طوال قرون عديدة كانت الشريعة الإسلامية ممثلة في المذهب المالكي هي المرجع الوحيد للمعاملات التجارية والمالية في المغرب القائمة على أصلين هامين: جواز البيع وحرمة الربا.
ولم يدخل الربا في صورة منظمة ومؤسسة إلا لما سقط المغرب فريسة للتدخلات الأجنبية، في عهد السلطان عبد العزيز، وتحديدا عقب مؤتمر الجزيرة الخضراء.
وقد جاء في رسالة عبد الحكيم التونسي للتعريف بحقيقة التدخلات التي تطرحها بعض الدول على مؤتمر الجزيرة الخضراء، مع الإشارة للردود المغربية البديلة، جاء فيها: أما البنك المالي فإني لم أر في تيسره وجها أبدا، وكيفما كانت صورته فهي مضرة غاية، ومخالفة للشرع المحمدي، ومن كان على غير شرع فلا خير فيه (١).
_________________
(١) مظاهر يقظة المغرب (٢/ ٣٢٣). وفيه: فإني لم نر. ولعل الصواب ما ذكرت.
[ ٨٩ ]
ولما تولى السلطان عبد العزيز كان طفلا عمره لا يتجاوز ١١ سنة فوقع ألعوبة في يد الوزير أحمد بن موسى (المعروف بـ «باحماد») (١) أولا، ثم-وهو الأخطر- في يد الأطماع الخارجية ثانيا.
ولهذا فالبنك المخزني الربوي المغربي تكوَّن بموجب البند الثالث من معاهدة مؤتمر الجزيرة الخضراء سنة ١٩٠٦. وأسند إدارته لبنك باريس (٢). ليفقد المغرب بذلك استقلاله المالي والاقتصادي، وجزءا من سيادته لأنه أصبح أمام نوع من الحماية الدولية كما قال ألبير عياش (٣).
وهو بنك دولي مركب من ١٣ نائبا يمثلون الدول الحاضرة للمؤتمر، ورأس ماله ١٥ مليون فرنك موزعة على ٣٠ ألف سهم (٤).
وكان عبد العزيز وعد بإسناد مهمة تأسيس بنك مخزني للكونسورسيوم، وهي مجموع بنوك فرنسية، وهي التي أقرضته قرض ١٩٠٤ (٥).
_________________
(١) الذي اختار عبد العزيز للحكم هو باحماد نفسه بالاتفاق مع أم السلطان لاله رقية، ليتسنى له الاستحواذ بالسلطة والتحكم في السلطان الطفل. المخزن والضريبة والاستعمار (١٠٤ - ١١١ - ١١٩). لما توفي الوزير باحماد سنة ١٩٠٠ كان عمر السلطان عبد العزيز ٢٢ سنة، سقط العامل الشاب ذو النية الطيبة تحت إمرة المستشارين الأجانب، الذين دفعوه إلى تبذير احتياطات خزينته الوفيرة، فقد كان يشتري الأشياء الأكثر غرابة، مثل الفونوغرافات والسيارات وآلات التصوير، وكان يركب الدراجة ويلعب التنس، ويشعل الألعاب النارية. المغرب والاستعمار (٧٠) بتصرف.
(٢) المغرب والاستعمار (٨٠ - ٨١ - ١٢٣).
(٣) المغرب والاستعمار (٨٠ - ٨١).
(٤) البيان المطرب (٨١).
(٥) المغرب والاستعمار (٧٨).
[ ٩٠ ]
هذه المجموعة البنكية كان -كما قال ألبير عياش- عهد إليها بمهمة تنمية وتنظيم السيطرة على المغرب (١).
في ١١ يناير ١٩٠٥ أرسل دلكاسي وزير الخارجية إلى فاس ووزير فرنسا بطنجة سان روني دي تايلاندي بهدف فرض مخطط للإصلاحات متعلق بتنظيم قوات الأمن بالمراسي وبإنشاء بنك مخزني من طرف كونسورسيوم (البنوك الفرنسية) (٢).
