وإذا كان معنى لا إله إلا الله الكفر بالطاغوت والإيمان بالله: «فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لا انْفِصَامَ لَهَا» [البقرة:٢٥٦] وهو -أيضًا- نفي العبادة عما سوى الله تعالى كما قال كل نبي لقومه: «اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ» [الأعراف:٥٩] وإذا كانت هذه هي دعوة الرسل جميعًا: «وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ» [النحل:٣٦] فإن حقيقتها لا تتجلى إلا بمعرفة حقيقة هذين -الطاغوت والعبادة-.
١ - الطاغوت:
جاءت هذه الكلمة في القرآن والسنة كثيرًا، وخير تعريف لها ما ذكره الإمام ابن القيم ﵀: «الطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدون من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله» (١).
من هذا يتبين أن الطاغوت لفظ عام يشمل كل ما يضاد (لا إله إلا الله) سواء أكان شعارًا أم قانونًا أم نظامًا أم شخصًا أم رايةً أم حزبًا أم فكرةً إلخ، ولذلك ذكر الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ أن الطواغيت كثيرة، ثم حدد رءوسهم بخمسة:
الأول: الشيطان الداعي إلى عبادة غير الله، والدليل قوله تعالى: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ» [يس:٦٠].
الثاني: الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، والدليل قوله تعالى: «أَلَمْ
_________________
(١) إعلام الموقعين: (٥٢).
[ ٦٧٤ ]
تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا» [النساء:٦٠].
الثالث: الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى: «وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ» [المائدة:٤٤].
الرابع: الذي يدعي علم الغيب من دون الله
الخامس: الذي يعبد من دون الله، وهو راض بالعبادة (١).
وعلى هذا نستطيع القول بأن الشرك -ذنب البشرية الأكبر ومدار الصراع بين الأمم والرسل- هو عبادة الطاغوت مع الله أو من دونه في أمرين متلازمين: (الإرادة والقصد) و(الطاعة والاتباع).
أما شرك الإرادة والقصد فهو التوجه إلى غير الله تعالى بشيء من شعائر التعبد كالصلاة والقرابين والنذور والدعاء والاستغاثة تبعًا للسذاجة الجاهلية القائلة: «مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى» [الزمر:٣] وطاغوت هذا النوع هو الصنم أو الوثن أو الجني أو الطوطم إلخ.
وأما شرك الطاعة والاتباع فهو التمرد على شرع الله تعالى وعدم تحكيمه في شئون الحياة بعضها أو كلها، وهو مفرق الطريق بين الإسلام والجاهلية، كما أنه السمة المشتركة بين الجاهليات كلها على مدار التاريخ، وبه استحقت أن تسمى جاهلية مهما بلغ شأنها في الحضارة والمعرفة: «أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ» [المائدة:٥٠] «أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّه» [الشورى:٢١] وطاغوت هذا النوع هو الزعماء والكهان
_________________
(١) مجموعة التوحيد: (١٢).
[ ٦٧٥ ]
والكبراء والأنظمة والأوضاع والتقاليد والأعراف والقوانين والدساتير والأهواء إلخ.
والواقع أن كلا النوعين من الشرك مردهما إلى أصل واحد، وهو تحكيم غير الله والتلقي عنه، فإن مقتضى تحكيمه وحده ألا تتوجه البشرية إلى غيره بأي نوع من أنواع العبادة والقربات، وألا تتوجه وتسير في حياتها كلها إلا وفق ما شرع لها في كتبه وعلى لسان رسله، قال تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ» [يوسف:٤٠].
فرد الأمر كله إلى الله واتخاذه وحده حكمًا في كل شيء هو بعينه العبادة التي أمر الله ألا يصرف شيء منها لغيره، وهذا هو ذات الدين القيم الذي لا يرضى الله تعالى سواه، وإن جهله أكثر الناس على مدار التاريخ.
إذا تقرر هذا فكل ما يجابه هذه الحقيقة أو جزءًا منها، فهو طاغوت في أي صورة كان وفى أي عصر ظهر، ولا يكون الإنسان فردًا أو مجتمعًا شاهدًا ألاَّ إله إلا الله حقيقة إلا بالكفر بهذا الطاغوت والبراءة منه وأهله.
من أجل ذلك كان العربي الذي يقول هذه الكلمة على عهد الرسول ﷺ ينخلع عن الجاهلية انخلاعًا تامًا، وينسلخ من كل أعرافها وأوضاعها وقيمها وموازينها وإيحاءاتها، وينضم إلى موكب الإيمان وهو متجرد لله منقاد لأوامره بلا تردد أو استثناء.
٢ - العبادة:
العبادة: هي العلاقة بين هذا الكون بكل ما فيه من جمادات وأحياء، وبين الخالق ﷾ وهي الغاية من الوجود الإنساني،
[ ٦٧٦ ]
بل من وجود المخلوقين المكلفين إنسًا وجنًا: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» [الذاريات:٥٦].
والمختار من تعريفاتها ما قاله شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية ﵀، وهو أنها: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة».
وقد أثبت ﵀ في رسالة العبودية أن الدين كله داخل في العبادة مؤيدًا ذلك بالأدلة الشرعية واللغوية.
وقد سبقت الإشارة إلى أن ذلك هو منطوق قوله تعالى: «إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ» [يوسف:٤٠] وهو كذلك مفهوم قوله جل شأنه: «وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» [البينة:٥].
وزاد هذه الحقيقة إيضاحًا تلميذه ابن القيم -﵀- الذي أسهب في بيان قواعد العبادة ومراتبها واستغراقها للنشاط البشري كله فقال: «ورحى العبودية تدور على خمس عشرة قاعدة، من كملها كمل مراتب العبودية، وبيانها: إن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح، وعلى كل منها عبودية تخصه، والأحكام التي للعبودية خمسة: واجب، ومستحب وحرام ومكروه ومباح، وهي لكل واحد من القلب واللسان والجوارح» (١).
