يهدف الاقتصاد الإسلامي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية، بتوزيع الثروة توزيعا عادلا. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَاسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.
ويقوم على مقومات وخصائص أهمها:
١ - تسخير ما في السماوات وما في الأرض للناس على السواء.
٢ - حرية الكسب والتحصيل بطرق شرعية.
٣ - مراعاة المصلحة الفردية.
_________________
(١) التاريخ السياسي (١٢/ ٣٤٠).
(٢) التاريخ السياسي (١٢/ ٤٥ - ٢٣٨ - ٣٧٦) - (٨/ ٣٨٥) - (١٠/ ٣٧٩). وقد استغله أحمد رضا أكديرة ضده فنشر في جريدة المنارات عدد ١٢ بتاريخ ١/ ١٢/١٩٦٢ ذلك تحت عنوان: الضال عن الصراط المستقيم.
[ ١٧٣ ]
٤ - مراعاة مصلحة الجماعة، التي هي مقدمة على مصلحة الفرد في حدود العدل والإنصاف.
٥ - محاربة الفوائد الربوية بشتى طرقها (١).
لا يُغَلب المصلحة الفردية كما هو الحال بالنسبة للمذهب الرأسمالي، ولا يغلب المصلحة العامة على الفردية كما هو الحال في المذهب الاشتراكي. بل هو وسط بينهما.
وتطبيق الشريعة في الميدان الاقتصادي يعني إقامة اقتصاد قوي يلبي الحاجيات الوطنية ويحقق الاكتفاء الذاتي، ويقضي على التبعية الخارجية.
ويجب ضبط كل المعاملات الاقتصادية بأحكام الشريعة. والحرص على منع كل المعاملات الاقتصادية غير الشرعية كتجارة الخمور والربا والخنزير والميسر.
قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ المائدة٩٠.
وقال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ البقرة١٧٣.
فكل المعاملات التي حرمتها الشريعة يجب الحرص على إبعادها عن المعاملات الاقتصادية. وفي الحلال غنية عن الحرام.
_________________
(١) خصائص ومقومات الاقتصاد الإسلامي (ص: ٢٠٤).
[ ١٧٤ ]
قال ابن كنانة: لا ينبغي أن يباع العنب أو العصير ممن يتخذه خمرًا، لا من نصراني ولا من مسلم، ولا يباع السلاح ممن يقاتل به المسلمين، ولا تباع الأرض ممن يبني فيها كنيسة، ولا تباع الخشبة ممن يتخذ منها صنما. قال: وأكره أن يكون الإنسان عونا على الإثم، قال الله ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾. انتهى مصححا من البيان والتحصيل (١٨/ ٦١٣).
تقوم الاقتصادات العلمانية على تحييد المفاهيم الدينية وعزلها عن الاقتصاد، ولا تعترف بمفهوم الحلال والحرام الإسلامي. فكل ما حقق الربح فهو حلال في المذهب العلماني.
أما الشريعة الإسلامية فترى أن ما حرمه الله من الأعيان يحرم تداولها بيعا وشراء وغير ذلك. فلا يجوز شرعا للمسلم السماح ببيع الخمور في بلاد المسلمين. ويمنع على الدولة الترخيص لكل مؤسسة اقتصادية أو غيرها ببيع الخمور.
ويجب عليها منع الميسر والقمار في أشكاله المختلفة مثل: اللوطو، والكينو، والجوكر، وتوتوفوت، وغيرها المنتشرة في بلادنا.
قال ابن بطال المالكي في شرح صحيح البخاري (٩/ ٧٣): ولم يختلف العلماء أن القمار محرم، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ﴾ الآية، واتفق أهل التأويل أن الميسر هاهنا القمار كله.
وقال ابن عبد البر في التمهيد (١٣/ ١٨٠): ولم يختلف العلماء أن القمار من الميسر المحرم.
[ ١٧٥ ]
وقال في الاستذكار (٩/ ٤٢١): وأما القمار فلا يجوز عند أحد منهم في شيء من الأشياء وأكل المال به باطل على كل حال قال الله ﷿: ﴿وَلاَ تَاكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء ٢٩].
ويجب منع الربا ومنع كل المؤسسات الربوية كالبنوك التي تتعامل بالربا من العمل في البلاد الإسلامية.
