قد ذكرنَا قبل هَذَا أَن الْمُعْتَزلَة افْتَرَقت فِيمَا بَينهَا عشْرين فرقة كل فرقة مِنْهَا تكفر سائرها وَهن الواصلية والعمرية والهذيلية والنظامية والاسوارية والمعمرية والاسكافية والجعفرية والبشرية والمرادارية والهشامية والتمامية والجاحظية والحايطية والحمارية والخياطية واصحاب صَالح قبَّة والمويسية والشحامية والكعبية والجبابية والبهشمية المنسوبة الى أَبى هَاشم بن الحبالى فَهَذِهِ ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ فرقة فرقتان مِنْهَا من جملَة ١٤٠ فرق الغلاة فِي الْكفْر نذكرها فى الْبَاب الذى نذْكر فِيهِ فرق الغلاة وهما الحايطية والحماريه وَعِشْرُونَ مِنْهَا قدرية مَحْضَة يجمعها كلهَا فى بدعتها امور مِنْهَا نَفيهَا كلهَا عَن الله ﷿ صِفَاته الازلية وَقَوْلها بِأَنَّهُ لَيْسَ لله ﷿ علم وَلَا قدرَة وَلَا حَيَاة وَلَا سمع وَلَا بصر وَلَا صفة أزلية وَزَادُوا على هَذَا بقَوْلهمْ ان الله تَعَالَى لم يكن لَهُ فِي الازل
[ ٩٣ ]
اسْم وَلَا صفة وَمِنْهَا قَوْلهم باستحالة رُؤْيَة الله ﷿ بالابصار وَزَعَمُوا أَنه لَا يرى نَفسه وَلَا يرَاهُ غَيره وَاخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ رَاء نغيره أم لَا فَأَجَازَهُ قوم مِنْهُم وأباه قوم آخَرُونَ مِنْهُم وَمِنْهَا اتِّفَاقهم على القَوْل بحدوث كَلَام الله ﷿ وحدوث أمره وَنَهْيه وَخَبره وَكلهمْ يَزْعمُونَ ان كَلَام الله ﷿ حَادث واكثرهم الْيَوْم يسمون كَلَامه مخلوقا وَمِنْهَا قَوْلهم جَمِيعًا بِأَن الله تَعَالَى غير خَالق لأكساب النَّاس وَلَا لشىء من أَعمال الْحَيَوَانَات وَقد زَعَمُوا ان النَّاس هم الَّذين يقدرُونَ أكسابهم وانه لَيْسَ لله ﷿ فى اكسابهم وَلَا فى اعمار سَائِر الْحَيَوَانَات صنع وَلَا تَقْدِير وَلأَجل هَذَا القَوْل سماهم الْمُسلمُونَ قدرية وَمِنْهَا اتِّفَاقهم على دَعوَاهُم فى الْفَاسِق من أمة الاسلام بالمنزلة بَين المنزلتين وهى انه فَاسق لَا مُؤمن وَلَا كَافِر ولاجل هَذَا سماهم الْمُسلمُونَ معتزلة لاعتزالهم قَول الْأمة بأسرها وَمِنْهَا قَوْلهم ان كل مَا لم يَأْمر الله تَعَالَى بِهِ اَوْ نهى عَنهُ من أَعمال الْعباد لم يَشَأْ الله شَيْئا مِنْهَا وَزعم الكعبى فى مقالاته أَن الْمُعْتَزلَة اجْتمعت على أَن الله ﷿ شىء لَا كالاشياء وَأَنه خَالق الْأَجْسَام والأعراض وَأَنه خلق كل مَا خلقه لَا من شىء وعَلى أَن الْعباد يَفْعَلُونَ أَعْمَالهم بِالْقدرِ الَّتِى خلقهَا الله ﷾ فيهم قَالَ وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يغْفر لمرتكبى الْكَبَائِر
[ ٩٤ ]
بِلَا تَوْبَة وفى هَذَا الْفَصْل من كَلَام الكعبى غلط مِنْهُ على أَصْحَابه من وُجُوه مِنْهَا قَوْله إِن الْمُعْتَزلَة اجْتمعت على أَن الله تَعَالَى شَيْء لَا كالاشياء وَلَيْسَت هَذِه الخاصية لله تَعَالَى وَحده عِنْد جَمِيع الْمُعْتَزلَة فَإِن الجبائى وَابْنه أَبَا هَاشم قد قَالَا إِن كل قدرَة محدثة شىء لَا كالاشياء وَلم يخصوا رَبهم بِهَذَا الْمَدْح وَمِنْهَا حكايته عَن جَمِيع الْمُعْتَزلَة قَوْلهَا بِأَن الله ﷿ خَالق الْأَجْسَام والأعراض وَقد علم أَن الاصم من الْمُعْتَزلَة ينفى الْأَعْرَاض كلهَا وَأَن الْمَعْرُوف مِنْهُم بِمَعْمَر يزْعم ان الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا من الْأَعْرَاض وَأَن ثُمَامَة يزْعم أَن الاعراض المتولدة لَا فَاعل لَهَا فَكيف يَصح دَعْوَاهُ إِجْمَاع الْمُعْتَزلَة على أَن الله سُبْحَانَهُ خَالق الْأَجْسَام والأعراض وَفِيهِمْ من يُنكر وجود الْأَعْرَاض وَفِيهِمْ من يثبت الْأَعْرَاض وَيَزْعُم أَن الله تَعَالَى لم يخلق شَيْئا مِنْهَا وَفِيهِمْ من يزْعم أَن المتولدات أَعْرَاض لَا فَاعل لَهَا والكعبى مَعَ سَائِر الْمُعْتَزلَة زَعَمُوا أَن الله تَعَالَى لم يخلق أَعمال الْعباد وَهِي أَعْرَاض عِنْد من أثبت الْأَعْرَاض فَبَان غلط الكعبى فى هَذَا الْفَصْل على أَصْحَابه وَمِنْهَا دَعْوَى إِجْمَاع الْمُعْتَزلَة على أَن الله خلق مَا خلق لَا من شىء وَكَيف يَصح اجماعهم على ذَلِك والكعبى مَعَ سَائِر الْمُعْتَزلَة سوى الصالحى يَزْعمُونَ أَن الْحَوَادِث كلهَا
[ ٩٥ ]
كَانَت قبل حدوثها أَشْيَاء والبصريون مِنْهُم يَزْعمُونَ ان الْجَوَاهِر والاعراض كَانَت فى حَال عدمهَا جَوَاهِر وأعراضا وَأَشْيَاء وَالْوَاجِب على هَذَا الْفَصْل ان يكون الله خلق الشَّيْء لَا من شَيْء وَإِنَّمَا يَصح القَوْل بانه خلق الشىء لَا من شىء على اصول اصحابنا الصفاتية الَّذين أَنْكَرُوا كَون الْمَعْدُوم شَيْئا واما دَعْوَى إِجْمَاع الْمُعْتَزلَة على ان الْعباد يَفْعَلُونَ أفاعلهم بِالْقدرِ الَّتِي خلقهَا الله تَعَالَى فيهم فغلط مِنْهُ عَلَيْهِم لَان معمرا مِنْهُم زعم أَن الْقُدْرَة فعل الْجِسْم الْقَادِر بهَا وَلَيْسَت من فعل الله تَعَالَى والاصم مِنْهُم ينفى وجود الْقُدْرَة لِأَنَّهُ ينفى الْأَعْرَاض كلهَا وَكَذَلِكَ دَعْوَى إِجْمَاع الْمُعْتَزلَة على أَن الله سُبْحَانَهُ لَا يغْفر لمرتكبى الْكَبَائِر من غير تَوْبَة مِنْهُم غلط مِنْهُ عَلَيْهِم لَان مُحَمَّد بن شبيب البصرى والصالحى والخالدى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَة من شُيُوخ الْمُعْتَزلَة وهم واقفية فى وَعِيد مرتكبى الْكَبَائِر وَقد أَجَازُوا من الله تَعَالَى مغْفرَة ذنوبهم من غير تَوْبَة وَبِأَن مَا ذَكرْنَاهُ غلط الكعبى فِيمَا حَكَاهُ عَن الْمُعْتَزلَة وَصَحَّ ان الْمُعْتَزلَة يجمعها مَا حكيناه عَنْهُم مِمَّا أَجمعُوا عَلَيْهِ فاما الذى اخْتلفُوا فِيهِ فِيمَا بَينهم فعلى مَا نذكرهُ فِي تَفْصِيل فرقهم إِن شَاءَ الله ﷿
ذكر الواصلية مِنْهُم هَؤُلَاءِ اتِّبَاع وَاصل بن عطا الغزال رَأس الْمُعْتَزلَة وداعيهم الى بدعتهم بعد معبد الْجُهَنِىّ وغيلان الدمشقى
[ ٩٦ ]
وَكَانَ وَاصل من منتابى مجْلِس الْحسن البصرى فى زمَان فتْنَة الازارقة وَكَانَ النَّاس يَوْمئِذٍ مُخْتَلفين فى أَصْحَاب الذُّنُوب من امة الاسلام على فرق فرقة تزْعم أَن كل مرتكب لذنب صَغِير اَوْ كَبِير مُشْرك بِاللَّه وَكَانَ هَذَا قَول الازارقة من الخوراج وَزعم هَؤُلَاءِ ان اطفال الْمُشْركين مشركون وَلذَلِك استحلوا قتل اطفال مخالفيهم وَقتل نِسَائِهِم سَوَاء كَانُوا من امة الاسلام اَوْ من غَيرهم وَكَانَت الصفرية من الْخَوَارِج يَقُولُونَ فى مرتكبى الذُّنُوب بِأَنَّهُم كفرة مشركون كَمَا قالته الازارقة غير أَنهم خالفوا الازارقة فى الاطفال وَزَعَمت النجدات من الْخَوَارِج ان صَاحب الذَّنب الذى اجمعت الامة على تَحْرِيمه كَافِر مُشْرك وَصَاحب الذَّنب الذى اخْتلفت الامة فِيهِ حكم على اجْتِهَاد اهل الْفِقْه فِيهِ وعذروا مرتكب مَالا يعلم تَحْرِيمه بِجَهَالَة تَحْرِيمه الى ان تقوم الْحجَّة عَلَيْهِ فِيهِ وَكَانَت الاباضية من الْخَوَارِج يَقُولُونَ ان مرتكب مَا فِيهِ الْوَعيد مَعَ مَعْرفَته بِاللَّه ﷿ وَبِمَا جَاءَ من عِنْده كَافِر كفران نعْمَة وَلَيْسَ بِكَافِر كفر شرك وَزعم قوم من اهل ذَلِك الْعَصْر ان صَاحب الْكَبِيرَة من هَذِه الامة ٤٢ مُنَافِق وَالْمُنَافِق شَرّ من الْكَافِر الْمظهر لكفره وَكَانَ عُلَمَاء التَّابِعين فى ذَلِك الْعَصْر مَعَ أَكثر الامة يَقُولُونَ إِن صَاحب الْكَبِيرَة من أمة الاسلام مُؤمن لما فِيهِ
[ ٩٧ ]
من مَعْرفَته بالرسل والكتب الْمنزلَة من الله تَعَالَى ولمعرفته بِأَن كل مَا جَاءَ من عِنْد الله حق وَلكنه فَاسق بكبيرته وفسقه لَا ينفى عَنهُ اسْم الايمان وَالْإِسْلَام وعَلى هَذَا القَوْل الْخَامِس مضى سلف الامة من الصَّحَابَة وأعلام التَّابِعين فَلَمَّا ظَهرت فتْنَة الْأزَارِقَة بِالْبَصْرَةِ والأهواز وَاخْتلف النَّاس عِنْد ذَلِك فى أَصْحَاب الذُّنُوب على الْوُجُوه الْخَمْسَة الَّتِي ذَكرنَاهَا خرج وَاصل بن عطا عَن قَول جَمِيع الْفرق الْمُتَقَدّمَة وَزعم أَن الْفَاسِق من هَذِه الامة لَا مُؤمن وَلَا كَافِر وَجعل الْفسق منزلَة بَين منزلتى الْكفْر والايمان فَلَمَّا سمع الْحسن البصرى من وَاصل بدعته هَذِه الَّتِى خَالف بهَا أَقْوَال الْفرق قبله طرده عَن مَجْلِسه فاعتزل عِنْد سَارِيَة من سوارى مَسْجِد الْبَصْرَة وانضم اليه قرينه فى الضَّلَالَة عَمْرو ابْن عبيد بن بَاب كَعبد صريخه امهِ فَقَالَ النَّاس يَوْمئِذٍ فيهماانهما قد اعتزلا قَول الامة وسمى أتباعهما من يَوْمئِذٍ معتزلة ثمَّ إنَّهُمَا أظهرا بدعتهما فى الْمنزلَة بَين المنزلتين وضما اليها دَعْوَة النَّاس الى قَول الْقَدَرِيَّة على رأى معبد الْجُهَنِىّ فَقَالَ النَّاس يَوْمئِذٍ لواصل إِنَّه مَعَ كفره قدرى وَجرى الْمثل بذلك فى كل كَافِر قدرى ثمَّ ان واصلا وعمرا وافقا الْخَوَارِج فى تأييد عِقَاب صَاحب الْكَبِيرَة فى النَّار مَعَ قَوْلهمَا بِأَنَّهُ موحد وَلَيْسَ بمشرك وَلَا كَافِر