ثم فصل القول في الجوارح فقال: أما العبوديات الخمس على الجوارح، فعلى خمس وعشرين مرتبة أيضًا؛ إذ الحواس خمس وعلى كل حاسة خمس عبوديات، وذكر كل نوع مع الشرح والتمثيل.
ويوضح هذا بتوسع ما قاله الشهيد سيد قطب -﵀- عند
_________________
(١) مدارج السالكين: (١/ ١٠٩).
[ ٦٧٧ ]
الحديث عن قوله تعالى: «وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ» [الذاريات:٥٦] ومنه:
«إن مدلول العبادة لا بد أن يكون أوسع وأشمل من مجرد إقامة الشعائر، فالجن والإنس لا يقضون حياتهم في إقامة الشعائر، والله لا يكلفهم بهذا، وهو يكلفهم ألوانًا أخرى من النشاط تستغرق معظم حياتهم، وقد لا نعرف نحن ألوان النشاط التي يكلفها الجن، ولكننا نعرف حدود النشاط المطلوب من الإنسان، نعرفها من القرآن من قول الله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً» فهي الخلافة في الأرض -إذًا- عمل هذا الكائن الإنساني، وهي تقتضي ألوانًا من النشاط الحيوي في عمارة الأرض والتعرف إلى قواها وطاقاتها، وذخائرها ومكنوناتها وتحقق إرادة الله في استخدامها وتنميتها وترقية الحياة فيها، كما تقتضي الخلافة القيام على شريعة الله في الأرض لتحقيق المنهج الإلهي الذي تناسق مع الناموس الكوني العام.
ومن ثم يتجلى أن معنى العبادة التي هي غاية الوجود الإنساني أو التي هي وظيفة الإنسان الأولى أوسع وأشمل من مجرد الشعائر، وإن وظيفة الخلافة داخلة في مدلول العبادة قطعًا، وإن حقيقة العبادة تتمثل إذًا في أمرين رئيسيين:
الأول: هو استقرار معنى العبودية لله في النفس، أي: استقرار الشعور على أن هناك عبدًا وربًا، عبدًا يَعبد وربًا يُعبد، وأن ليس وراء ذلك شيء وأن ليس هناك إلا هذا الوضع وهذا الاعتبار، ليس في هذا الوجود إلا عابد ومعبود وإلا رب واحد والكل له عبيد.
والثانى: هو التوجه إلى الله بكل حركة في الضمير وبكل حركة في الجوارح وكل حركة في الحياة، التوجه بها إلى الله خالصة والتجرد من
[ ٦٧٨ ]
كل شعور آخر، ومن كل معنى غير معنى التعبد لله» (١).
وهذه المعاني دل عليها صريح القرآن كما في قوله تعالى: «قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ» [الأنعام:١٦٣].
ولذلك فإن نهي الله تعالى عن الإشراك به في عبادته وإخلاصها له وحده كما في قوله تعالى: «إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ» [الزمر:٢] وقوله تعالى: «قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ» [الزمر:٦٤] يتوجه إلى هذه المعاني بجملتها، كما سيأتي تفسيره في حديث عدي بن حاتم ﵁.
إن فطرة الإنسان وطبيعة تكوينه وافتقاره الذاتي لهي قاطعة الدلالة على أنه عبد، ولا يمكن أن يكون غير ذلك، وما عليه إلا أن يختار معبوده.
وقد أثبت شَيْخ الإِسْلامِ ابن تيمية في رسالة العبودية أن الإنسان على مفترق طريقين لا ثالث لهما، فإما أن يختار العبودية لله، وإما أن يرفض هذه العبودية فيقع لا محالة في عبودية لغير الله (٢).
وكل عبودية لغير الله كبرت أم صغرت هي في نهايتها عبادة للشيطان: «أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ» [يس:٦١] وهذا هو المؤدى الأخير مهما تنوعت الأساليب وتعددت السبل.
يشمل ذلك العرب الذين قال الله تعالى فيهم: «إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا» [النساء:١١٧] ويشمل كذلك كل عبادة لغير الله على مدار التاريخ.
_________________
(١) المجلد السابع (ج: (٢٧)، (ص:٢٨).
(٢) مقدمة رسالة العبودية: (٦).
[ ٦٧٩ ]
«لقد تغيرت ولا شك بعض مظاهر العبادة، فلم يعد هناك تلك الإناث التي كان العرب في شركهم يعبدونها، ولكن عبادة الشيطان ذاتها لم تتغير، وحلت محل الإناث القديمة أوثان أخرى، الدولة والزعيم والمذهب والحزب والعلم والتقدم والإنتاج والحضارة والتطور والمجتمع والوطن والقومية والإنسانية والعقلانية والمودة والجنس والحرية الشخصية.
عشرات من الإناث الجديدة غير تلك الإناث الساذجة البسيطة التي كان يعبدها العرب في الجاهلية تضفى عليها القداسات الزائفة، وتعبد من دون الله، ويطاع أمرها في مخالفة الله وفى تغيير خلق الله، ما تغيرت إلا مظاهر العبادة تطورت ولكن الجوهر لم يتغير؛ إنه عبادة الشيطان» (١).
على ضوء هذا الفهم الإجمالي لمعنى الطاغوت والعبادة، يتضح لنا المعنى الحقيقي لـ (لا إله إلا الله) الذي هو -كما سبق- الكفر بالطاغوت وإفراد الله تعالى بالعبادة.