ويجب أن تحل محلها بنوك إسلامية تعتمد مبدأ المضاربة والسَّلَم وغيرها من أحكام الشريعة. وقد أثبتت هذه البنوك نجاعتها وقوتها وقدرتها على مواجهة التحديات. بل اعترفت كثير من دول الغرب بها، وحاولت الاستفادة من تجربتها وخصوصا بعد الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية. ومن العجب أن تجد بنوكا إسلامية في الدول الغربية، وتمنع في بلاد المسلمين!!!.
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَاكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة٢٧٥].
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾ [البقرة٢٧٨].
قال العقباني في تحفة الناظر (٤٦٥): وهذه الوجوه من الربا وفساد المعاوضة كثيرة جدا، فيجب على الحكام البحث عنها والاجتهاد على قدر الطاقة والاشتداد، وأن يقدموا في الأسواق التي يكثر ذلك فيها أمناء ثقات علماء، ليردعوا عن مواقعته من يتعاطاه من أهل الشر والفساد، ويعلموا جهلة الناس
[ ١٧٦ ]
بقوة وعزيمة وجلاد، وعلى فاعل الربا العقوبة الموجعة إن لم يعذر بجهل، والله المؤيد للنصرة على الحق، وإذعان الكافة له من الخلق. انتهى.
وللاقتصاد الإسلامي آلياته ومقوماته الخاصة البعيدة عن الربا والغش والجهالة، تراجع في مظانه.
ويقوم الاقتصاد الإسلامي على مداخل هامة تغني عن الضرائب، منها: الزكاة العامة وزكاة الفطر والصدقات.
فمن واجب الحاكم جمع الزكاة الشرعية وتفريقها على مستحقيها الذين دلت عليهم الشريعة.
وهي أحد أركان الإسلام الهامة، التي أوجب المالكية على الحاكم المسلم جمعها وتفريقها على مستحقيها، قال مالك: الأمر عندنا أن كل من منع فريضة من فرائض الله ﷿ فلم يستطع المسلمون أخذها كان حقا عليهم جهاده حتى يأخذوها منه. قال ابن عبد البر في الاستذكار (٣/ ٢١٦) معلقا: لا خلاف بين العلماء أن للإمام المطالبة بالزكاة، وأن من أقر بوجوبها عليه أو قامت عليه بها بينة كان للإمام أخذها منه. وعلى هذا يجب على من امتنع من أدائها ونصب الحرب دونها أن يقاتل مع الإمام، فإن أتى القتال على نفسه فدمه هدر ويؤخذ منه ماله.
إلى أن قال: وأما من منعها جاحدا لها فهي ردة بإجماع.
وفي المدونة الكبرى (١/ ٣٣٤): باب أخذ الإمام الزكاة من المانع زكاته.
وفي المنتقى شرح الموطأ للباجي (٢/ ٨٠) أن الإمام هو المسؤول عن جمع الزكاة.
[ ١٧٧ ]
وفي الثمر الداني (١/ ٣٢٢) وكفاية الطالب الرباني (١/ ٥٩٤) أن دليل فرضيتها الكتاب والسنة والإجماع من جحد وجوبها فهو كافر ومن أقر بوجوبها وامتنع من أدائها ضرب، وأخذت منه كرها وتجزئه ولا يكفر. وعن ابن حبيب يكفر واستبعد.
وليست الزكاة إحسانا تفضليا تطوعيا من الغني للفقير، بل هي فريضة إسلامية لازمة وركن من أركان الإسلام، ونظام اقتصادي تشرف عليه الدولة ويُلزم به الحاكم، ووضع له القرآن والسنة آلياته وضوابطه وحدد الأصناف المستهدفين منه وبيّن مقاديره، بل جعل له جهازا خاصا سماه: العاملين عليها. أي: الجباة الذين يجمعونها ويوزعونها. وجعل لهم القرآن أجرهم من الزكاة ليضمن استقلاليته واستمراريته. بل نص الشرع على إجبارية دفعها وأن من امتنع عن أدائها من الطوائف والجماعات يقاتل عليها، كما فعل أبو بكر مع الممتنعين عن أدائها وسماهم أهل الردة.