وبالفعل أنشأ البنك المخزني في ٢٧ فبراير ١٩٠٧ (٣).
فأصدر عبد العزيز ظهيرا مؤرخا بـ ١٢ حجة الحرام عام ١٣٢٤ بتأسيس أول بنك بالمغرب، وفيه: فلا يخفى أن جملة ما تضمنه وِفْق المؤتمر الدولي: تأسيس بنك بالمغرب يسمى بالبنك المخزني مؤلفا رأس ماله من بانكات (٤) الدول الذين حضر أعضاؤهم لجمع المؤتمر المذكور (٥).
إذن فتأسيس بنك المغرب الربوي لم يكن خيارا وطنيا أملته ظروف اقتصادية معينة، بل هو استجابة لضغوط خارجية، أو بعبارة أوضح هو تنفيذ لإملاءات استعمارية محضة.
_________________
(١) نفس المرجع (٩١).
(٢) المغرب والاستعمار (٧٩).
(٣) المغرب والاستعمار (١٢١).
(٤) أي: بنوك.
(٥) الإتحاف لابن زيدان (١/ ٥١٤).
[ ٩١ ]
وهذا البنك لازال إلى الآن يتربع على عرش مالية المغرب، وهو المشهور ببنك المغرب الذي يتوسط مدينة الرباط إلى اليوم.
وقد أنشئت مديرية المالية ابتداء من شهر يوليوز ١٩١٢، أي بعد ثلاثة أشهر من توقيع معاهدة الحماية، وتنظمت بصفة نهائية سنة ١٩٢٠ بظهير ١٤ يونيو. وطبقت فيها المبادئ الأساسية للمحاسبات العمومية الفرنسية كما قال ألبير عياش (١).
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم!
هذه السياسة العزيزية المستجيبة للإملاءات الخارجية جرت عليه متاعب كبيرة مع علماء وأعيان المغرب، وخاصة مراكش وفاس، حيث كانت سياسته الربوية أحد أهم أسباب خلعه وتعيين عبد الحفيظ مكانه.
وفيما يلي النص الأصلي لعرائض علماء وأعيان وشرفاء فاس ضد سياسات السلطان عبد العزيز المرفوع لعلماء فاس، وفيه ذكر أسباب هذه العريضة (٢)، منها:
- إسقاط الأحكام الشرعية كإبدال الزكاة بالترتيب.
- وإحداث البنك المؤدي إلى إدخال الربا في سائر المعاملات.
_________________
(١) المغرب والاستعمار (١٠٣).
(٢) مظاهر يقظة المغرب (٢/ ٣٤١).
[ ٩٢ ]
فأجاب علماء فاس حول النازلة المذكورة بوجوب عزل السلطان عبد العزيز للأسباب المذكورة، وعللوا ذلك بقولهم: لكون إمامته لم تجر على القواعد الشرعية، بل ولا على الضوابط المرعية. وهذه صورة النص الأصلي للفتوى (١):
_________________
(١) نفس المرجع (٢/ ٣٣٩).
[ ٩٨ ]
ولما تقدم علماء القرويين وغيرهم للسلطان عبد العزيز بمطالبهم، كان من بينها: إلغاء بنك الدولة (١).
وفي عهد السلطان المولى الحسن الأول طلب مدير البنك الفرنسي بطنجة إصدار أوراق، كل ورقة تتضمن عددا من الدراهم بحيث من سافر من الناس إلى بلد آخر يصحب معه تلك الورقة فيدفعها إلى نائب عن البنك ويدفع له الدراهم أجاب السلطان المولى الحسن الأول بتاريخ ٥ ربيع الأول ١٣١٠ بأن المخزن استفتى العلماء فيه فأجابوا بأنه حرام في شرع ديننا (٢).
وللفقيه القاضي محمد العبادي محاضرة في موضوع الربا ألقاها بمدينة وجدة سنة ١٩٢٧ طبعت بالمطبعة الرسمية للحماية سنة ١٩٣٤.
