وقبل أن نفكر في الجواب سوف تستولي على أذهاننا تلك المشاهد المروعة، التي عرضت سابقًا عن الحياة العلمانية في الغرب ولسان حالها يصرخ في وجوهنا: أن احذروا أن تلقوا بأنفسكم في الجحيم!
وإذا استعرضنا بسرعة خاطفة ما سبق أن تحدثنا عنه سلفًا، من قصة العلمانية في أوروبا بأسبابها ودوافعها، فسوف نصل دون جهد إلى نتيجة واضحة هي: أن العلمانية رد فعل خاطئ لدين محرف وأوضاع خاطئة كذلك، وإنها نبات نكد خرج من تربة خبيثة ونتاج سيئ لظروف غير طبيعية.
فأوروبا نكبت بالكنيسة وديانتها المحرفة وطغيانها الأعمى، وسارت أحقابًا من الدهر تتعثر في ركابها، ثم انتفضت عليها وتمردت على سلطتها، فانتقلت إلى انحراف آخر وسارت في خط مضاد، إلا أنه أعظم خطرًا وأسوأ مصيرًا.
انتقلت من جاهلية تلبس مسوح الدين إلى جاهلية ترتدي مسوح التقدم والتطور، وهربت من طغيان رجال الدين والإقطاعيين فوقعت في قبضة الرأسماليين وأعضاء الحزب الشيوعي.
وذلك الانتقال وهذا الهروب دفعت إليه ظروف تاريخية بيئية نابعة من واقع الحياة الأوروبية خاصة؛ مع العلم بأنه لم يكن ضروريًا أن يتخذ رد الفعل الأوروبي تلك الصفة بعينها وأن مجيئه على هذا الشكل ليس حتميًا.
[ ٦٤٨ ]
أي أنه لم يكن حتمًا على مجتمع ابتلي بدين محرف أن يخرج عنه ليكون مجتمعًا لا دينيًا، بل الافتراض الصحيح هو أن يبحث عن الدين الصحيح.
فإذا وجدنا مجتمعًا آخر يختلف في ظروفه عن ذلك المجتمع، ومع ذلك يصر على أن ينتهج اللادينية ويتصور أنها حتم وضرورة، فماذا نحكم عليه؟ وكيف يكون الحكم -أيضًا- إذا كان هذا المجتمع الآخر يملك الدين الصحيح؟ إن أول ما لاحظناه في دين أوروبا هو التحريف في العقيدة والشريعة: عقيدة التثليث المستغلقة المضطربة والأناجيل المحرفة المتضاربة، ثم النظرة القاصرة التي فصلت الدين عن الدولة والحياة وحصرته في الأديرة والكنائس، فهل ذلك أو شيء منه في الإسلام؟
لنبدأ بالتثليث، أي ما يتصل بعقيدة الألوهية:
وبدون أدنى مبالغة نقول إنه ليس من دين ولا نحلة على وجه الأرض أيسر فهما، وأعظم اتساقًا مع الفطرة وموافقة للعقل من العقيدة الإسلامية، بل هي الفطرة ذاتها التي يعد ما عداها انحرافًا وضلالًا، والتي لا تتغير بحال: «فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» [الروم:٣٠].
هذه العقيدة الفطرية تشرحها سورة واحدة صغيرة قل أن يوجد مسلم لا يستظهرها: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَد * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ» [الإخلاص:١ - ٤] وهي السورة التي نزلت جواب إلهيًا للمشركين
[ ٦٤٩ ]
عندما سألوا الرسول ﷺ أن يصف لهم ربه (١).
هكذا وحدانية سهلة سلسلة تتشربها النفس البشرية بطريقة تلقائية دون تعقيد أو تكلف، فلا أقانيم ولا أبوة وبنوة ولا تشبيه ومكافأة.
وهذه الحقيقة هي التي تجذب اهتمام وتركيز دارسي الإسلام من أول لحظة، وتدفع من كتبت له الهداية منهم إلى نفض ما علق بفطرته من ركام والدخول في دين الله بكل طمأنينة، ذلك أن أول ما يستشعره القلب والعقل أمام العقيدة الإسلامية هو الاستقامة والبساطة والوضوح ، وهذه السمة التي تجتذب الأفراد الذين يدخلون في هذا الدين من الأوروبيين والأميركيين المعاصرين، فيتحدثون عنها بوصفها أول ما طرق حسهم من هذا الدين، وهي ذاتها السمة التي تجتذب البدائيين في أفريقيا وآسيا في القديم والحديث، لأنها سمة الفطرة التي يشترك فيها الناس أجمعين متحضرين وبدائيين (٢)
ويأتي مصداق ذلك على لسان أحد الداخلين في الإسلام من النصارى:
بدأت أدرس الأديان بصفة عامة والإسلام على وجه الخصوص، فأيقنت في غضون دراستي أن دنيا تفكيري وإحساسي أقرب للإسلام منها للمسيحية، وبالتدريج اكتشفت أن الإسلام كمنهج حياة كان ينسجم من كافة الوجوه مع فطرتي البشرية، وأستطيع هنا أن أضرب مثالًا نظريًا وآخر عمليًا:
عندما درست وجهة النظر الإسلامية حول النبي عيسى -﵇- عرفت أنني لم يحدث قط أن آمنت بأن عيسى -﵇- ابن الله، كما عرفت فيما بعد من أستاذ بروتستانتي أن عددًا كبيرًا من
_________________
(١) انظر: لباب النقول المطبوع مع الجلالين: (٣٨٤).