[ ٩٨ ]
وَلِهَذَا قيل للمعتزلة إِنَّهُم مخانيث الْخَوَارِج لَان الْخَوَارِج لما رأو لأهل الذُّنُوب الخلود فِي النَّار سموهم كفرة وحاربوهم والمعتزلة رَأَتْ لَهُم الخلود فى النَّار وَلم تجسر على تسميتهم كفرة وَلَا جسرت على قتال اهل فرقة مِنْهُم فضلا عَن قتال جُمْهُور مخالفيهم وَلِهَذَا نسب إِسْحَاق بن سُوَيْد العدري واصلا وَعَمْرو بن عبيد الى الْخَوَارِج لاتفاقهم على تأييد عِقَاب أَصْحَاب الذُّنُوب فَقَالَ فى بعض قصائده بَرِئت من الْخَوَارِج لست مِنْهُم
من الغزال مِنْهُم وَابْن بَاب وَمن قوم اذا ذكرُوا عليا
يردون السَّلَام على السَّحَاب
ثمَّ ان واصلا فَارق السّلف ببدعة ثَالِثَة وَذَلِكَ أَنه وجد اهل عصره مُخْتَلفين فى على وَأَصْحَابه وفى طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وَسَائِر أَصْحَاب الْجمل فَزَعَمت الْخَوَارِج ان طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وأتباعهم يَوْم الْجمل كفرُوا بقتالهم عليا وَأَن عليا كَانَ على الْحق فى قتال أَصْحَاب الْجمل وفى قتال اصحاب مُعَاوِيَة بصفين الى وَقت التَّحْكِيم ثمَّ كفر بالتحكيم وَكَانَ اهل السّنة وَالْجَمَاعَة يَقُولُونَ بِصِحَّة إِسْلَام الْفَرِيقَيْنِ فى حَرْب الْجمل وَقَالُوا ان عليا كَانَ على الْحق فى قِتَالهمْ واصحاب الْجمل كَانُوا عصاة مخطئين فى قتال على وَلم يكن خطؤهم كفرا وَلَا فسقا يسْقط شَهَادَتهم وأجازوا الحكم بِشَهَادَة
[ ٩٩ ]
عذلين من كل فرقة من الْفَرِيقَيْنِ وَخرج وَاصل عَن قَول الْفَرِيقَيْنِ وَزعم ان فرقة من الْفَرِيقَيْنِ فسقة لَا بأعيانهم وَأَنه لَا يعرف الفسقة مِنْهُمَا وأجازوا ان يكون الفسقة من الْفَرِيقَيْنِ عليا واتباعه كالحسن وَالْحُسَيْن وَابْن عَبَّاس وعمار بن يَاسر وأبى أَيُّوب الأنصارى وَسَائِر من كَانَ مَعَ على يَوْم الْجمل وَأَجَازَ كَون الفسقة من الْفَرِيقَيْنِ عَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَسَائِر اصحاب الْجمل ثمَّ قَالَ فى تحقق شكه فى الْفَرِيقَيْنِ لَو شهد على وَطَلْحَة اَوْ على وَالزُّبَيْر وَرجل من أَصْحَاب على وَرجل من اصحاب الْجمل عندى على باقة بقل لم أحكم بِشَهَادَتِهِمَا لعلمى بِأَن احدهما فَاسق لَا بِعَيْنِه كَمَا لَا أحكم بِشَهَادَة المتلاعنين لعلمى بَان احدهما فَاسق لَا بِعَيْنِه وَلَو شهد رجلَانِ من اُحْدُ الْفَرِيقَيْنِ ايهما كَانَ قبلت شَهَادَتهمَا وَلَقَد سخنت عُيُون الرافضة الْقَائِلين بالاعتزال بشك شيخ الْمُعْتَزلَة فى عَدَالَة على واتباعه ومقالة وَاصل فى الْجُمْلَة كَمَا قُلْنَا فى بعض أشعارنا مقَالَة مَا وصلت بواصل
بل قطع الله بِهِ أوصالها