إن أي باحث في الأدب المعاصر لا بد أن يرى بوضوح مؤثرات جديدة وقوية أدت به إلى الحال الراهنة، وميزته عن المدارس والاتجاهات السابقة.
وليس ضروريًا -بالطبع- أن تكون هذه المؤثرات أدبية محضة، فما دام الأدب هو صورة الحياة فإن كل التحولات التي طرأت على الحياة الأوروبية سوف يصحبها تحول مماثل في الفن والأدب، ويرى أحد النقاد الغربيين أن هناك أربعة من المفكرين يعود إليهم الفضل في الاتجاهات الفنية والنقدية الحديثة، هم داروين، وماركس، وفريزر، وفرويد (٢).
والحق أن لداروين وفرويد خاصة أعظم الأثر في ذلك:
أما الداروينية فإن الفلسفة الحيوانية التي بنيت عليها ولدت في النفسية الأوروبية شعورين عميقين لا يمكن للأدب الأوروبي مهما تعددت مدارسه ومناهجه إلا أن يكون تعبيرًا عن أحدهما:
١ - حيوانية الإنسان التي تلغي المشاعر الروحية تمامًا، وتجعل الكائن
_________________
(١) (٨٧ - ٨٨).
(٢) ستانلي هايمان: النقد الأدبي: (١٥٨).
[ ٤٧٣ ]
البشري كتلة من اللحم كأي حيوان آخر، لا هم له إلا إرواء غرائزه البهيمية والحصول على أكبر قسط من المتاع الجسدي المحض.
٢ - والشعور بتفاهة الحياة وحقارتها، ونفي أية غاية سامية لوجودها، وهو الشعور الذي عبرت عنه مدارس الضياع المختلفة تحت أسماء وشعارات شتى.
وأما الفرويدية فقد عمقت الاتجاه الحيواني موصلة إياه إلى الحضيض، وصاغته في فلسفة نظرية منمقة تجعل الوصال الجنسي هو الغاية والوسيلة، وهو محور الحياة ومحور البحث ومناط التفكير وعلة العلل.
وعمقت كذلك الشعور بالضياع والحيرة، فقد تركزت فلسفتها الجنسية حول الجوانب المجهولة - إن لم نقل المختلفة - كالعقل الباطن واللاوعي واللاشعور والأنا المثالية إلخ، وكأنها بذلك قدمت العوض المعاكس للإيمان والإحساس الروحي.
وهناك غير ما سبق عوامل ومؤثرات كثيرة:
فهناك الحربان العالميتان، وهما الكارثة التي حطمت القيم والأعراف والقوانين، وأذهلت بفظائعها المروعة عقول البشر، ولا يزال التهديد الذري واحتمال نشوب حرب ثالثة يسيطر على مخيلة الناس ويؤرق شعورهم.
وهناك التفسخ الاجتماعي، حيث الأسرة محطمة، والمشاعر النبيلة مفقودة، والتنافس الضاري على أشده، مما جعل الإنسان يعيش في دوامة رهيبة من القلق لا يجد موطئ قدم تسكن نفسه إليه منذ ولادته حتى مماته.
[ ٤٧٤ ]
وهناك -أيضًا- النظريات العلمية الجديدة لا سيما النسبية ودورها يتجلى في أنها أفقدت الناس قيمة الأحكام المطلقة والإيمان والثقة في أية أسس ثابتة وعامة، ثم إنها تستعمل في بحوثها عن الكون والإنسان أرقامًا مذهلة يعجز العقل عن تصورها، وتتكلم بلغة محيرة مربكة تجعل المرء فريسة تناقض حاد بين إيمانه الوثيق بعلميتها وصدقها وبين عجزه عن إدراك مدلولاتها وتفسير معمياتها.
وهناك الوسائل الفنية الجديدة، كالسينما والتليفزيون والصحافة المتطورة ودور النشر الكبيرة، تلك التي جعلت تعميم المادة الأدبية وذيوعها أمرًا ميسورًا للغاية وخلقت جوًا من التنافس بين المؤلفين والمنتجين والرسامين:
بهذه المؤثرات جميعًا تأثر الأدب المعاصر وانفصل بالتالي عن الدين انفصالًا حاسمًا ومهما قيل في تعداد مدارسه ومذاهبه، فإنه يتذبذب بين اتجاهين رئيسين هما: الإباحية والضياع، ويطلق النقاد على الأدب المعاصر في الجملة مسمى اللامعقول، وهو إطلاق له ما يبرره لاسيما في مدارس الضياع، ولا يرون أي تناقض بين ذلك وبين وصفه بأنه أدب واقعي، فإن واقعية القرن العشرين تتجلى في لا معقوليته.
