراحة، كما أنه ظل خافتًا أمام بطش محاكم التفتيش أو على
_________________
(١) انظر: "المشكلة الأخلاقية والفلاسفة" (١٢٢) ورسالة في اللاهوت والسياسة لسبينوزا، ترجمة: حسن حنفي.
(٢) المصدر السابق: (١٣٣).
(٣) قصة النزاع ( /٢١٤).
[ ١٥٤ ]
الأقل أمام ضغط المجتمع الذي كان يدين بالمسيحية ويراها جزءًا من كيانه وتراثًا عزيزًا عليه.
وقد تعرضت كتب ديكارت وسبينوزا ولوك وأضرابها للحرق والمصادرة، كما تعرضوا شخصيًا للإيذاء والمضايقة من قبل الكنيسة، إلا أن تفجر البركان العلمي في كل مكان والخلافات الداخلية بين الطوائف المسيحية شغلتها عن إعطائهم ما يستحقون من الاهتمام.
كما أن النظريات الجديدة عن الكون في هذا القرن قد غمرت الأفكار الفلسفية، واستأثرت بالاهتمام البالغ من قبل الأوساط الدينية والعلمية على السواء، وأعظم هذه النظريات " نظرية الجاذبية " لإسحاق نيوتن.
ولد إسحاق نيوتن في السنة التي توفي فيها جاليلو ١٦٤٢ق. م) ويعد عمله تتميمًا لما بدأه جاليلو، فقد مهد اكتشاف جاليلو لقانون البندول سنة (١٦٠٤م) الطريق أمام النظرية القائلة " إنه من الممكن تفسير ظواهر الطبيعه بربط بعضها ببعض دون حاجة إلى تدخل قوى خارجية عنها " (١)، وبذلك كان هذا الاكتشاف الضئيل بمثابة النواة للمذهب "الطبيعي "والنظرية الميكانيكية اللذين كان لهما صدى واسع فيما بعد.
وقد حاربت الكنيسة هذه النظرية وشنعت على معتنقيها قائلة: إن الأشياء لا تعمل بذاتها ولكن عناية الله هي التي تسيرها، ولم تكن الكنيسة من سعة الأفق على جانب يسمح لها بتفهم عدم المنافاة بين نسبة الأفعال إلى الله تعالى باعتباره الفاعل الحقيقي، وبين نسبتها إلى الأسباب باعتبارها وسائط مباشرة، بل كان حنقها على كل جديد
_________________
(١) العلوم والدين: (١٩).
[ ١٥٥ ]
صارفًا لها عن ذلك، كما أن أصحاب النظرية اندفعوا وراء رد الفعل الأهوج، فأنكروا عمل العناية الإلهية وربط الأسباب بالمسببات، معتقدين أن كل ما عرفت علته المباشرة فلا داعي لافتراض تدخل الله فيه حسب تعبيرهم.
فلما جاء نيوتن بنظرية الجاذبية مؤيدة بقانون رياضي مطرد انبهرت عقول الفئات المثقفة واتخذها أعداء الدين سلاحًا قويًا حتى لقد سميت "الثورة النيوتونية" وأحس هؤلاء بنشوة انتصار عظيمة، فقد أمكن تفسير الكون كله بهذا القانون الخارق، كما تأكدت صحة نظريات كوبرنيق وبرونو وجاليلو، وفي الوقت نفسه اهتز موقف الكنيسة وتداعت حججها الواهية أكثر من ذي قبل، ولجأت إلى التعسف والعنف، وهاجم رجالها نيوتن الذي كان مؤمنًا بوجود الله، بحجة أنها تفضي إلى إنكار وجود الله، بنفي العناية الإلهية من الكون، وقد ثبت أنهم كانوا على حق في توقعهم هذا، لكنهم كانوا مخطئين في موقفهم من النظرية، فقد ساعد هذا الموقف الخاطئ على الوصول إلى تلك النتيجة الباطلة.