(٢) خصائص التطور الإسلامي: (٢٢٨).
[ ٦٥٠ ]
المسيحيين -حوالي (٨٠%) - منهم أقرب إلى الإسلام منه إلى المسيحية في هذه الناحية على الأقل من عقيدتهم، أما من الناحية العملية، فحتى قبل إسلامي كنت أنفر من الخمور والرقص وما شابه ذلك من الأمور التي عرفت فيما بعد أنها محرمة في الإسلام، وهكذا كان الإسلام بالنسبة لي كعملية اكتشافي لفطرتي: «فِطْرَتَ اللهِ التي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» [الروم:٣٠] (١).
والعجيب في قضية التثليث أن تنسب أوروبا الفضل في إنكارها إلى فلاسفة عصر التنوير [ق:١٨] من أمثال فولتير وتوم بين، ويعرب بعض الباحثين عن دهشتهم لأن عقلية جبارة كتلك التي يتمتع بها ديكارت لم تستنكر هذه العقيدة ولو بكلمة واحدة.
هذا في حين أن الإسلام -دين الله الحق- سبق إلى نقض هذه العقيدة وإبطالها، ليس من خلال تنفيره العام من الشرك وإنكاره المطلق فحسب، بل أفرد الحديث عنها استقلالًا وفصله من وجوه منوهًا بأنها عقيدة وثنية قديمة، وهي الحقيقة التي لم تعرفها أوروبا إلا بعد ظهور علم مقارنة الأديان الذي يعد من أحدث علومها النظرية، قال تعالى: «وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ» [التوبة:٣٠] (٢) ..
أما بالنسبة للأناجيل فإن سلامة القرآن الكريم من التحريف وحفظه بنصه الكامل حفظًا أبديًا لأمر حسي مقطوع به، لا يماري فيه إلا مكابر ينكر عقله وحسه قبل أن ينكره، ففي إمكان
_________________
(١) رجال ونساء أسلموا، عرفات كامل العشي: (١/ ٢٤ - ٢٥).
(٢) انظر في ظلال القرآن: (٤/ ٢٠٠).
[ ٦٥١ ]
الشاك في حقيقة ذلك أن يأخذ نسخة مطبوعة من القرآن الكريم من ماليزيا مثلًا، وأخرى من مصر وثالثة من أمريكا، ثم يقارن بينها وبعد أن يتضح له أنها متطابقة تمامًا -وهو ما لا بد منه- فليقارن إحداها بأية نسخة مخطوطة منه، سواءً في إحدى مكتبات الهند أو في أحد متاحف أوروبا ليجد الحقيقة عينها تتكرر لديه (١).
وقديمًا يذكر الإمام البيهقي -﵀- قصة واقعية مروية عن القاضي يحيى بن أكثم قال: «دخل يهودي على المأمون فتكلم فأحسن الكلام، فدعاه المأمون إلى الإسلام فأبى، فلما كان بعد سنة جاءنا مسلمًا فتكلم فأحسن الكلام، فقال له المأمون: ما كان سبب إسلامك؟ قال: انصرفت من حضرتك فأحببت أن أمتحن الأديان، فعمدت إلى التوراة فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها الكنيسة فاشتريت مني، وعمدت إلى الإنجيل فكتبت ثلاث نسخ فزدت فيها ونقصت وأدخلتها البيعة فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن فعملت ثلاث نسخ فيها نقص وزيادة وأدخلتها الوراقين فتصفحوها، فلما أن وجدوا فيها الزيادة والنقصان رموا بها فلم يشتروها فعلمت أن هذا كتاب محفوظ فكان هذا سبب إسلامي».
قال يحيى بن أكثم: فحججت تلك السنة فلقيت سفيان بن عينية فذكرت له الحديث، فقال مصداق هذا في كتاب الله تعالى، قلت في أي موضع؟ قال: قال الله تعالى في التوراة والإنجيل: «بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ» [المائدة:٤٤] فجعل حفظه إليهم فضاع، وقال «إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ» [الحجر:٩] فحفظه فلم يضع (٢).
_________________
(١) لا يحتج أحد بالطبعات التي يصدرها أحيانًا هيئات معادية للإسلام، فهي تفتضح بمجرد صدورها.
(٢) الخصائص الكبرى: (٣/ ١٢٨).
[ ٦٥٢ ]
وهذه الحقيقة الكبرى تقف كالصخرة الصماء أمام جهود المستشرقين وفلول الحاقدين على الإسلام قديمًا وحديثًا، لم يستطيعوا منها نيلًا ولا تحويلًا.