وأجمع الصحابة على قتال مانعي الزكاة كما قاتلوا أهل الردة وسماهم بعضهم أهل ردة على الاتساع لأنهم ارتدوا عن أداء الزكاة ومعلوم مشهور عنهم أنهم قالوا: ما تركنا ديننا ولكن شححنا على أموالنا فكما جاز قتالهم عند جميع الصحابة على منعهم الزكاة، وكان ذلك عندهم في معنى قوله ﵇ إلا بحقها. كما قال ابن عبد البر في التمهيد (٢١/ ٢٨٢).
وقد ذكر محمد بن إبراهيم السباعي المراكشي ت١٣٣٢/ ١٩١٤ في الكتاب الذي أيد فيه خلع أهل مراكش المولى عبد العزيز وتعيين المولى عبد
[ ١٧٨ ]
الحفيظ مكانه أن من أسباب الخلع تركه جمع الزكاة وعدم حمل المسلمين على جمعها، ومما قال (٤أ) (١):
وقد حملوا المسلمين على تركها وتماديهم السنين المتتابعة على ذلك من غير أوبة ولا توبة يدل على اعتقادهم أن لا حرج في ذلك، وهو من معنى إنكار وجوبها والاتفاق على أن من أنكر ما علم من الدين بالضرورة كافر، كيف وهم متهاونون فيها وحملوا الناس على () (٢).
وقد جرى عمل كثير من حكام المغرب على منع الضرائب وجمع الزكاة الشرعية.
فأبطل المرابطون المكوس وهي ضرائب كانت على الناس وأخذوا الزكاة (٣).
وقد أسقط السلطان العلوي المولى سليمان المكوس أي: الضرائب على السلع واكتفى بالزكوات: قال العباس بن إبراهيم في الإعلام (١٠/ ١١١) بعد أن ذكر أن أموال المكوس كانت تغطي أغلب مصاريف الدولة: فزهد فيه هذا السلطان العادل، فعوضه الله أكثر منه من الحلال المحض الذي هو الزكوات والأعشار من القبائل، وزكوات أموال التجار والعشر المأخوذ من تجار النصارى وأهل الذمة بالمراسي.
_________________
(١) رسالة في أسباب خلع المولى عبد العزيز وتعيين المولى عبد الحفيظ مكانه. الخزانة العامة ٣٩٣٧د. وانظر المصادر العربية لتاريخ المغرب (٢/ ١٥٦).
(٢) كلمة غير واضحة في الأصل.
(٣) الحلل البهية (٢/ ٢٢٩).
[ ١٧٩ ]
وكذا لما تغلب المرابطون على الحكم أمر عبد الله بن ياسين عماله بإقامة العدل وإظهار السنة وأخذ الزكوات والأعشار وإسقاط ما سوى ذلك من المغارم المحدثة. الإعلام (١/ ١٩٦).
وغيَّر ما وجد من المنكرات وقطع المزامير وآلة اللهو وأحرق الدور التي كانت تباع بها الخمور وأزال المكوس وأسقط المغارم المخزنية ومحا ما أوجب الكتاب والسنة محوه. الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى (٢/ ١٣).