ومما جاء في مقدمتها: أيها السادات، فإن لكل غرض سببا وباعثا، والذي أوقفني في موقفي هذا وحملني على إلقاء هذه المحاضرة على مسامعكم الزكية هو المنشور الوزيري العدلي الصادر في هذه الأيام القريبة لجميع قضاة الإيالة الشريفة، بالحض لهم ولعدولهم أن يتنبهوا لما هو واقع من المعاملات الربوية، التي جاءت الشريعة المطهرة بالنهي عنها وتحريمها تحريما مطلقا. لما يلحق الناس المحتاجين من الأضرار الفادحة في ماليتهم بسبب تعاطي المعاملات الربوية عند الاضطرار إلى الدراهم.
وحيث كنت من جملة أولائك القضاة المكلفين بالتمشي على مقتضيات ذلك المنشور المنيف. وكانت هذه المسألة من المسائل الاجتماعية التي تهم كثيرا
_________________
(١) التاريخ السياسي للمغرب (٦/ ٢٠٦).
(٢) الإتحاف لابن زيدان (٢/ ٣٨٥).
[ ٩٩ ]
من الناس إن لم نقل جميعهم. رأيت أن أبسطها لكم بإنشاء هذه المحاضرة، وإلقائها على مسامعكم لتكونوا على بصيرة تامة منها، وتحترزوا من الوقوع في شبكات المرابين الذين يعاملون من احتاج إليهم معاملة قاسية باستخلاصهم منهم أرباحا فاحشة فادحة، ولا يرقبون فيهم إلا ولا ذمة، ولا تتحرك فيهم عاطفة من عواطف الإنسانية.
وزاد: وأما المنشور الوزيري فقد جاء فيه ما ملخصه: إنه من المعلوم عند كل أحد ما يلحق أهل البادية والمدن بالإيالة الشريفة من الأضرار الفادحة والمصائب المتنوعة بسبب تعاطي البيوع الفاسدة والمعاملات الربوية، التي جاء الشرع المطهر بالنهي عنها وتحريمها تحريما مطلقا، وأنه لأجل ذلك أصدر جلالة مولانا السلطان -أبد الله مجده ووفق معاضده- ظهيرا شريفا نشر بالجريدة الرسمية عدد ٧٢٦عام ١٣٤٥موافق سنة ١٩٢٦ بمنع تلك المعاملات الربوية ومقاومتها بغاية ما يكون من الشدة. وأنه بناء على ذلك فإن سعادة وزير العدلية يلفت نظر القضاة إلى هذه المسألة المهمة بأن يصادروها حتى تنقطع مادتها ويرتفع ضررها على الخاص والعام. ثم بين رعاه الله للقضاة كيف يكون سلوكهم إزاء هذه المسألة، وأنه إذا حضر لدى العدول متعاقدان بقصد إقامة رسم معاملة بسلعة أو بيع وإقالة أو بيع سلم أو رهن، فإنه يتعين على القاضي مع العدول أن ينظروا بكل تدبر وإمعان في تلك المعاملة وما اشتملت عليه واحتفت به من القرائن والظروف، فإن كانت لا ريبة فيها شرعا أذن بتحرير عقدها. وإن عثر على شائبة قرض ربوي أو استرابة تدل على ذلك، امتنع القاضي امتناعا كليا من إعطاء الإذن في ذلك. وكذلك العدول يتعين عليهم أن لا يقدموا على كتب أو تلقي هذه الشهادات التي تظهر عليها مخايل الربا. وكذلك إذا كتب الرسم
[ ١٠٠ ]
وقبل أداء القاضي عليه تنبه لما في تلك المعاملة من الربا، فإنه يجب عليه أن يمتنع من الخطاب عليه ويلغيه كلية مع بيان المانع له من قبوله. وإنه إذا طلب أحد إقامة رسم سَلَم، فإنه يجب على العدول أن ينصوا بكل صراحة لا إبهام معها أنه إذا لم تكن صابة في تلك السنة فإن المسلِّم -كسرا- يكون مخيرا في أخذ رأس ماله ناضا لا زيادة عليه، أو التأخير إلى العام القابل.