أما تحريف الشريعة بفصلها عن شئون الحياة وقصرها على طائفة مخصوصة، بل على فترات محدودة من حياة تلك الطائفة، فقد حفظ الله تعالى دينه الحق من ذلك -أيضًا- ولم تمر على الإسلام تلك الظروف التاريخية السيئة التي حالت دون تطبيق شريعة عيسى ﵇:
فالرسول ﷺ لم يلحق بالرفيق الأعلى حتى كانت للإسلام دولة يقوم كل جليل من أمرها ودقيق على هديه الإلهي، دولة فريدة في عالم الأرض كله، واستمرت دولة الإسلام تنمو وتتسع، وانضوى تحت حكم الله شعوب، وأمم العالم المتحضر من بلاد الصين إلى المحيط الأطلسي، ولم يبق خارجًا عن دائرته إلا أوروبا التي كانت مطمورة في ظلمات بعضها فوق بعض، والقبائل الوحشية في أواسط أفريقية وشمال وجنوب شرق آسيا، وهكذا لم تتعرض الشريعة الإسلامية لاضطهاد يذهب معالمها ويطمس حقائقها، ويجعل تطبيقها في واقع الحياة أمرًا مستحيلًا، كما حدث للنصرانية.
هذا بالنسبة للعوامل الخارجية، أما العوامل الذاتية فإن الشريعة الإسلامية سلمت من عبث العابثين وتحريف المبطلين، فعلى الرغم من كثرة الفرق الهدامة والطوائف الموتورة فإنها جميعًا عجزت عن تحقيق أهدافها، وغمرها التاريخ في طياته، والشريعة غضة طرية كأنما أنزلت اليوم.
[ ٦٥٣ ]
أما القرآن فأمر حفظه -كما سبق- أشهر من أن يدور حوله نقاش.
وأما السنة فسلامتها وحفظها معجزة من معجزات هذا الدين الخالدة، فقد قيض الله لها رجالًا يستظهرون مئات الألوف من الأسانيد والأحاديث غيبًا، لو أن أحدهم شك في كلمة بل في حرف لذكر ذلك في روايته أداءً للأمانة وتبرئة للذمة، واستنبط المسلمون علمًا لا نظير له بين الأمم السابقة واللاحقة، وهو علم مصطلح الحديث، الذي وضعت له أصول وقواعد يذهل لها الباحثون المعاصرون، وما يزال في الأمة علماء معاصرون محتفظون بسلسلة السند حتى رسول الله ﷺ مع أن الكتب المدونة تملأ الآفاق.
ونتيجة للضبط المتقن والدقة البالغة كانت الأمة واثقة كل الثقة في قدرة علمائها على كشف كل مدسوس على السنة، فقد جيء إلى الرشيد بزنديق فأمر بقتله، فقال: يا أمير المؤمنين! أين أنت عن أربعة آلاف حديث وضعتها فيكم، أحرم فيها الحلال وأحل فيها الحرام، ما قال النبي منها حرفًا واحدًا؟
فقال الرشيد: أين أنت يا زنديق عن عبد الله بن المبارك وأبي إسحاق الفزاري ينخلانها فيخرجانها حرفًا حرفًا (١).
وظلت هذه الأمة الإسلامية قرونًا تعيش حياة متسقة موحدة المنهج والسلوك، لا أثر فيها لشيء من الانفصال الشعوري أو العملي بين الشريعة والسياسة، أو بين الدين والدنيا على النحو الذي رأيناه في النصرانية.
نعم وقع في حياة الأمة الإسلامية انحراف بل انحرافات، لكنها
_________________
(١) تحذير الخواص: السيوطي١٦٣.
[ ٦٥٤ ]
انحرافات شخصية عملية أملتها الأهواء والأطماع، وأسهمت في إرسائها عوامل ليس هذا مجالها، أما الشريعة ذاتها فقد ظلت سليمة محفوظة وبقيت منهجًا ساميًا ثابتًا ترتقي إليه الأمة في فترات اليقظة والإصلاح، ولم يذهب أبدًا من حس الأمة بمجموعها أن تقيس الواقع بالشريعة، وأن تنظر إلى الانحراف وإن طال على أنه انحراف، حتى في أحلك العصور وأحرجها كان ضمير الأمة يقظًا؛ وكان فيها علماء أفذاذ يصححون المفهومات ويردون المنحرفين إلى الأصل الثابت الوضاء.