وقد تقدم من هذا أشياء كثيرة عند حديثنا عن مسألة الزكاة وإبدالها بالضريبة. ولو ضربنا مثلا بالإنتاج المغربي من الأصناف التالية وجمعنا مقدار الزكاة لكانت الحصيلة مذهلة:
النوع الإنتاج الزكاة الشرعية ثمن الطن المبلغ
الحبوب ١٠٤مليون قنطار ٨ مليون قنطار ٢٥٠٠ درهم ٢ مليار درهم
العنب ٢٣٠ ألف طن ١١ ألف طن ١٥٠٠ درهم ١٦ مليون درهم
البطاطس ١٥٣٦٥٦٠ طن ٧٦ ألف طن ١٥٠٠درهم ١١٤ مليون درهم
الطماطم ١٣١٢٣١٠ طن ٦٥ ألف طن ١٥٠٠درهم ٩٧ مليون درهم
الفول ١٨٢١٨٠ طن ١٨ ألف طن ١٥٠٠درهم ٢٧ مليون درهم
البصل ٦٦٢١٤٠ طن ٣٣ ألف طن ١٠٠٠درهم ٣٣ مليون درهم
التفاح ٤٠٤٣١٠ طن ٢٠ ألف طن ٣٠٠٠ درهم ٦٠ مليون درهم
البرتقال ٧٨٠٠٠٠ طن ٣٩ ألف طن ٢٠٠٠ درهم ٧٨ مليون درهم
اللوز ٨٦٩٠٢ طن ٤ آلاف طن ٣٥٠٠٠ درهم ١٤٠ مليون درهم
التمر ٩٠٠٠٠ طن ٦٥٠٠ ٥٠٠٠ درهم ٣٢ مليون درهم
الزيتون ١.٥ مليون طن ١١٢٥٠٠ طن ٢٠٠٠ ٢٢٥ مليون درهم
المجموع ٢٨٢٢ مليون درهم
[ ١٨٠ ]
زكاة الماشية:
النوع الإنتاج الزكاة الشرعية ثمن الواحد المبلغ
البقر ٢٧٨٩٠٠٠ ٩٣٩٦٩جذعة ٥٠٠ درهم ٤٦ مليون درهم
الغنم ١٧٠٩٣٠٠٠ ٤٢٧٣٢٥شاة ١٠٠٠ درهم ٤٢٧ مليون درهم
الماعز ٥٢٨٣٠٠٠ ١٣٢٠٧٥ ٥٠٠ درهم ٦٦ مليون درهم
المجموع ٥٣٩ مليون درهم
زكاة المعادن:
النوع الإنتاج الزكاة الشرعية ثمن الطن المبلغ
الفوسفاط ٣٠ مليون طن ٦ مليون طن ١٢٨٠ درهم ٧.٦ مليار درهم
وأما زكاة الفطر فمتوسط ما يدفع فيها في المغرب نقدا هو: ١٠ دراهم لكل فرد، فمجموع زكاة الفطر هو: ٣٠ مليون × ١٠ دراهم = ٣٠٠ مليون درهم.
والمجموع العام التقريبي للزكاة في المغرب أكثر من: ١١ مليار درهم (١).
لاشك أن هذا الرقم هائل، لو خصص للفقراء سنويا لما بقي فقير في المغرب.
_________________
(١) وبقيت أشياء كثيرة لم تعد هنا، وخاصة كثير من المعادن كالنحاس والزنك وغيرها، وكثير من المنتوجات الفلاحية كالتين والجوز والعدس والحمص واللوبيا. مع ملاحظة أن المالكية لا يرون الزكاة إلا في ما يدخر ويقتات.
[ ١٨١ ]
ولهذا لا يجوز شرعا أن تدفع أموال طائلة لشراء الأفلام لعرضها في القنوات المغربية وإقامة المهرجانات كمهرجان موازين، مع أن الفقراء يملؤون أرجاء البلاد. بل إن صرف الأموال على هذه المهرجانات بدل صرفها للفقراء حرام شرعا، لأنه إهدار للمال العام مع وجود من هو أولى به.
والمليارات التي تدفع للمغنين في مهرجان موازين كافية لإنشاء سد عملاق يحد من فقر الفلاح المغربي وعوزه.
ويجب على الحاكم المسلم منع العقود المالية المخالفة للشريعة: وقد نص علماء المالكية على ذلك: قال ابن فرحون في تبصرته (٢/ ٢٧٠): عقود الربا وعقود العينة وسلف جر منفعة وما أشبهه فكل هذه وما جرى مجراها يجب على الحاكم المنع منه ابتداء، إذا علم به وفسخه إذا طلع عليه مع تأديب من اعتاد تعاطي هذه العقود.
وقال ابن رشد في البيان والتحصيل (٩/ ٣٩٤ - ٣٩٥): وسئل عن الذي يبيع العنب ممن يعصره خمرًا أو يكري حانوته ممن يبيع الخمر، أو يكري دابته إلى الكنيسة، أو يبيع شاته ممن يذبحها لأعياد النصارى، قال: أما بيع العنب ممن يعصره خمرًا، أو كراء البيت ممن يبيع الخمر، فأرى أن يفسخ الكراء ويرد البيع ما لم يفت، فإن فات تم البيع ولم أفسخه، وأما كراء الدابة وبيع الشاة فإنه يمضى ولا يرد، وقد اختلف في كراء الدابة قول مالك، فمن ثم رأيت له ذلك. وبلغني عن أشهب أنه سئل عن الذي يبيع كرمه من النصراني، فقال: أرى أن تباع على النصراني، بمنزلة شرائه العبد المسلم.
