الْقَائِلُونَ بالتناسخ اصناف صنف من الفلاسفة وصنف من السمنية وَهَذَانِ الصنفان كَانَا قبل دولة الاسلام وصنفان اخران ظهرا فِي دولة الاسلام أَحدهمَا من جملَة الْقَدَرِيَّة وَالْآخر من جملَة الرافضة الغالية فاصحاب التناسخ من السمنية قَالُوا بقدم الْعَالم وَقَالُوا ايضا بابطال النّظر وَالِاسْتِدْلَال وَزَعَمُوا انه لَا مَعْلُوم الا من جِهَة الْحَواس الْخمس وانكر اكثرهم الْمعَاد والبعث بعد الْمَوْت وَقَالَ فريق مِنْهُم بتناسخ الارواح فِي الصُّور الْمُخْتَلفَة واجازوا ان ينْقل روح الانسان الى كلب وروح الْكَلْب الى انسان وَقد حكى اقلوطرخس مثل هَذَا القَوْل عَن بعض الفلاسفة وَزَعَمُوا ان من أذْنب فِي قالب ناله الْعقَاب على ذَلِك الذَّنب فِي قالب آخر وَكَذَلِكَ القَوْل فِي الثَّوَاب عِنْدهم وَمن اعْجَبْ الاشياء دَعْوَى السمنية فِي التناسخ الذى لَا يعلم بالحواس مَعَ
[ ٢٥٣ ]
قَوْلهم انه لَا مَعْلُوم الا من جِهَة الْحَواس وَقد ذهبت المانوية ايضا الى التناسخ وَذَلِكَ ان مانيا قَالَ فِي بعض كتبه إِن الارواح الَّتِى تفارق الاجسام نَوْعَانِ أَرْوَاح الصديقين وأرواح أهل الضَّلَالَة فأرواح الصديقين اذا فَارَقت أجسادها سرت فِي عَمُود الصُّبْح الى النُّور الذى فَوق الْفلك فَبَقيت فِي ذَلِك الْعَالم على السرُور الدَّائِم وأرواح أهل الضلال اذا فَارَقت الاجساد وأرادت اللحوق بِالنورِ الْأَعْلَى ردَّتْ منعكسة إِلَى السّفل فتتناسخ فِي أجسام الْحَيَوَانَات الى ان تصفو من شوائب الظلمَة ثمَّ تلتحق بِالنورِ العالى
وَذكر أَصْحَاب المقالات عَن سقراط وافلاطن واتباعهما من الفلاسفة انهم قَالُوا بتناسخ الْأَرْوَاح على تَفْصِيل قد حكيناه عَنْهُم فى كتاب الْملَل والنحل وَقَالَ بعض الْيَهُود بالتناسخ وَزعم انه وجد فِي كتاب دانيال ان الله تَعَالَى مسخ بخْتنصر فِي سبع صور من صور الْبَهَائِم وَالسِّبَاع وعذبه فِيهَا كلهَا ثمَّ بَعثه فِي آخرهَا موحدا وَأما أهل التناسخ فِي دولة الاسلام فان البيانية والجناحية والخطابية والروندية من الروافض الحلولية كلهَا قَالَت بتناسخ روح الاله فِي الائمة بزعمهم وَأول من قَالَ بِهَذِهِ الضَّلَالَة السبابية من الرافضة لدعواهم أَن عليا صَار الها حِين حل روح الاله فِيهِ
[ ٢٥٤ ]
وَزَعَمت البيانية مِنْهُم ان روح الاله دارت فِي الانبياء ثمَّ فِي الائمة الى ان صَارَت فِي بَيَان بن سمْعَان وَادعت الجناحية مِنْهُم مثل ذَلِك فِي عبد الله بن مُعَاوِيَة بن عبد الله بن جَعْفَر وَكَذَلِكَ دَعْوَى الخطابية فِي ابْن الْخطاب وَكَذَلِكَ دَعْوَى قوم من الروندية فِي ابى مُسلم صَاحب دولة بنى الْعَبَّاس فَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ بتناسخ روح الاله دون أَرْوَاح النَّاس تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا واما أهل التناسخ من الْقَدَرِيَّة فجماعة مِنْهُم أَحْمد بن حايط وَكَانَ معتزليا منتسبا الى النظام وَكَانَ على بدعته فِي الْفطْرَة وَفِي نفى الْجُزْء الذى يتَجَزَّأ وَفِي نفى قدرَة الله تَعَالَى على الزِّيَادَة فِي نعيم أهل الْجنَّة أَو فِي عَذَاب أهل النَّار وَزَاد على النظام فِي ضلالته فِي التناسخ وَمِنْهُم احْمَد بن ايوب بن يانوش وَكَانَ تلميذ احْمَد بن حايط فِي التناسخ لكنهما اخْتلفَا بعد فِي كَيْفيَّة التناسخ وَمِنْهُم مُحَمَّد بن احْمَد القطحي وافتخر بِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُم فِي التناسخ والاعتزال وَمِنْهُم عبد الْكَرِيم بن ابى العوجاء وَكَانَ خَال معن بن زَائِدَة وَجمع بَين أَرْبَعَة أَنْوَاع من الضَّلَالَة أَحدهَا انه كَانَ يرى فِي السردين المانوية من الثنوية والثانى قَوْله بالتناسخ وَالثلث ميله الى الرافضة فِي الامامة وَالرَّابِع قَوْله بِالْقدرِ فِي ابواب التَّعْدِيل والتحوير وَكَانَ وضع أَحَادِيث كَثِيرَة باسانيد
[ ٢٥٥ ]
يغتر بهَا من لَا معرفَة لَهُ بِالْجرْحِ وَالتَّعْدِيل وَتلك الاحاديث الَّتِى وَضعهَا كلهَا ضلالات فِي التَّشْبِيه والتعطيل وَفِي بَعْضهَا تَغْيِير أَحْكَام الشَّرِيعَة وَهُوَ الذى أفسد على الرافضة صَوْم رَمَضَان بالهلال وردهم عَن اعْتِبَار الاهلة بِحِسَاب وَضعه لَهُم وَنسب ذَلِك الْحساب الى جَعْفَر الصَّادِق وَرفع خبر هَذَا الضال الى أَبى جَعْفَر بن مُحَمَّد بن سُلَيْمَان عَامل الْمَنْصُور على الْكُوفَة فامر بقتْله فَقَالَ لن يقتلونى لقد وضعت أَرْبَعَة ألف حَدِيث أحللت بهَا الْحَرَام وَحرمت بهَا الْحَلَال وفطرت الرافضة فِي يَوْم من أَيَّام صومهم وصومتهم فِي يَوْم من أَيَّام فطرهم وتفصيل قَول هَؤُلَاءِ فِي التناسخ ان احْمَد بن حايط زعم ان الله تَعَالَى ابدع خلقَة أَصْحَابه سَالِمين عقلاء بالغين فِي دَار سوى الدُّنْيَا الَّتِي هم فِيهَا الْيَوْم واكمل عُقُولهمْ وَخلق فيهم مَعْرفَته وَالْعلم بِهِ واسبغ عَلَيْهِم نعمه وَزعم ان الانسان الْمَأْمُور المنهى الْمُنعم عَلَيْهِ هُوَ الرّوح الَّتِي فِي الْجِسْم وان الاجسام قوالب للأرواح وَزعم ان الرّوح هِيَ الْحَيّ الْقَادِر الْعَالم وان الْحَيَوَان كُله جنس وَاحِد وَزعم ايضا ان جَمِيع انواع الْحَيَوَان مُحْتَمل للتكليف وَكَانَ قد توجه الامر وَالنَّهْي عَلَيْهِم على اخْتِلَاف صورهم ولغاتهم وَقَالَ ان الله تَعَالَى لما كلفهم فِي الدَّار الَّتِي خلقهمْ فِيهَا شكره على مَا انْعمْ بِهِ عَلَيْهِم
[ ٢٥٦ ]
أطاعه بَعضهم فِي جَمِيع مَا امرهم بِهِ وَعَصَاهُ بَعضهم فِي جَمِيع مَا أَمرهم بِهِ فَمن اطاعه فِي جَمِيع مَا امْرَهْ بِهِ أقره فِي دَار النَّعيم الَّتِي ابتدأه فِيهَا وَمن عَصَاهُ فِي جَمِيع مَا أمره بِهِ أخرجه من دَار النَّعيم الى دَار الْعَذَاب الدَّائِم وهى النَّار وَمن أطاعه فِي بعض مَا أمره بِهِ وَعَصَاهُ فِي بعض مَا أمره بِهِ أخرجه الى الدُّنْيَا وَألبسهُ بعض هَذِه الاجسام الَّتِي هِيَ القوالب الكثيفة وابتلاه بالبأساء وَالضَّرَّاء والشدة والرجاء وَاللَّذَّات والآلام فِي صور مُخْتَلفَة من صور النَّاس والطيور والبهائم وَالسِّبَاع والحشرات وَغَيرهَا على مقادير ذنوبهم ومعاصيهم فِي الدَّار الاولى الَّتِى خلقهمْ فِيهَا فَمن كَانَت مَعَاصيه فِي تِلْكَ الدَّار أقل وطاعاته اكثر كَانَت صورته فِي الدُّنْيَا احسن وَمن كَانَت طاعاته فِي تِلْكَ الدَّار أقل ومعاصيه اكثر صَار قالبه فِي الدُّنْيَا أقبح ثمَّ زعم ان الْحَيَوَان الذى من الرّوح لَا يزَال فِي هَذِه الدُّنْيَا يتَكَرَّر فِي قوالب وصور مُخْتَلفَة مَا دَامَت طاعاته مشوبة بذنوبه وعَلى قدر طاعاته وذنوبه يكون منَازِل قوالبه فى الانسانية والبيهمية ثمَّ لَا يزَال من الله تَعَالَى رَسُول الى كل نوع من الْحَيَوَان وتكليف للحيوان ابدا الى ان يتمحض عمل الْحَيَوَان طاعات فَيرد الى دَار النَّعيم الدَّائِم وهى الدَّار الَّتِى خلق فِيهَا اَوْ يمحض عمله معاصى فينقل الى النَّار الدَّائِم عَذَابهَا
[ ٢٥٧ ]
فَهَذَا قَول ابْن حايط فى تناسخ الارواح وَقَالَ احْمَد بن ايوب بن بانوش ان الله تَعَالَى خلق الْخلق كُله دَفعه وَاحِدَة وَحكى عَنهُ بعض اصحابه أَن الله تَعَالَى خلق أَولا الاجزاء الْمقدرَة الَّتِي كل وَاحِد مِنْهَا جُزْء لَا يتَجَزَّأ وَزعم ان تِلْكَ الاجزاء كَانَت أَحيَاء عَاقِلَة وان الله تَعَالَى كَانَ قد سوى بَينهم فى جَمِيع امورهم اذ لم يسْتَحق وَاحِد مِنْهُم تَفْضِيلًا على غَيره وَلَا كَانَ من اُحْدُ مِنْهُم جِنَايَة يُؤَخر لاجلها عَن غَيره قَالَ ثمَّ انه خَيرهمْ بَين ان يمتحنهم بعد اسباغ النِّعْمَة عَلَيْهِم بالطاعات ليستحقوا بهَا الثَّوَاب عَلَيْهَا لَان منزلَة الِاسْتِحْقَاق أشرف من منزلَة التَّفْضِيل وَبَين ان يتركهم فِي تِلْكَ الدَّار تفضلا عَلَيْهِ بهَا فَاخْتَارَ بَعضهم الْمحبَّة واباها بَعضهم فَمن اباها تَركه فى الدَّار الاولى على حَاله فِيهَا وَمن اخْتَار الامتحان امتحنه فى الدُّنْيَا وَلما امتحن الَّذين اخْتَارُوا الامتحان عَصَاهُ بَعضهم وأطاعه بَعضهم فَمن عَصَاهُ حطه الى رُتْبَة هى دون الْمنزلَة الَّتِى خلقُوا فِيهَا وَمن اطاعه رَفعه الى رُتْبَة اعلى من الْمنزلَة الَّتِى خلق عَلَيْهَا ثمَّ كررهم فى الاشخاص والقوالب إِلَى ان صَار قوم مِنْهُم اناسا وَآخَرُونَ صَارُوا بهائم أَو سباعا بِذُنُوبِهِمْ وَمن صَار مِنْهُم الى البهيمية ارْتَفع عَنهُ التَّكْلِيف وَكَانَ يُخَالف ابْن حايط فى تَكْلِيف الْبَهَائِم ثمَّ قَالَ فى الْبَهَائِم انها لَا تزَال تَتَرَدَّد فى الصُّور
[ ٢٥٨ ]
القبيحة وتلقى المكاره من الذّبْح والتسخير الى ان تستوفى مَا تسْتَحقّ من الْعقَاب بذنوبها ثمَّ تُعَاد الى الْحَالة الاولى ثمَّ يُخْبِرهُمْ الله تَعَالَى تخييرا ثَانِيًا فى الامتحان فان اختاروه اعاد تكليفهم على الْحَال الَّتِى وصنفاها وان امْتَنعُوا مِنْهُ تركُوا على حَالهم غير مكلفين وَزعم ان من الْمُكَلّفين من يعْمل الطَّاعَات حَتَّى يسْتَحق ان يكون نَبيا اَوْ ملكا فيفعل الله تَعَالَى ذَلِك بِهِ وَزعم القحطى مِنْهُم ان الله تَعَالَى لم يعرض عَلَيْهِم فى اول امرهم التَّكْلِيف بل هم سَأَلُوهُ الرّفْع عَن درجاتهم والتفاضل بَينهم فاخبرهم بانهم لَا يصفونَ بذلك الا بعد التَّكْلِيف والامتحان وانهم وان كلفوا فعصوا استحقوا الْعقَاب فابوا الامتحان قَالَ فَذَلِك قَوْله ﴿إِنَّا عرضنَا الْأَمَانَة على السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَالْجِبَال فأبين أَن يحملنها وأشفقن مِنْهَا وَحملهَا الْإِنْسَان إِنَّه كَانَ ظلوما جهولا﴾ وَزعم ابو مُسلم الحرانى ان الله تَعَالَى خلق الارواح وكلف مِنْهَا من علم انه يطيعه دون من يعصيه وان العصاة إِنَّمَا عصوه ابْتِدَاء فعوقبوا بالنسخ وَالْمَسْخ فى الاجساد الْمُخْتَلفَة على مقادير ذنوبهم فَهَذَا تَفْصِيل قَول اصحاب التناسخ وَقد نقضنا عللهم فى كتاب الْملَل والنحل بِمَا فِيهِ
[ ٢٥٩ ]