المراد بتاريخية أحكام القرآن أن أحكام القرآن كانت استجابة لواقع معين، وبالتالي فهي صالحة لذلك العصر بشروطه التاريخية والمعرفية والثقافية، لكن التطور التاريخي نسخ هذه الصلاحية، ولم تعد أحكام القرآن صالحة لهذا الزمان ويتعين تجاوزها وإهمالها.
بل عمم العلمانيون هذه التاريخية لتشمل العقيدة ومنظومة القيم ودلالات القصص القرآني (١).
وهذه التاريخية مبنية على التاريخية الأولى، لأن القرآن لما كان منتجا ثقافيا للواقع، والواقع متغير دائما وأبدا، فإن أحكام القرآن العقدية والتشريعية والأخلاقية متغيرة ومتبدلة (٢).
فسر أركون مرة التاريخية بقوله: بمعنى أن كل شيء يتغير أو يتطور مع التاريخ أو مع مرور الزمن، ولا شيء ثابتا أو معطى بشكل جاهز مرة واحدة وإلى الأبد كما يتوهم المؤمن التقليدي (٣).
وقال هاشم صالح: تعني كلمة التاريخية دراسة التغير من خلال الزمن، أي: التغير الذي يصيب الأفكار والأخلاق والمؤسسات بحسب اختلاف العصور والمجتمعات (٤).
أغلب العلمانيين يصفون الشريعة الإسلامية بشريعة البداوة، إشارة
_________________
(١) انظر الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية (٦٠).
(٢) نفس المرجع (٦٢).
(٣) نحو نقد العقل الإسلامي (٣٤٧).
(٤) تاريخية الفكر العربي (٧٤). وانظر الإسلام والانغلاق اللاهوتي (١٤٨).
[ ١٥٥ ]
لتاريخيتها، أي: تجاوزها التطور التاريخي الذي تجاوز مجتمعات البداوة (١).
وواضح أن كل هذه التفاهات تتساقط إذا أكدنا على البعد الإلهي للقرآن وللنصوص الدينية، لأنه ما دام أن الله هو مشرعها ومنشؤها فهو أعلم بما يصلح لعباده، وهو أعرف بالثوابت والمتغيرات، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير.
لكن لما كانت هذه المقاربة تكر على الطرح العلماني بالإبطال وتجتثه من أصله تسارع العلمانيون إلى التأكيد على بشرية القرآن وكونه ابن بيئته، ووليد ثقافة عصره.
ولهذا فأنا أقول: إن العلمانية تدور على الإلحاد لا غير، ويستحيل وجود مؤمن علماني، إلا إذا كانت تجتمع فيه المتناقضات، وإلا فإن من يكون علمانيا يستحيل أن يكون مؤمنا.
لأن الإيمان ذو مرجعية غيبية ما ورائية، أو لنقل لا عقلانية (٢)، والعلمانية تناقض هذه المبادئ مناقضة تامة لا وساطة بينهما، فإما الإيمان وإما الإلحاد.
وأغلب العلمانيين ملاحدة، وبعض العلمانيين الذين قد يصرحون بإسلامهم وإيمانهم لا يخرجون عندي عن أحد أمور:
أولا: أن يكون ذلك من باب التقية فقط، لكي لا يصدم الجماهير المؤمنة وبالتالي يكون لذلك آثار سلبية عليه أو على دعوته.
فالحاجة للتواصل مع الجماهير تكون مقدمة على الاصطدام معها، وبالتالي الإضرار بالعلمانية.
وقد صرح القمني وأركون وغيرهما بهذا.
_________________
(١) الإسلام بين الرسالة والتاريخ (١٠٩).
(٢) العقل هنا بمفهومه العلماني.
[ ١٥٦ ]
وثانيا: إطلاق لفظ الإسلام أو الإيمان على غير المعنى الذي نفهمه نحن، بمعنى مسلم باعتبار البلدة والنشأة لا اعتقادا.
وهذا قد يفعله أركون أحيانا وعلي حرب.
وثالثا: من باب الجهل إما بالعلمانية أو بالإسلام أو كليهما.
فيتعامل مع الأمر تعاملا ساذجا بغير قصد.
وهذا حال كثير من العلمانيين البسطاء وبعض السياسيين والصحفيين الذين لا يفهمون من العلمانية غير فصل الدين عن الدولة.