[ ١٨٢ ]
وقد ذكر ابن عبد البر في الكافي في فقه أهل المدينة (١/ ٤٤٤) من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا ومهور البغاء والسحت والرشاوي وأخذ الأجرة على النياحة والغناء وعلى الكهانة وادعاء الغيب وأخبار السماء وعلى الرمز واللعب والباطل كله. ومِن كسب الحرام المجتمع عليه أيضا الغصب والسرقة وكل ما لا تطيب به نفس مالكه من مال مسلم أو ذمي وهو ما يستباح الناس قتله. انتهى.
وكل المراكز أو النوادي التي يباع فيها الخمر ويجتمع فيها الفساق لشرب الخمر والرقص ونحو ذلك يجب إغلاقها ومنع فعل ذلك فيها: قال العتبي في العتبية: قال أبو زيد: قال ابن القاسم: سئل مالك عن فاسد يأوي إليه أهل الفسق والخمر ما يصنع به؟ قال: يخرج من منزله وتحرز عليه الدار والبيوت، فقال: فقلت: لا تباع؟ قال: لا، فلعله يتوب فيرجع إلى منزله، قال ابن القاسم يتقدم إليه مرة أو مرتين فإن لم يتب أخرج وأكرى عليه.
قال ابن رشد شارحا في البيان والتحصيل (٩/ ٤١٦ - ٤١٧): قد قال مالك في الواضحة إنها تباع عليه، خلاف قوله في هذه الرواية، وقوله فيها يصح لما ذكره من أنه قد يتوب فيرجع إلى منزله، ولو لم تكن الدار له وكان فيها بكراء أخرج منها وأكريت وقد روي عن يحيى بن يحيى أنه قال: أرى أن يحرق بيت الخمار، وقال: وقد أخبرني بعض أصحابنا أن مالكًا كان يستحب أن يحرق بيت المسلم الذي يبيع الخمر، قيل: وقبل النصراني يبيع الخمر من المسلمين، قال: إذا تقدم إليه فلم ينته فأرى أن يحرق عليه بيته بالنار، قال: وحدثني الليث أن عمر
[ ١٨٣ ]
بن الخطاب حرق بيت رويشد الثقفي لأنه كان يبيع الخمر، وقال له: أنت فويسق ولست رويشد (١)، وبالله التوفيق.
وقال اللخمي في الذخيرة (٥/ ٣٩٧): ويمتنع إجارة الحوانيت والدور إذا كان يفعل فيها المحرمات كبيع الخمور والمغصوب وآلات الحروب لأن الغالب اليوم أن لا يقاتل بها إلا المسلمون.
ونص الدردير في الشرح الكبير (٤/ ٢١) على أنه لا يجوز إجارة محل لمن يعصي الله فيه كتعليم الغناء أو دار لتتخذ كنيسة أو مجمعا لفساق أو خمارة.
وقال أحمد الصاوي في بلغة السالك لأقرب المسالك (٣/ ٨): كذلك يمنع بيع كل شيء علم أن المشتري قصد به أمرا لا يجوز. كبيع جارية لأهل الفساد أو مملوك، أو بيع أرض لتتخذ كنيسة أو خمارة، أو خشبة لتتخذ صليبا، أو عنبا لمن يعصره خمرا، أو نحاسا لمن يتخذه ناقوسا، أو آلة حرب للحربيين، وكذا كل ما فيه قوة لأهل الحرب.
هذا هو رأي المذهب المالكي في بيع أو كراء شيء لمن يعصي الله فيه، فبيع الخمر لمن يتخذه خمرا حرام، وكراء رجل محله لمن يتخذه خمارة أو ناديا أو مركزا ليجتمع فيه الشبان والشابات أو ليقام فيه بنك أو محل للميسر حرام في مذهب إمامنا مالك ﵀.
_________________
(١) تقدم تخريجه.
[ ١٨٤ ]