يقدم العلمانيون أنفسهم قاطبة على أنهم أصحاب فكر تقدمي مستنير وعقلاني، بل وحقوقي وإنساني، يقبل الآخر ويتعايش معه.
لكن من الناحية العملية نرى أن أفعالهم تتناغم مع أقوالهم إذا تعلق بالآخر الغرب المستعمر قديما والمستبد والمسيطر حديثا.
وأما إذا تعلق بالإسلامي ابن البلد والوطن واللغة والدين والهم المشترك فيغلب أسلوب الإقصاء والتهميش والتحقير والإدانة: رجعي متخلف طوبوي ظلامي، بل عنيف عنصري متعطش للدماء وإرهابي.
وهذه سمة غالبة على كتاباتهم، كما سنرى في هذا المبحث.
بل كثير منهم كأركون والقمني مثلا يسحب هذه القائمة على كافة العلماء والفقهاء على مر التاريخ الإسلامي الطويل مع استثناءات بسيطة جدا كتيار المعتزلة والفلاسفة وخاصة ابن رشد، وبعض الصوفية كابن عربي. وحتى هذه الاستثناءات إنما هي خطة تكتيكية فقط لمواجهة تيار ابن تيمية والحنابلة عموما كما يقول هاشم صالح (١).
فكل العلماء والفقهاء والإسلاميين المعاصرين دوغمائيون متحجرون ظلاميون حسب أركون.
بينما نراه ينعى على غيره النبذ والإقصاء والاستبعاد، داعيا إلى التعايش واحترام حقوق الإنسان (٢).
_________________
(١) الإسلام والانغلاق اللاهوتي (١٢٤).
(٢) نحو نقد العقل الإسلامي (٤٥ - ٤٦).
[ ٢٩١ ]
والأمر لا يعدو في نظري كونه استراتيجية تمويهية أمام الرأي العام، فثقافة الكراهية ورفض الآخر هي أكثر بروزا وتجليا في الخطاب العلماني كما سنوضح في هذا المبحث.
وكل العلمانيين يرون في نخبهم رمزا للحداثة والعقلانية والتحضر، وما عداهم يمثل الرجعية وظلاميون ومتخلفون ودوغمائيون.
يقول تركي علي الربيعو عن هذا التصنيف: هو خندق، أو لنقل مع هرسكوفيتز (خبير الإناسة المعروف): راية حرب ضد طرف آخر يوصف بالانغلاق والجمود، ويتم تناوله على أنه فُضْلة تاريخية جامدة (١).
فتحول العلماني من مفكر يقبل الآخر إلى مُدَّع عام. ولم يعد همه أن يحاور ويتواصل، بل همه أن يتهم، أو بالأحرى يتفنن في إصدار الاتهامات المجانية المبتذلة.
ولهذا دعا الباحث الفرنسي جيل كيبيل الباحثين في الحركات الإسلامية المعاصرة إلى خلع نظاراتهما السميكة وإحلال أخرى محلها تسمح برؤية ما لا يريدون رؤيته (٢).