والواقع أن الارتداد من الواقعية إلى اللامعقول يشبه الانتقال من الكلاسيكية إلى الرومانسية مع اختلاف صوري فقط، على أن رباط الوثنية يظل هو الرباط المشترك بين الجميع.
أولًا: الاتجاه الإباحي:
في كل مراحل التاريخ الأدبي الأوروبي لم ينفك الفن عن الإباحية، إلا أن صورها كانت تختلف وتسير متطورة ولكن إلى أسفل، وما أصدق قول برنتن:
[ ٤٧٥ ]
إن الخشونة والفحش من الصفات الدائمة تقريبًا في ثقافتنا الغربية (١) فالأغاني البذيئة والمسرحيات الوضعية في عصر النهضة تعقبها عبادة اللذة والجمال في الرومانسية، ثم تصبح الدعوة صريحة إلى الفجور والفاحشة في الأدب الواقعي، وتظل صورتها تكبر وتسفل حتى تصل إلى الأدب المكشوف.
وبذلك بعدت الشقة جدًا بين رهبانية الكنيسة والفن، وصار بينهما هوة لا قرار لها، وإذا عرفنا أنه ما تزال نسبة تمثال افروديت إلهة الحب! عند الإغريق هي المقياس لأجساد ممثلات هوليود، (٢) فلن يخفى علينا ارتكاس هذا الاتجاه إلى الوثنية.
ولنبدأ بالطريق من أوله -متجاوزين عصر النهضة- لنجد تلك المجموعة من الأدباء في العصر الحديث الذين كرسوا فنهم وحياتهم للإباحية.
فهناك الفريددي موسيه شاعر الليالي الذي كان أبيقوريًا بأوسع معاني الكلمة، ومعاصروه أمثال بروسبير صاحب قصة كولومبيا وألكسندر دوماس الكبير والصغير، والأخير مشهور بقصة غادة الكاميليا وفلوبير صاحب مدام بوفاري ومعهم الكاتبة العربيدة جورج ساند صاحبة ليليا وأنديانا وينبغي ألا ننسى ستندال صاحب الأسود والأحمر وأوسكار وايلد (٣).
وكل أدب هؤلاء محصور في تمجيد الرذيلة وتبرير أعمال العاهرات والإشفاق عليهن، ودخل هذا الاتجاه مرحلة أتم بالمدرسة
_________________
(١) قصة الفكر الغربى: (٢٩٧).
(٢) انظر المصدر السابق: (٨٥).
(٣) انظر سلسلة تراث الإنسانية تحت هذه الأسماء المذكورة لاسيما (ج:٢، ٧).
[ ٤٧٦ ]
الطبيعية التي يتزعمها الكاتب اليهودي إميل زولا صاحب الأرض والبهيمة وغيرها، وهي مدرسة إباحية متخصصة.
وعن هذا الاتجاه يقول أحد عظماء الأدب الأوروبى تولستوي سنة ١٨٩٨:
أصبح المقياس الوحيد للفن الجيد والفن الرديء هو اللذة الشخصية، فالخير هو ما يبعث اللذة في نفوسهم وهذا هو الجميل، وبذا ارتدوا إلى تصور الإغريق البدائيين الذين أدانهم أفلاطون، وطبقًا لهذا الفهم في الحياة تكونت نظرية في الفن ويقول: (١)
ويقول: "إننا نشبه الفن المعاصر - مع غرابة هذا التشبيه - بامرأة تبيع جسدها لإرضاء الذين يبتغون اللذة بدلًا من أن تجعله مستودعًا للأمومة، فالفن المعاصر يشبه العاهر في أدق التفاصيل، فهو مثلها ليس وقفًا على عصر معين، وهو مثلها مبهرج، وهو مثلها قابل للبيع دائمًا، وهو مثلها كله إغراء وكله هدم" (٢) س.
ثم جاء فرويد، وجاءت الحرب الأولى، فاكتسب هذا الاتجاه قوة، واستشرت رذائله في الأوساط العامة وانهال الإقبال على إنتاجه الرخيص، ووجدها الهدامون والمتكسبون فرصةً لنفث سمومهم واستغلال مشاعر الناس واللعب بعواطفهم وإثارة غرائزهم، ويبرز هنا اسم ديفيد هربرت لورانس ١٩٣٠، الذي كتب عدة روايات منها: أبناء وعشاق وعشيق ليدي تشارلي والأخيرة أثارت ضجة كبرى في إنجلترا بسبب جرأتها المتناهية في تصوير العسلاقات الجنسية ولم تنشر كاملة إلا مع بداية الستينات (٣).
_________________
(١) عن دراسات أدبية: يوسف الشاروني: (٨٤).
(٢) عن دراسات أدبية: يوسف الشاروني: (٨٤).
(٣) سلسلة تراث الإنسانية: (٧ - ٢٦٣).
[ ٤٧٧ ]
وبعده طلع ولسن بمذكرات مقاطعة هيكث سنة ١٩٤٦ التي صادرتها محكمة القضايا الخاصة بعد أن بيع منها خمسون ألف نسخة في نحو أربعة أشهر، وهى تصور بالتفصيل الدقيق كما قال هايمان: عشرين دورًا من أدوار العملية الجنسية يقوم بها أربع عاهرات !! (١)
وهناك عدد لا يحصى ممن تفننوا في تصوير أعمال الدعارة والعهر مبررين ومسوغين، وأوقفوا حياتهم الأدبية لذلك، حيث الجمهور يتلهف لقراءتها والمنتجون يتسابقون لإخراجها مشاهد حية، ولا غرابة في أن أكثر الروايات الأدبية العالمية انتشارًا هي أكثرها إسفافًا ورذيلة.
وهذا كله في نطاق الأدب الجاد أو الهادف الذي يعد جزءًا من التراث الحضاري البشري والذي تكتبه شخصيات أدبية مرموقة، وترصد له الجوائز والمسابقات الدولية والقومية، ويكتب له النقاد والمعلمون.
أما ما يسمى أدب الجنس أو الأدب المكشوف الذي لا يصح أن يسمى أدبًا بحال، فهو في كل العالم الغربي ملء السمع والبصر، يملأ الحوانيت، ويستنفذ الصحافة، ويسيطر على دور العرض السينمائي، ويستغرق أوقات الملايين من الناس، حتى الأطفال تكتب لهم مسلسلات جنسية وروايات جنسية ومسرحيات جنسية.
ثانيًا: الاتجاه الضائع:
لم تستطع كل المذاهب الفكرية والفلسفات الاجتماعية أن
_________________
(١) النقد الأدب، ستانلي هايمان: (٧٥).
[ ٤٧٨ ]
تعطي الإنسان المعاصر -أو القرد حسب تعبير كامو- أي نوع من أنواع الثقة والاطمئنان.
بل على العكس كان دورها الفعال ينحصر في اجتثاث موروثات الكنيسة الهشة، التي كانت رغم هشاشتها تقدم شيئًا من الاستقرار والثقة في المصير.
وكانت العوامل النفسية والاجتماعية التي أشرنا إليها سلفًا تهدم كل أمل في الوصول إلى السعادة والإيمان بالقيم المجردة أيًا كانت.
وأمام العملاق الميكانيكى الرهيب وسيطرة الآلة الطاغية شعر الإنسان بأنه قد سحق وأن وجوده قد تضاءل إلى حد أدنى مما كان عليه وهو يواجه جبرية الكنيسة واضعًا مصيره بين يدي قدرها المحتوم.
وهنا تحققت نبوءة شبنجلر وتكهنات أورويل عن مستقبل الجنس -أو القطيع- البشري، وأصبح مشكلة الإنسان العظمى في الحياة هي وجوده حيًا، فالكلمة التي قالها أوغسطين: أصبحت أنا نفسي مشكلة بالنسبة لنفسي، لم تعد خاصة بالفلاسفة بل باتت ترددها شفاه الفرد العادي من أجيال الضياع!
ويتساءل الأديب المعاصر:
هل لحياتنا معنى؟ ما هو؟ ما هو مكان الإنسان في العالم؟ هنا يظهر حالًا لماذا كانت الأغراض البلزاكية مطمئنة أنها تنتمي إلى عالم يكون الإنسان فيه سيدًا وهذه الأغراض كانت أموالا وأملاكًا لا هم إلا امتلاكها والاحتفاظ بها وكانت ثمة هوية ثابتة بين هذه الأغراض ومالكها، صورة بسيطة هي في الوقت ميزة ووضعية
[ ٤٧٩ ]
اجتماعية، كان الإنسان سبب كل شيء مفتاح الكون وسيده الطبيعي بالحق الإلهي، أما اليوم فلم يبق الكثير من كل هذا.
ومع ذلك فهو يتبجح قائلًا: "إننا لا نؤمن أبدًا بالمعاني الجامدة الجاهزة التي يقدمها النظام الإلهي القديم للإنسان وعلى أثره نظام القرن التاسع عشر العقلاني، ولكننا نضع كل أملنا في الإنسان، إن الأشكال التي خلقها هي التي تستطيع إعطاء العالم معنى" (١) وهذا هو دستور اللامعقول.
إن الأدب المعاصر يرفض الإيمان بالمعاني المحددة والقيم الثابتة المجردة تبعًا لعدم إيمانه بهدف كوني ثابت، إنه لا يريد أن يؤمن بذلك الهدف سواء في صورة القدر بالشكل الذي تقرره لاهوتيات الكنيسة، أو في صورة المثال كما تخيله أفلاطون وفلاسفة الاغريق، ففي نظر أدباء الضياع ينبغي ألا يكون هنالك إرادة تسير الحياة الإنسانية على خطة مرسومة إلى هدف مقصود، كما أنه ليس هناك نموذج سامٍ يفوق الإدراك تكون الحياة الحسية انعكاسه وصورته الموازية له.
والسبب الذي دفعهم لإنكار ذلك هو توهمهم أن الإيمان بشيء منه يتعارض مع ما زعموه حرية الإنسان من جهة، ومع ما يظهر في الكون من تناقض وتقلب تعجز عقولهم عن تفسيره من جهة أخرى.
ولم يظل هذا الاعتقاد فكرة مجردة، بل بني عليه الدستور العلمي للفن الذي ينص على أن الفن للفن، يقول يعضهم تحت عنوان: الالتزام الوحيد الممكن للكاتب هو الأدب:
ليس من الصواب الزعم أننا نخدم في رواياتنا قضية سياسية مهما كانت قضية تبدو لنا عادلة، وحتى لو كنا في حياتنا السياسية نحارب
_________________
(١) معجم الأدب المعاصر: (٦٢، ٦٣).
[ ٤٨٠ ]
في سبيل انتصارها، إن الحياة السياسية تضطرنا دون انقطاع إلى افتراض معاني (كذا) معروفة: معاني تاريخية، معاني أخلاقية، إن الفن أكثر تواضعًا أو أكثر طموحًا، ففى نظره ليس هناك من شيء، معروف مسبقًا، وقبل العمل لا يوجد شيء، لا يقين ولا قضية ولا رسالة، فالظن أن عند الروائي شيئًا يريد أن يقوله، وأنه يبحث بعد ذلك كيف يقوله يمثل أخطر عمل مناقض للحقيقة (١).
هذا الإحساس بالضياع وعدم الانتماء في عالم يعج بالمعضلات الحضارية والمآسي الإنسانية، جعل الرواية المعاصرة تتخذ بطلها من نوع آخر ملائم لاتجاهها، ويستطيع المرء أن يعد نوعية البطل مؤشرًا حقيقيًا لتحديد الانتماء الفني وتطوره، فالأدب الكلاسيكي كان بطله هو ما يدل عليه المعنى الأصلي لكلمة بطل، ثم حولت الرومانسية بطلها إلى العاشق أو الصوفي، أما بطل الرواية الواقعية فهو غالبًا الشهواني أو المادي، وفي أدب الضياع المعاصر نجد أن البطل هو الصعلوك أو المتشرد، أو هو -إجمالًا- ذلك الإنسان الذي مصيره الخيبة والدمار.