إن النظام الاجتماعي الذي هيمن على الحياة الأوروبية طيلة القرون الوسطى هو نظام "الإقطاع"، وربما كان أبشع وأظلم النظم الاجتماعية في التاريخ.
ولا شك أن الظلم دائمًا سمة من سمات الحكم الجاهلي لأي مجتمع في كل زمان ومكان، ولكن صورته في المجتمع الأوروبي الإقطاعي كانت أتم وأظهر، (١) ففي الفترة التي كان فيها الشرق المسلم ينعم بالحياة في ظل أفضل وأعدل مجتمع عرفه التاريخ. كان الغرب المسيحي يرزح تحت نير هذا النظام البغيض.
والفطرة البشرية -كما خلقها الله - تأبى الظلم وتنفر منه، مهما طال خضوعها له، ولذلك فإنها تنتهز أدنى فرصة سانحة للثورة عليه وتقويض دعائمه.
وترتبط أولى محاولات الإنسان الأوروبي الانفلات من المظالم الإقطاعية بالاحتكاك المباشر بالمسلمين عن طريق الفتوحات الإسلامية في أوروبا، وبلغ ذلك ذروته إبان الحروب الصليبية.
وليس غريبًا أن يكون أرقاء فرنسا هم رواد الثورة على
_________________
(١) انظر: فصل علمانية الاقتصاد من الباب الثالث موضوع "صورة مجملة لنظام الإقطاع" (ص:٢٦١).
[ ١٦٥ ]
الإقطاعيين؛ فإن موقعها الجغرافي المحاذي للجزء المسلم من أوروبا" الأندلس، ثم حملاتها الصليبية الكثيفة مضافًا إليهما بعدها النسبي عن مركز البابوية في روما، كل هذه جعلتها أقرب إلى روح التحرر والانطلاق.
وهكذا قامت في فرنسا أول ثورة فلاحية "الجاكريه" في القرن الرابع عشر للميلاد، وهي وإن أخفقت، كالشأن في المحاولات الأولى، فقد هيأت الأذهان لإمكان القيام بعمل ناجح مستقبلًا، وأثرت في ظهور انتفاضات مماثلة في أنحاء القارة.
وكان من العوائق الكبرى التي خيبت جهود الثائرين أن الكنيسة " أكبر الملاك الإقطاعيين " وقفت ضدهم وأجهضت محاولاتهم.
فالكنيسة لم تكتف بصد الناس عن نور الإسلام، بل ناقضت تعاليم الإنجيل الداعية إلى المحبة والتسامح، ونافست الأمراء الإقطاعيين في إذلال الشعوب وقهرها.
ويأتي التبرير المسيحي لنظام الاسترقاق الإقطاعي على يد القديس توما الأكويني، الذي فسره بأنه "نتيجة لخطيئة آدم " (١) وكأن رجال الكنيسة والبارونات ليسوا من بني آدم. وهناك حقيقة ينبغي ألا تغيب عن أذهاننا فيما يتعلق بالثورات الفلاحية، وهي أن هذه الثورات لم تكن تمردًا على الكنيسة لأنها كنيسة بل لأنها "مالك إقطاعي".
يقول ويلز: "كانت ثورة الشعب على الكنيسة دينية فلم يكن اعتراضهم على قوة الكنيسة بل على مساوئها ونواحي الضعف فيها، وكانت حركات تمردهم على الكنيسة حركات لا يقصد بها الفكاك من
_________________
(١) قصة الحضارة: (١٤/ ٤٠٦).
[ ١٦٦ ]
الرقابة الدينية بل طلب رقابة دينية أتم وأوفى وقد اعترضوا على البابا لا لأنه الرأس الديني للعالم المسيحي، بل لأنه لم يكن كذلك -أي: لأنه كان أميرًا ثريًا دنيويًا- بينما كان يجب أن يكون قائدهم الروحي" (١).
وحدث إلى جانب ذلك وبعده تحولات ظاهرة في الحياة الأوروبية:
فالملوك المركزيون استطاعوا أن يذوبوا البارونات في رعاياهم ويدمجوا إقطاعياتهم في الدولة، وإن كان قد بقي لهم امتيازات ومخصصات كثيرة، وتمت هذه العملية بفضل حصول الحكومات على البارود عن طريق الشرق، وهو سلاح لم تصمد له قلاع البارونات طويلًا.