يقول الإمام ابن القيم، الذي عاش في الفترة المظلمة التي تلت سقوط بغداد واكتساح التتار للرقعة الإسلامية (ت٧٥١هـ):
«وتقسيم بعضهم طرق الحكم إلى شريعة وسياسة كتقسيم غيرهم الدين إلى شريعة وحقيقة، وكتقسيم آخرين الدين إلى عقل ونقل، وكل ذلك تقسيم باطل، بل السياسة والحقيقة والطريقة والعقل كل ذلك ينقسم إلى قسمين: صحيح وفاسد، فالصحيح قسم من أقسام الشريعة لا قسيم لها والباطل ضدها ومنافيها، وهذا الأصل من أهم الأصول وأنفعها، وهو مبني على حرف واحد وهو عموم رسالته ﷺ بالنسبة إلى ما يحتاج إليه العباد في معارفهم وعلومهم وأعمالهم، وأنه لم يحوج أمته إلى أحد بعده وإنما حاجتهم إلى من يبلغ عنه ما جاء به، فلرسالته عمومان محفوظان لا يتطرق إليهما تخصيص:
عموم بالنسبة إلى المرسل إليهم، وعموم بالنسبة إلى كل من يحتاج إليه من بعث إليه في أصول الدين وفروعه، فرسالته كافية شافية عامة لا تحوج إلى سواها، ولا يتم الإيمان به إلا بإثبات عموم رسالته في هذا وهذا، فلا يخرج أحد من المكلفين عن رسالته، ولا يخرج نوع من أنواع الحق الذي تحتاج إليه الأمة في علومها وأعمالها عما جاء به، وقد توفي رسول الله ﷺ وما طائر يقلب جناحيه في السماء إلا ذكر للأمة منه علمًا، وعلمهم كل شيء حتى آداب التخلي، وآداب
[ ٦٥٥ ]
الجماع والنوم والقيام والقعود والأكل والشرب والركوب والنزول والسفر والإقامة والصمت والكلام والعزلة والخلطة والغنى والفقر والصحة والمرض، وجميع أحكام الحياة والموت.
ووصف لهم العرش والكرسي والملائكة والجن والنار والجنة ويوم القيامة، وما فيه حتى كأنه رأي عين.
وعرفهم معبودهم وإلههم أتم تعريف حتى كأنهم يرونه ويشاهدونه بأوصاف كماله ونعوت جلاله، وعرفهم الأنبياء وأممهم وما جرى لهم وما جرى عليهم معهم، حتى كأنهم كانوا بينهم، وعرفهم من طرق الخير والشر دقيقها وجليلها ما لم يعرفه نبي لأمته قبله، وعرفهم ﷺ من أحوال الموت وما يكون بعده في البرزخ وما يحصل فيه من النعيم والعذاب للروح والبدن ما لم يعرف به نبي غيره، وكذلك عرفهم ﷺ من أدلة التوحيد والنبوة والمعاد والرد على جميع فرق أهل الكفر والضلال ما ليس لمن عرفه حاجة من بعده، اللهم إلا من يبلغه إياه ويبينه ويوضح منه ما خفي عليه.
وكذلك عرفهم ﷺ من مكايد الحروب ولقاء العدو وطرق النصر والظفر ما لو علموه وعقلوه ورعوه حق رعايته لم يقم لهم عدو أبدًا.
وكذلك عرفهم ﷺ من مكايد إبليس وطرقه التي يأتيهم منها، وما يتحرزون به من كيده ومكره، وما يدفعون به شره ما لا مزيد عليه، وكذلك عرفهم ﷺ من أحوال نفوسهم وأوصافها ودسائسها وكمائنها ما لا حاجة لهم معه إلى سواه.
وكذلك عرفهم ﷺ من أمور معايشهم ما لو علموه وعملوه لاستقامت لهم دنياهم أعظم استقامة.
[ ٦٥٦ ]
وبالجملة فجاءهم بخير الدنيا والآخرة برمته ولم يحوجهم إلى أحد سواه، فكيف يظن أن شريعته الكاملة التي ما طرق العالم شريعة أكمل منها ناقصة تحتاج إلى سياسة خارجة عنها تكملها، أو إلى قياس أو حقيقة أو معقول خارج عنها؟، ومن ظن ذلك فهو كمن ظن أن بالناس حاجة إلى رسول آخر بعده؛ وسبب هذا كله خفاء ما جاء به من ظن ذلك، وقلة نصيبه من الفهم الذي وفق الله أصحاب نبيه الذين اكتفوا بما جاء به واستغنوا به عما سواه وفتحوا به القلوب والبلاد وقالوا: هذا عهد نبينا إلينا وهو عهدنا إليكم» (١).
أما السلطة الكهنوتية فلا وجود لها في الإسلام، لا بالشكل الذي رأيناه سلفًا في أوروبا النصرانية ولا بغيره.
ذلك أن الإسلام -وهو دين التوحيد الخالص- إنما أنزله الله لتحرير العباد، وإخراجهم من عبودية العباد إلى عبادة الله وحده وطاعته دون سواه في التلقي وفي الاتباع، في المنهج والسلوك، وعلى ذلك جاء الأمر صريحًا قاطعًا فيما يتعلق بصرف أي نوع من أنواع العبادة الكثيرة لغير الله، كائنًا من كان ملكًا مقربًا أو نبيًا مرسلًا أو طاغوتًا متألهًا، فالأمر كله سواء، كله كفر: «ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ * وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ» [آل عمران:٧٩ - ٨٠].
وهذا هو الفارق الجوهري الأول في المسألة بين الإسلام والنصرانية المحرفة، فوجود هيئة كهنوتية تشرع لخلق الله أمرًا أو نهيًا في
_________________
(١) إعلام الموقعين: (٤/ ٣٧٥ - ٣٧٦).