ولا شك أن نظرية نيوتن من أعظم النظريات العلمية أثرًا في الحياة الأوروبية، فهي التي وضعت الفكر المادي الغربي، وإليها يعزى الفضل الأكبر في نجاح كل من المذهب العقلي والمذهب الطبيعي، كما أن مذهب الإيمان بإله مع إنكار الوحي والإلحاد ذاته مدانان لهذه النظرية من قريب أو بعيد، على أن هذه الآثار لم تظهر إلا فيما بعد.
أما في القرن السابع عشر فإن النتائج الإيجابية التي أمكن للعلماء أن يُكوِّنوا منها النظرية العلمية المعادية لتعاليم الكنيسة، والتي اشتقت من نظريتي كوبرنيق ونيوتن - هي كما لخصها " برتراندرسل " ثلاث نتائج:
[ ١٥٦ ]
١ - أن تقرير الحقائق يجب أن يبنى على الملاحظة لا على الرواية غير المؤيدة (أي: النصوص).
٢ - أن العالم غير الحيواني نظام متفاعل في نفسه مستبق لنفسه، وتنطبق كل التغيرات فيه مع قوانين الطبيعة.
٣ - أن الأرض ليست مركز الكون وأن الإنسان ربما لا يكون الهدف من وجودها، إذا كان لوجودها أي هدف، وفوق ذلك أن فكرة الهدف فكرة لا فائدة منها من الناحية العلمية " (١).
وإذا كان القرن السابع عشر هو قرن الانتفاضة العارمة على الكنيسة ومبادئها، فإنه كذلك القرن الذهبي لمحاكم التفتيش، فقد قاسى العلماء أنواع الاضطهاد، واستخدمت ضدهم أساليب القمع الوحشية وظهرت الفهارس أو "القوائم البابوية " التي تحتوي على أسماء الكتب المحرمة، وكان وجود شيء من هذه الكتب في حوزة إنسان ذريعة لسوقه إلى محكمة التفتيش وتعريضه لأليم عقابها.
وقاومت الكنيسة كل محاولة للتجديد، وإن كانت نافعة خيرة، فقد كفرت رئيس بلدية في ألمانيا، لأنه اخترع غاز الاستصباح بحجة أن الله خلق الليل ليلًا والنهار نهارًا، وهو بمخترعه يريد تغيير مشيئة الخالق فيجعل الليل نهارًا" (٢).
واضطرب حبل الكنيسة بظهور الروح الجديدة اضطرابًا واضحًا وألقت بكل ثقلها في معركة كانت في غنى عن دخولها أمام الناس -لا سيما المثقفون- فقد اهتبلوا الفرصة، وخيل إليهم أن الأقدار قد ألقت إليهم مفتاحًا سحريًا يخلصهم من سجن الكنيسة وأغلالها، ذلك هو مفتاح "العلم والتجربة ".
_________________
(١) أثر العلم في المجتمع (٦).
(٢) محاضرات الموسم الثقافي بالكويت (١/ ٢٧٥).
[ ١٥٧ ]
كان إيمان هؤلاء بالمسيحية متغلغلًا إلى درجة يصعب معها فراقه ولكن كفرهم برجال الدين - أولئك الطغاة المتغطرسين - كان كفرًا صريحًا لا هوادة فيه.
ونستطيع أن نقول: إن ما قام به علماء وفلاسفة القرن السابع عشر من هجوم على الدين، ليس في حقيقته سوى اندفاع أعمى، ورد فعل غير موجه هدفه الانفكاك من ربقة الكنيسة والتحرر من عبوديتها، فلم يكن همهم "إلى أين نتجه؟ " بقدر ما كان "كيف نهرب؟ ".
ولكن التأثيرات والايحاءات الفلسفية لنظرية نيوتن أسهمت في إيجاد فكر لا ديني منظم ينتهج طرائق محددة، وإن كان قد ظل مشوبًا بالتعصب والسلبية، مندفعًا في مهاجمة الكنيسة ومعتقداتها.
ولعل من الصواب أن نقول: إن نظرية نيوتن لم تمهد فكريًا للثورة الفرنسية فحسب، بل إنها قطعت نصف الطريق إلى داروين أيضًا.
والكلام عن آثار النيوتونية ينقلنا إلى القرن الثامن عشر الذي كان دخوله إيذانًا بأفول نجم الكنيسة وولادة آلهة جديدة لا كنائس لها.