أدَّى التحريف المتعمد لنصوص الوحي المسيحي والتأويلات البعيدة لأعمال المسيح وأقواله، تلك التي فتحت الكنيسة لها الباب على مصراعيه، إلى استمراء وتسويغ التصرفات الخاطئة التي تلت ذلك فيما بعد، ولما كانت تحريفات الكنيسة تخبطات عشوائية لا ترتكز على قواعد محددة وليس لها ضوابط رادعة، فقد ظل المجال فسيحًا لإضافات أكثر وثغرات أعمق، وكان للمطامع الدنيوية والرغبات الشخصية الفضل الأكبر في دفع الموجة قدمًا وتوجيهها كما يراد.
يضاف إلى ذلك الحماقات التي ترتكب بطريق السذاجة والبله من بعض المنتسبين إلى الدين، ولا تجد من ينكرها أو يحاصرها، فتصبح مع مرور الزمن طقوسًا وشعائر دينية.
كل ذلك تعرضت له النصرانية، فاستحقت أن توصم بأنها ديانة تركيبية أو بوتقة انصهرت فيها عقائد وخرافات وآراء متباينة، شكلت دينًا غير متسق ولا متجانس.
ونظرًا لصعوبة التمييز بين الصحيح من الزائف والأصلي من المبتدع في الدين النصراني، فقد تباينت وجهات نظر النقاد الغربيين وتباعدت شقة الخلاف بينهم، فغالى بعضهم إلى حد التصريح بأن
[ ٧٥ ]
النصرانية ديانة وضعية أرقى تكوينًا وأدق تنظيمًا من الديانات السابقة التي ابتكرها الإنسان -بزعمهم- منذ فجر التاريخ، وأن طقوسها وشعائرها هي امتداد للطقوس الطوطمية والشعائر الوثنية، التي كانت سائدة بين القبائل الهمجية القديمة.
وبالمقابل تعصب آخرون - لاسيما ذوي الميول الدينية - للرأي القائل بأن الدين النصراني - مكتملًا - دين سماوي على الحقيقة، وأن كل ما في الأناجيل وحي صادق، وأن أعمال الكنيسة مشروعة يقرها ويمليها المسيح، فليس شيء منها يستحق أن يوصف بأنه بدعة محدثة أو إضافة خاطئة، وتظل الكلمة الفصل في الموضوع، كما هي دائمًا، في القرآن الكريم الذي نزل مهيمنًا على ما قبله من الكتب، ويظل الرأي الذي يصح أن يوصف بأنه موضوعي ونزيه - في هذه المسألة وأشباهها - من نصيب الباحث المسلم وحده.
لقد سبق أن تحدثنا عن تحريف المسيحية - عقيدة وشريعة - والتحريف في ذاته بدعة خطرة، لكن الأمر لم يقتصر على تحريف ما هو موجود بالفعل، بل انتقل إلى إحداث ما لم يكن وابتداع تعاليم وضعية أُلصقت بالمسيحية وأُدخلت في صلبها، وربما كانت بدعة رجال الدين - كما يسمون - أبعد البدع أثرًا، لأن البدع الأخرى لم تكن لتنمو لولا أن رجال الدين هم الذين ابتدعوها وأقروها وأضفوا الشرعية عليها لذلك سنبدأ بالحديث عن هذه البدعة، ثم نعقب ببعض البدع الأخرى لتكون نماذج وأمثلة شاهدة على ما نقول.