[ ٦٥٧ ]
العقيدة أو الفروع هو شرك أكبر بالله تعالى، سواءً أجاء ذلك في صورة مراسيم بابوية، أم قرارات مجمعية، أم منشورات كنسية.
وقصة عدي بن حاتم - التي ستأتى قريبًا- توضح ذلك كل الوضوح؛ ولذلك جاءت دعوة النبي ﷺ أهل الكتاب مناسبة لمقتضى الحال التي كانوا عليها، من عبادة الأفراد وتقديس المخلوقين، فحينما كتب رسول الله ﷺ إلى طواغيت الأرض يبلغهم دعوته، كان نص كتاب هرقل -زعيم النصارى الروم- هكذا:
من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإنما عليك إثم الأريسيين، و«قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ» [آل عمران:٦٤] (١).
وهذا تعريض جلي بأن النصارى يعبد بعضهم بعضًا، وأن الله تعالى يدعوهم إلى الإسلام الذي ينفي ذلك أشد النفي.
وعندما اختلف بعض الصحابة -﵃- مع ابن عباس -﵄- في مسألة متعة الحج احتجوا عليه بفعل أبي بكر وعمر فقال:
[[يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله ﷺ وتقولون: قال أبو بكر وعمر]] هذا مع أن
_________________
(١) فتح الباري: (١/ ٣٢).والأريسيون قيل هم الفلاحون وقيل الأتباع عمومًا، انظر المصدر نفسه: (٣٩)، (ولا مانع أن يكونوا الموحدين المنتسبين إلى آريوس).
[ ٦٥٨ ]
أبا بكر وعمر -﵄- أفضل الأمة وأبعدها عن الأمر بما يخالف الكتاب والسنة.
فأين هذا من قرارات الفاتيكان، التي ما تزال تصدر بعد المسيح بألفي سنة تحل وتحرم كما تشاء؟ ومسألة إباحة الطلاق وعدمها أشهر من أن تذكر.
ولا مجال للمقارنة بين الشرك الذي ترتكبه المجامع النصرانية ومجالس الكرادلة وغيرها، وبين الاجتهاد الذي يباح لمن كان أهلًا له من علماء المسلمين.
فالاجتهاد هو استنباط ونظر في النصوص الشرعية الموحاة قرآنًا أو سنة، وليس تشريعا مستقلًا كما هو الحال في القرارات الكنسية.
ثم إن الاجتهاد لا يعدو كونه رأيًا فرديًا لا عصمة فيه من الخطأ، ولا يلزم أحد أتباعه بل يحق لأي إنسان أن يخالفه ما دامت المخالفة تتمشى -أيضًا- مع روح الشريعة ومدلولات النصوص.
والقاعدة المشهورة (كل يؤخذ من قوله ويرد إلا رسول الله ﷺ) هي عبارة قالها كثير من العلماء، واتفق عليها الأئمة الأربعة وغيرهم، ولا يخالف فيها إلا من خلع ربقة الإسلام بالكلية كغلاة الروافض (١).
والفارق الجوهري الثاني في المسألة هو أنه لا واسطة بين الله وخلقه في الإسلام على الإطلاق، اللهم إلا أن الرسل -صلوات الله
_________________
(١) في كتاب الحكومة الإسلامية (. إن الأئمة لا نتصور فيهم السهو أو الغفلة) (ص:٩١)، وفي (ص:٧٨). إن الإمام مرجع للناس في جميع الأمور، والله قد عينه وأناط به كل تصرف وتدبير. فتكون أفعاله وأقواله حجة على المسلمين يجب إنفاذها ولا يسمح بالتخلف عنها ..
[ ٦٥٩ ]
عليهم- يبلغون عن الله تعالى والعلماء يبلغون عنهم؛ وقد يسمون وسطاء بالنظر إلى ذلك، أما التوسط بمعناه الذي تولته الكنيسة النصرانية فهو في دين الله شرك أكبر ولا وجود له تاريخيًا.
نعم وجد ما يشبه ذلك عند بعض المتصوفة مع مريديهم، وبين الجهلة من العوام بالنسبة للأموات والصالحين، ولكنه - مع اختلافه عن التوسط الكنيسي - ليس من الإسلام ولم يقره علماء الأمة المعتبرون.
قال شَيْخ الإِسْلامِ في رسالة له فريدة:
(وما سوى الأنبياء من مشايخ العلماء والدين، فمن أثبتهم وسائط بين الرسول ﷺ وأمته يبلغونهم ويعلمونهم ويؤدبونهم ويقتدون بهم فقد أصاب في ذلك، وهؤلاء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة قاطعة لا يجتمعون على ضلالة، وإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله والرسول، إذ الواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق، بل كل أحد من الناس يؤخذ من كلامه ويترك إلا الرسول ﷺ، وقد قال ﷺ: ﴿العلماء ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر﴾ ومن أثبتهم وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه، فالله إنما يهدي عباده ويرزقهم بتوسطهم، فالخلق يسألونهم وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك الحوائج للناس لقربهم منهم .. فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون لله شبهوا المخلوق بالخالق وجعلوا لله أندادًا) (١).
_________________
(١) الواسطة بين الحق والخلق " (١٦: ١٧).
[ ٦٦٠ ]
وقد أدرك أتين دينيه هذه الحقيقة وكانت إحدى دوافع اعتناقه للإسلام يقول:
(الوسيلة هي إحدى كبريات المسائل التي فاق بها الإسلام جميع الأديان، إذ ليس بين الله وعبده وسيط، وليس في الإسلام قساوسة ولا رهبان، إن هؤلاء الوسطاء هم شر البلايا على الأديان، وإنهم لكذلك مهما كانت عقيدتهم ومهما كان إخلاصهم وحسن نياتهم) (١).
إن الإسلام ليس فيه شيء اسمه رجال دين أصلًا، بل أن هذه الكلمة المحدثة لا يستعملها إلا مغرض مضلل أو ساذج مخدوع، فالتصور الإسلامي أساسًا يرفض فكرة وجود أشخاص أو مجالات دنيوية لا علاقة لها بالدين أو دينية لا علاقة لها بالحياة، بل هو يجعل النفس البشرية ومثلها الحياة البشرية وحدة متناسقة، ويخاطبها على هذا الأساس، ويربطها بالله تعالى مباشرة في توحيد خالص مجرد (راجع الفصل السابق).والله تعالى يقول: «وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ» [البقرة:١٨٦] ويقول: «وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ» [آل عمران:١٣٥] فأين هذا من تعاليم النصرانية المحرفة، حيث يجلس المذنب على كرسي الاعتراف أمام عبد مخلوق مثله يقر بذنوبه ويلتمس منه المغفرة والرضوان؟!
لقد صان الله الإسلام من تلك الملابسات التي أدت إلى وجود الطائفة الكهنوتية النصرانية محرفة لدين الله محتكرة لكتبه، فلم يوجد مثل هذه الطائفة في واقع الحياة الإسلامية، كما أنه لم يوجد لها مبرر في العقيدة والتصور.
_________________
(١) أشعة خاصة بنور الإسلام: (٢٣).
[ ٦٦١ ]
ونتيجة ذلك الطبيعية هي أن الطغيان الفظيع الذي مارسته الكنيسة، وكان أحد أسباب العلمانية، لا وجود له في تاريخ الإسلام.
فالطغيان الديني، ذلك الذي يحتكر تعاليم الوحي ويحرف ألفاظها ومعانيها، ويسير الجيوش الصليبية لسحق المخالفين من الفرق في الرأي، ويقيم محاكم التفتيش لتصيدهم، يوجد له -ولله الحمد- نظير في تاريخنا الإسلامي.
والطغيان السياسي، ذلك الذي يستذل الحكام لأشخاص رجال الدين، ويعرض الشعوب لطائلة عقوبة الحرمان العام بسبب نزوة غضب تعتري أحد البابوات، ويسخر الناس ويكبل ما منح الله للإنسان من حق الحياة الحرة، لم يكن في الإسلام مثله أبدًا.
والطغيان الاقتصادي، ذلك الذي يتحكم في موارد وأرزاق البشر، ويستذلهم بالعمل المجاني في إقطاعيات الكرادلة والقساوسة، ويفرض الضرائب الباهظة على الأمم والأفراد لحساب خزانة الفاتيكان، لا وجود لمثله في الإسلام مطلقًا.
بل إن الله تعالى أنزل قوله: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ» [التوبة:٣٤] قبل أن يدور في خلد أوروبا الثورة على إقطاع رجال الدين والمطالبة بتحديد مخصصاتهم.
والطغيان الفكري والعلمي، ذلك الذي وقف عثرة في سبيل رقي البرية، وأقام محاكم التفتيش لإحراق العلماء أحياء، وطارد الباحثين التجريبيين كما تطارد الشرطة عصابات الحشاشين، وصفد العقل البشري بأغلال التعصب والجمود، وكفر الناس لأنهم اكتشفوا ما يعينهم على فهم بعض حقائق الوجود أو ظروف العيش ، هذا الطغيان الرهيب لا وجود له في الإسلام، ولا يمكن أن يوجد بحال في دين يجعل العلم فريضة شرعية والفكر عبادة سامية، ويسوي بين مداد
[ ٦٦٢ ]
العلماء ودماء الشهداء، بل يعد الكلب المعلم وسيلة طاهرة، في حين أن الكلب الجاهل حيوان نجس.
وكيف تكون نفرة بين العلم والدين، وحلقات ودروس الطب والفلك والرياضة، بل الشعر والأدب كلها تعقد في الجوامع جنبًا إلى جنب مع حلقات الحديث والفقه والتفسير؟ والطبيب والفلكي والرياضي يجلس جنبًا إلى جنب مع الفقيه وكبير القضاة في مجلس الخليفة؟ والمراصد وبيوت الحكمة تغدق عليها الأموال من بيت مال المسلمين؟
إنه لا مجال للمقارنة ولا داعي للإيضاح.
يبقى بعد هذا من عقائد النصرانية وشعائرها، التي نفرت الناس منها، وتسببت في ثورتهم عليها، مسألة الخطيئة الموروثة وموضوع الطقوس التعبدية:
أما الخطيئة الموروثة -التي أزعجت فولتير وباسكال، بل أقلقت الضمير الأوروبي كله وأرقته منذ أن اعتنقها إلى الآن، وبذرت اليأس والقنوط في النفوس، فلجأ الكثيرون إلى الأديرة والصوامع -كما سبق الكلام عن الرهبانية- أما هذه فإن الموقف الإسلامي منها قطعي وصريح.
فمن جهة معصية آدم -﵇- بالأكل من الشجرة، نجد أن الواقعة ذكرت في القرآن مذيلة بذكر التوبة والاستغفار، وبيان أن الله تعالى قبل التوبة وغفر الخطيئة، ففي سورة البقرة ينتهي سياق القصة إلى قوله جل شأنه: «فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» [البقرة:٣٧].
[ ٦٦٣ ]
وفي سورة الأعراف تكون عاقبة الخطيئة: «قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ» [الأعراف:٢٣].
وفي سورة طه يقول تعالى: «وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى» [طه:١٢١ - ١٢٢].
فالله تعالى تاب على آدم وهو ما يزال بعد في الملأ الأعلى ولم يهبط إلى الأرض إلا بعد ذلك، والآيات الكريمة لا تعطي الخطيئة ذلك الحجم المهول الذي تعطيها إياه تعاليم الكنيسة المحرفة فهي أمر عرضي في حياة آدم ﵇، بل في حياة كل بشر، تمحوه التوبة ويذهبه الاستغفار.
صحيح أن حكمة الله تعالى اقتضت أن تجعل المعصية سببًا في الإخراج من الجنة، ولكن الله تعالى قبل أن يخلق آدم قال للملائكة: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» [البقرة:٣٠] فموضع الاستخلاف أساسًا هو الأرض وعليها يكون الابتلاء، وليس ذلك لعنة في ذاته بل هو غاية الحكمة.
ولذلك حج آدم موسى -﵉- حين عاتبه على أنه تسبب في إخراج بنيه من الجنة، فرد عليه آدم كما ذكر النبي ﷺ: ﴿أفليس تجد فيما أنزل الله عليك أنه سيخرجني منها قبل أن يدخلنيها؟ قال: بلى. قال ﷺ: فحج آدم موسى (ثلاثًا)﴾ (١) (أي غلبة بالحجة).
هذا، ومن جهة أخرى فإن التصور الإسلامي يقرر ويؤكد حقيقة عظمى وقاعدة جليلة تضمنها قوله تعالى: «أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى *
_________________
(١) أصل الحديث في البخاري، وهذه رواية الشعبي، انظر فتح الباري: (١١/ ٥٠٥).
[ ٦٦٤ ]
وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى» [النجم:٣٨ - ٣٩] فلا يؤاخذ الله تعالى أحدًا بذنب غيره مهما كانت الصلة بينهما -أي: أنه حتى لو فرضنا جدلًا أن آدم ﵇ لم يتب، فإنه وحده المؤاخذ بمعصيته إن لم يغفرها الله له ولا ذنب للبشرية لا المسيح ولا غيره.
إنه - حسب قاعدة العدل الرباني - لا يجوز أن يؤاخذ أحد غير آدم بخطيئته، حتى ولو كان ابن الشيطان الذي أغواه بالخطيئة -فضلًا عن أن يكون ابن الله- كما تقول الكنيسة تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا أو أحدًا من بني آدم.
وبذلك خلا التصور الإسلامي من الأفكار والنظريات التي ابتدعتها الكنيسة باعتبارها من مستلزمات الخطيئة، سواءً ما يتعلق منها بذات الله ﷿ أو بالإنسان.
وكان علماء المسلمين أسبق من فلاسفة عصر التنوير وأتباع مدرسة النقد التاريخي في هذا المضمار، يقول أحدهم:
( فنسبوا الإله الحق -سبحانه- إلى ما يأنف أسقط الناس وأقلهم أن يفعله بمملوكه وعبده! وإلى ما يأنف عباد الأصنام أن يُنسب أوثانهم إليه، وكذبوا الله -﷿- في كونه تاب على آدم ﵇، وغفر له خطيئته ونسبوه إلى أقبح الظلم، حيث زعموا أنه سجن أنبياءه ورسله وأولياءه في الجحيم بسبب خطيئة أبيهم، ونسبوه إلى غاية السفه حيث خلصهم من العذاب بتمكينه أعداءه من نفسه حتى قتلوه وصلبوه وأراقوا دمه، ونسبوه إلى غاية العجز حيث عجزوه أن يخلصهم بقدرته من غير هذه الحيلة، ونسبوه إلى غاية النقص حيث سلط أعداءه على نفسه وابنه ففعلوا به ما فعلوا
وبالجملة فلا نعلم أمة سبَّت ربها ومعبودها وإلهها بما سبت به هذه الأمة، كما قال عمر ﵁: [[إنهم سبوا الله مسبة ما سبه
[ ٦٦٥ ]
إياها أحد من البشر]] وكان بعض أئمة الإسلام إذا رأى صليبيًا أغمض عينيه، وقال: لا أستطيع أن أملأ عيني ممن سب إلهه ومعبوده بأقبح السب.