وأدى هذا إلى مزيد من الاستغلال للأرقاء من قبل أسيادهم، كي يعوض الأسياد عن الضرائب التي فرضتها الحكومة المركزية على إقطاعياتهم، ولم يَدُر ببال الملوك أن يفكروا في شأن الأرقاء، بل كان كل همهم أن تأتي الضريبة كاملة من أي طريق.
والتحول الآخر يتمثل في ظهور الحركات التي تزعمها (لوثر، كالفن، هس) وأمثالهم، فقد حطمت هذه الحركات الوحدة الشكلية للعالم الغربي المسيحي، وأضعفت السلطة الكنسية المركزية بكثرة ما أحدثته من مذاهب وفرق لا حصر لها.
وهذا التحول -بالإضافة إلى سابقه- أدى إلى تخلخل المجتمع الأوروبي وتغيير بعض ملامحه الثابتة، فابتدأت المدن الأوروبية في النمو، وظهرت الطبقة الوسطى "البورجوازية " فظهر منافس قوي للإقطاعيين
_________________
(١) معالم تاريخ الإنسانية: (٣/ ٩٨٩).
[ ١٦٧ ]
يتمثل في طبقة تجار المدن البورجوازيين، الذين كانوا بمثابة الطلائع للرأسماليين الكبار (١).
وإلى جانب ذلك كانت اليقظة التي عرضناها في الفصل السابق، وكان ظهور الورق والمطابع العامل الفعال في نشرها وتوسيع ميدانها.
كل هذه التحولات آذنت بهبوب رياح التغيير على القارة وأنذرت بافتتاح عصر جديد مغاير للماضي في قيمه وتصوراته وأوضاعه، وكانت أحوال فرنسا الثقافية والاجتماعية تؤهلها لافتتاح ذلك العصر.
في السنوات السابقة للثورة بلغ الفساد السياسي والتدهور الاقتصادي في فرنسا غايته، حتى إن "كالون" وزير الخزانة الملكية اعترف بذلك سنة (١٧٨٧م) وأرادت الحكومة سد عجز الميزانية بإرهاق الشعب بضرائب جديدة فادحة، فازدادت أحوال الطبقات المسحوقة سواءً، وعصفت بالبلاد موجة من الجوع ونقص المؤن.
وفي الوقت الذي عيل فيه صبر الشعب وأنهكته المجاعة والبؤس، كان هناك طبقتان تترنحان في أعطاف النعيم وتنغمسان في مختلف الملاذ هما: طبقة رجال الدين، وطبقة الأشراف، بالإضافة إلى الأسرة المالكة التي كانت عبئًا ثقيلًا على الجميع.
وكان إنقاذ الشعب يتطلب منه أن يقوم بعمل يودي بالظلم ويزيح كابوسه عن المهضومين، ووقف الشعب بكل فئاته "الفلاحين، المهنيين، القساوسة الصغار" جبهة واحدة، وكانت الجبهة الأخرى ائتلافًا بين الطبقتين المحتكرتين "رجال الدين والأشراف".
_________________
(١) انظر: حول ذلك قصة الحضارة (٢٨/ ٢٧٦).
[ ١٦٨ ]
وقضت سنة الله أن ينتصر الشعب على جلاديه، وأن تحصد "المقصلة" معظم الرءوس المترفة الطاغية.
وتمخضت الثورة عن نتائج بالغة الأهمية، فقد ولدت لأول مرة في تاريخ أوروبا المسيحية دولة جمهورية لا دينية، تقوم فلسفتها على الحكم باسم الشعب "وليس باسم الله"، وعلى حرية التدين بدلًا من الكثلكة، وعلى الحرية الشخصية بدلًا من التقيد بالأخلاق الدينية، وعلى دستور وضعي بدلًا من قرارات الكنيسة.
وقامت الثورة بأعمال غريبة على عصرها، فقد حلت الجمعيات الدينية، وسرحت الرهبان والراهبات وصادرت أموال الكنيسة، وألغت كل امتيازاتها، وحوربت العقائد الدينية هذه المرة علنًا وبشدة، وأصبح رجل الدين موظفًا مدنيًا لدى الحكومة (١).
هذه النتائج والتطورات تستحق أن يقف عندها الإنسان باحثًا عن أسبابها ودوافعها، وبالنظرة الفاحصة نجد أن عوامل متعددة قد تضافرت على تحقيقها، وأهمها ثلاثة: