١ - الوجودية:
ليست الوجودية - كما حددها سارتر في الوجودية مذهب إنساني (٣) سوى صورة من صور الضياع، وحتى إن صدقنا زعمها أنها ثورة الإنسانية ضد كل ما هو لا إنساني فهي ليست إلا ثورة سلبية يائسة، لم تستطع أن تشخص الداء فضلًا عن تقديم الدواء، وكل ما تستطيع أن تقول بصدق إنها قدمته للإنسانية هو عرض وإبراز
_________________
(١) المصدر السابق: (١٩١).
(٢) المصدر السابق: (٦٥).
(٣) ترجمه إلى العربية: يوسف كمال الحاج.
[ ٤٨٦ ]
بعض جوانب المأساة البشرية، تلك المأساة التي تعبر عنها جملة واحدة (البحث عن الإله) فهي ترفض الإيمان بالله كما تصوره الأديان ولكنها لا تجد البديل، والإنسان الذي تحاول تأليهه محصور مقهور أمام القدر الكوني وأمام سيطرة الآلة وأمام وضعه التاريخي المحدد، وحول إيجاد مخرج من هذا التناقض تأتي الفلسفات الوجودية بشعارات شتى، كالحرية عند سارتر والعبث عند البير كامو.
وما دامت الوجودية أولًا وأخيرًا تعبيرًا عن الضياع والإفلاس، فلنأخذ أحد أبطال البير كامو نموذجًا للإنسان الوجودي المتمثل في كامو نفسه: "إننى لأفكر أحيانًا بما سيقوله عنا مؤرخو المستقبل، فعبارة واحدة تكفي لوصف الإنسان الحديث، كان يجامع ويقرأ الصحف، وبعد هذا التعريف لن يكون ثمة مجال لمزيد من البحث" (١)، "كان وجودي يتألف من الجسد بصورة خاصة، وهذا يفسر توافقي الداخلي وتلك السهولة في تصرفاتي التي كان الناس يشعرون بها "
كن واثقًا من أنني أتصرف بسهولة في كل شيء ولكنني في الوقت نفسه لم أكن لأقنع بشيء، كانت كل غبطة تجعلني أشتهي أخرى، وقد تنقلت من بهجة إلى بهجة، وكنت في بعض المناسبات أرقص ليالي كاملة ويزيد جنوني أكثر فأكثر بالناس والحياة، وفي بعض الأحيان حين يتأخر الوقت على تلك الليالي وحين يملؤني الرقص والنشوة الخفيفة وحماستي الوحشية وانطلاق الجميع بعنف بنشوة ذاهلة تعني، كان يلوح لي في اللحظة التي أكون فيها منهوكًا وبسرعة البرق، أنني كنت أفهم سر المخلوقات والعالم، ولكن التعب كان يختفي في
_________________
(١) السقطة: (٩ - ١٠).
[ ٤٨٧ ]
اليوم التالي ويختفى معه السر وأعود إلى الاندفاع من جديد (١).
والمرء حين يكون صاحيًا مزودًا بالقليل من المعرفة الذاتية، غير قادر على العثور على سبب واحد لإسباغ الخلود على هذا القرد الشهواني (يعني: نفسه) عليه أن يبحث عن بديل لذلك الخلود، ولأنني كنت أحن إلى الحياة الأبدية، كنت أذهب إلى الفراش مع البغايا وأشرب الخمر ليالي بكاملها (٢).
آه يا عزيزي، إن عبء الأيام مخيف بالنسبة لمن هو وحيد بدون إله، بدون سيد، ولهذا يجب على المرء أن يختار سيدًا، إلهًا بدون مميزاته المألوفة، ثم إن تلك الكلمة قد فقدت معناها ولم تعد تستحق أن يجازف المرء بصدم أحد بها (٣).
٢ - الرمزية:
مدرسة ظهرت أصلا في القرن التاسع عشر رد فعل للنزعة الميكانيكية التي ادعت الإحاطة بفهم الكون وتفسيره عن طريق العقل والعلم، وأنكرت كل ما يندرج تحت سلطة المنطق وإدراك الحواس، إذ اعتقد الرمزيون أن تلك النزعة قاصرة عن تفسير الواقع فضلًا عن العوالم المجهولة في الكون والنفس، وحملهم ذلك إلى الشعور بأن وراء الإمكان الإيجابي سرًا لم يكشف ومجهولًا لم يستكنه، وإلى جانب هذه النزعة إلى المجهول أدلى علم السكيولوجيا بأن في الإنسان حالتين: واعية ويدركها العقل والإيجاب، وغير واعية قصر العقل عنها، وقد تكون هذه الزاوية في الإنسان هي الحقيقة، وقد يكون الواقع
_________________
(١) المصدر السابق: (٢٦ - ٢٧).
(٢) المصدر السابق: (٨٥).
(٣) نفس المصدر السابق: (١٠٨ - ١٠٩).
[ ٤٨٨ ]
الموضوعي سرابًا (١) على هذا الأساس قام الأدب الرمزى محاولًا تطويع اللغة. والأحداث للتعبير عن الحقائق المجهولة التي تلح الفطرة عليها بينما هي -في نظرهم- ستظل مجهولة إلى الأبد ولا وسيلة قط إلى تقريبها إلا هذا الأسلوب، ومن أشهر زعمائها بودلير ورامبو.
٣ - السريالية:
مدرسة حديثة تهتم أكثر بالشعر والرسم، تبتدئ من الخط الذي تبتدئ منه الوجودية، ولكنها تفترق عنها في الإيغال في اللامعقول والإعراض عن الخوض في حقائق التاريخ والمشادات الفكرية والبحث المنطقي فيما يفوق الإدراك إلى الخوض في أعماق المجهول بلا موضوعية.
والأصل في هذه الحركة هو نظرية فرويد عن العقل الباطن، فالسريالية تريد أن تجعل من العقل الباطن الحقيقة النفسية بالذات، وتحول الفن إلى كتابة آلية لإيضاحه.
ولم يكن مطمعها الأول أن تؤسس نزعة إنسانية جديدة، أي: أن تعطي العالم تلاحمًا (إتجاهًا)، لقد كانت على العكس تعارض كل تلاحم بحالة سخط لتغيير الحياة وبلوغ ما فوق الواقع الذي يلغي التناقضات التي مزقت الإنسان: واعٍ ولا واعٍ، أنا وعالم، طبيعي وما فوق الطبيعي (كذا).
أشهر شعرائها بريتون وأراغوان، وقد حدد بريتون الطريق الوحيد للبحث عن المطلق بأنه: إملاء الفكرة في غياب كل رقابة يمارسها العقل (٢).
_________________
(١) الرمزية والأدب العربى، أنطون غطاس: (١٧).
(٢) انظر معجم الأدب المعاصر: (٣٠، ٧٦).
[ ٤٨٩ ]
٤ - أدب التفسخ:
نوع من أدب الضياع يميل إلى التشاؤم والابتذال، ويتميز بأن أبطاله هم نوع من الكائنات التي فقدت الثقة بنفسها وبمستقبلها، والتي لا تؤمن أبدًا بإمكان قيامها اليوم بحياة إنسانية.
وقد جعل روائيوه عملهم في الوسوسة الفيزيولوجية واستغلال بؤس البهيمة البشرية، كأنهم جعلوا شعارهم شعار أبطال ريمون: غير أن ليست الخليقة شيئًا إلا بالأحشاء التي تقودها، كأنه لا يوجد على الأرض شيء يرتاد أجمل من أمعاء إنسانية كلها حيوانية ومن بالوعات المدن الكبرى!! (١)
٥ - أدب المستحيل:
اتجاه حديث ظهر بعد الحرب العالمية الثانية متأثرًا بفظائعها، ترتكز فلسفته على الإلحاد القانط واعتقاد أن الإنسان هو ميت مؤجل بحيث لا يهتم أحد بإنقاذه.
يقول معجم الأدب المعاصر:
والمستحيل وأساطيره لم تسيطر عبثًا منذ عشرين سنة (أي:١٩٤٥) على أدب قد نما تحت لواء الدعوى فإذا كان كتاب كامو هو الكتاب المفتاح لعام ١٩٤٧ فلأنه كان يحمل آنذاك، تلك الفكرة القائلة: أن كل مجتمع في هذه الأيام يحمل جحيمه في نفسه، وأن كل مدينة يمكن أن تموت بالطاعون، إن أجيال ما بعد الحرب لا تزال تبدو تحت ضرب عاقبة جرح السنوات الأربعين، ما فائدة الصراع والصلاة والتأمل والإيمان؟! فالعالم الذي تتعذب فيه الناس ويموتون هو نفسه العالم الذي يتعذب فيه النمال وتموت، عالم طاغ وغير مفهوم.
عشرون سنة ودخان هيروشيما يعلمنا أن العالم ليس جديًا
_________________
(١) المصدر السابق: (٤٣).
[ ٤٩٠ ]
ولا دائم البقاء - إن ملاحظة روجيه نيميه هذه قد أبداها جيل بكامله جيل أبناء المستحيل (١).
٦ - الأدب العدمي:
نوع آخر أكثر تشاؤمًا وقنوطًا، إنتاجه هو عبارة عن ذلك العمل المؤلم الذي يصرخ بصوت عال في كل صرخة من صرخاته المبتورة إن الإنسان قد مات، وحيث ما من شيء ولا شخص ولا لغة على الخصوص تستطيع إغاثة ذرة الوجود تلك التي انكمشت في استحالتها الأساسية، وتعلن أنها تنتمى إلى العدم وأنها ستعود إليه وإلى الأبد، وأنها لا تتخيل نهاية أخرى سوى نهاية القذارة التي تنتظر صيد الماء؟ (٢)
٧ - أدب الهروب والحلم:
صورة أخرى من صور الضياع يقول عنها المصدر السابق:
إنه أدب لا يرفض أخلاق وغيبية أبائنا فقط، ولكنه يرفض الحقيقة النفسية وواقعية ملاحظته، يرفض فهم الأجهزة الآلية للروح؛ لأنه ليس هناك إيمان بعمل النفس يراد التقاط الحياة في منبعها والجثوم مباشرة على الزخم الحيوي وإمساك جذور الوجود المعقدة، إنها صوفية بدون إله.
أشهر رواده بلانشو وباتاي والأخير: كان يحلم بشعر ينكر الطبيعة وبمطلق يستغني عن القيم (٣).
هذا وهناك مدارس واتجاهات أخرى كالتكعيبية والمستقبلية إلخ، لا تختلف في جوهرها عما سلف.
_________________
(١) بيار بواديفر: انظر (٤٨ - ٥٠).
(٢) المصدر السابق: (٤٦).
(٣) (ص:٥١).
[ ٤٩١ ]