اعتبر أركون أن الوحي ونزوله مجاز فقط (٢).
وعده رمزا فقط سماه الرمزانية المتعالية (٣).
بل يرى أن الله وكُلُّ الوحي تركيب مجازي فسيح واسع في القرآن (٤).
وأن هدف مشروعه التاريخي هو: زحزحة إشكالية الوحي من النظام الفكري والموقع الابستمولوجي الخاص بالروح الدوغمائية إلى فضاءات التحليل والتأويل (٥).
وعند حسن حنفي لا يفهم من الوحي وجود إله أوحى بشيء ما، وإنما هو وسيلة لتطوير الواقع.
قال: ليس المقصود من الوحي إثبات موجود مطلق غني لا يحتاج إلى الغير،
_________________
(١) الإسلام والانغلاق اللاهوتي (٢٣١).
(٢) تاريخية الفكر العربي (١٩٨).
(٣) قضايا في نقد العقل الديني (٢٦٩).
(٤) نفس المرجع (٤٠).
(٥) القرآن من التفسير الموروث (٥٨).
[ ١٢٢ ]
بل المقصود منه تطوير الواقع في اللحظة التاريخية التي نمر بها والتي تحتاج إلى من يساعدها على التطور (١).
وحوَّل حسن حنفي الوحي إلى الطبيعة والميتافيزيقي إلى الفيزيقي، وكل إنجاز بشري في مجال معرفة الطبيعة والواقع إضافة للوحي واستمرار له، بل قال أبو زيد: وفي هذا الفهم لا يكون الوحي مجرد واقعة حدثت في الماضي عدة مرات ثم توقفت، تاركا شأن البشرية سدى، بل الوحي اسم يطلق على النشاط الذهني للإنسان في كل زمان ومكان (٢).
هكذا يقول صديقه أبو زيد، وهذه عبارة حنفي في كتابه من العقيدة إلى الثورة (٤/ ١٥٢ - ١٥٣): فالطبيعة هي الوحي، والوحي هو الطبيعة، وكل ما يميل الإنسان إليه بطبعه هو الوحي، وكل ما يتوجه به الوحي هو اتجاه في الطبيعة، الوحي والطبيعة شيء واحد، ولما كانت الطبيعة مستمرة فالوحي بهذا المعنى مستمر، والنبوة دائمة ولكنا أنبياء يوحى إلينا من الطبيعة، وصوت الطبيعة هو صوت الله.
ينكر حسن حنفي الوحي، ويحوله إلى ما تجود به الطبيعة لنا، والطبيعة عنده تحل محل الله. فهي إله حسن حنفي الذي يعبد وبنعمه يسبح.
وكل العيب في نظر حسن حنفي في جعل الوحي مطلقا خارج الزمان والمكان أو حرفا في نص مدون (٣).
يقصد جعله إلهيا، فالوحي أرضي لا سماوي.
وقال إلياس قويسم: لذلك يغدو الوحي ظاهرة ثقافية خاضعة لقوانين الواقع
_________________
(١) التراث والتجديد (٦١).
(٢) نقد الخطاب الديني (١٨٨).
(٣) «هموم الفكر والوطن» له (١/ ٢٣) بواسطة «العلمانيون والقرآن» (٦٦٠).
[ ١٢٣ ]
باعتبارها أصبحت متخارجة منه لا مفارقة له. إن هذا التفسير لظاهرة الوحي هو تفسير ظهوراتي، بمعنى أنه يقف على أرضية الإمبيريقية وهذا يفضي به إلى الالتحام بالمنهج الديالكتيكي الماركسي، فنصر حامد قد استثمر هذه المقولات لأجل تفسير ظاهرة كانت تعتبر في الفكر السلفي/المحافظ ظاهرة ميتافيزيقية، تفسيرا ماديا في حركتها وتحولاتها وتغيراتها وفي علاقاتها المتميزة (١).
والوحي في نظر أبي زيد شكل من أشكال الكهانة والسحر التي كانت شائعة في عصر النبي.
يقول صديق دربه إلياس قويسم: إن أولى المسوغات التي توسل بها نصر حامد لأجل إثبات واقعية الوحي وتاريخيته، هي الأوضاع والمؤثرات الفكرية والعقدية التي كانت سائدة في مكة قبل الإسلام، من هذه المؤثرات شيوع ظاهرة الكهانة والإيمان بالجن. فهذا القول بوجود جدليّة بين آلهة العرب وآلهة القرآن -لو استعملنا مصطلح خليل أحمد خليل- قد اتخذ شكل سيرورة في خط تصاعدي، فليس التالي بناف للسابق، بل على النقيض من ذلك، فهو يرى وجود ترابط وجدلية على مستوى المفاهيم، فلولا وجود تصور سابق في الذهنية العربية عن إمكانية الاتصال بين البشر والجن، لاستحال الإيمان بإمكانية وقوع الوحي، هكذا نعود إلى المقولة الرئيسية في فكر نصر حامد وهي أولوية الواقع، فالواقع أولا والواقع ثانيا والواقع أخيرا-كما يصرح هو في كتبه-. هنا يكمن المعنى الحقيقي في منظومة نصر حامد حول الوحي، فهو يطالب بالتخلي عن أيّ افتراض متعال مسبق، ومن ثم يدفع بتحليلاته نحو إيقاع تصور مناقض للسائد حول النص
_________________
(١) استبدال هويّة النصّ القرآني، نسخة رقمية.
[ ١٢٤ ]
القرآني، أي: القول بدنيوته بدل مفارقته (١).
وقال: وفي الوقت ذاته يريد إبانة هذا المنظور الدنيوي-الدهري الذي يصدر عنه مفهوم الوحي ومن ثم يحرر النص القرآني من إهابه القديم «التعالي» قصد دفعه إلى الظهور في صفته الجديدة وهي النص الدنيوي-الواقعي (٢).