ولهذا قال عقلاء الملوك (ملك الهند): إن جهاد هؤلاء واجب شرعًا وعقلًا، فإنهم عار على بني آدم، مفسدون للعقول والشرائع) (١).
هذا الكلام نموذج من بين انتقادات عقلية لا حصر لها، دونها علماء المسلمين قبل أن يخلق سبينوزا وباسكال وفولتير بقرون، وقبل أن تفكر أوروبا في شيء اسمه (النقد التاريخي) أو (حرية التفكير).
وينتهي بنا المطاف إلى شعائر النصرانية وطقوسها لا سيما الطقس الأكبر (العشاء الرباني)، الذي كان وما يزال من أعظم حجج المناهضين للنصرانية لما يصدم به العقل والبديهة والحس.
ولا نحتاج إلى توكيد أن الإسلام ليس فيه شيء من هذا ولا ما يشبهه، فإن الإسلام وهو دين الله الحق أجل وأسمى من أن يشتمل على مثل هذه الطقوس الوثنية المنقولة عن الأمم الغابرة، إن الله تعالى منَّ على البشرية بالإسلام منة عظيمة إذ حررها من مثل هذه السخافات، وأنزل شعائر هي في غاية الحكمة والسمو والاتساق مع العقل والفطرة، شعائر لا غموض فيها ولا تمتمات ولا أسرار مقدسة، ليس أدل على ذلك من أن كثيرًا من الغربيين يؤخذ بروعة مشهد
_________________
(١) أصل الحديث في البخاري، وهذه رواية الشعبي، انظر فتح الباري: (١١/ ٥٠٥).
[ ٦٦٦ ]
المسلمين وهم يصلون، إلى درجة أن ذلك كان سببًا في دخول بعضهم أو تفكيره في أن يدخل في الإسلام، يقول توماس أرنولد:
(إنه لا يتأتى لأحد يكون قد رأى ذلك المشهد أن يبلغ تأثره به أعماق قلبه، وألاَّ يلحظ ببصره القوة التي تمتاز بها هذه الطريقة من العبادة عن غيرها) (١).
وقال رينان: (لم أدخل مسجدًا إلا شعرت بانفعالات نفسية وأسف بالغ حينما أذكر أنني لست مسلمًا) (٢).
ويقارن المستشرق الأمريكي بودلي بين النصرانية والإسلام في ذلك قائلًا: (لو أن القديس بطرس عاد إلى روما لامتلأ عجبًا من الطقوس الضخمة وملابس الكهنوت المزركشة والموسيقى الغريبة في المعبد المقرونة باسمه، ولن يعيد البخور والصور والرقى إلى ذهنه أي شيء من تعاليم سيده المسيح، ولكن إذا ما عاد محمد ﷺ إلى أي مسجد من المساجد المنتشرة بين لندن وزنزبار، فإنه سيجد نفس الشعائر البسيطة التي كانت تقام في مسجده في المدينة الذي كان من الآجر وجذوع الشجر) (٣).
أما المهزلة التاريخية العظمى (صكوك الغفران)، التي تعد بحق صفحة سوداء في تاريخ الإنسانية فلا يستطيع أحد من أعداء الإسلام أو دعاة العلمانية -مهما بلغت به المكابرة- أن يزعم أنها وجدت في التاريخ الإسلامي فضلًا عن أصوله التشريعية ذاتها، فهذه المهزلة الأضحوكة لم يعرفها المسلمون حتى في أحط وأحلك عصورهم حين
_________________
(١) إلى الدين الفطري الأبدي: الطرازي: (٢٦٣).
(٢) المصدر السابق: (٢٦٤).
(٣) الجفوة المفتعلة بين العلم والدين: (٢٣ - ٢٤).
[ ٦٦٧ ]
فشا الجهل، وعلقت بعض الخرافات بأذهان الجهلة والعوام، ولم يحدث قط أن كتب أحد مشايخ الصوفية أو من يسمون أولياء وثيقة غفران بل نستطيع أن نقول: إن ذلك لم يدر في خلده ولم يخطر له على بال.
ذلك أن الأمة الإسلامية مهما انحرفت وتخبطت تظل لديها مسكة من عقل وبقية من إيمان، تمنعها عن ارتكاب مثل هذه الحماقات الصفيقة التي لم يتورع عنها بابوات الكنيسة قرابة ثلاثة قرون.
هذه الفروق الجوهرية الكبرى بين الإسلام والديانة الكنسية، وبين تاريخه، وتاريخها تقدم إجابة ضخمة ساطعة على السؤال الذي طُرح سلفًا وهو: هل للعلمانية في العالم الإسلامي مبرر ؟
وما علينا بعد ذلك إن غالط المغالطون وتمحل المخادعون .. «أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا» [الفرقان:٤٣].
[ ٦٦٨ ]