قد ذكرنَا فى الْبَاب الاول من هَذَا الْكتاب ان النبى ﵇ لما ذكر افْتِرَاق امته بعده ثَلَاثًا وَسبعين فرقة وَأخْبر ان فرقة وَاحِدَة مِنْهَا نَاجِية سُئِلَ عَن الْفرْقَة النَّاجِية وَعَن صفتهَا فَأَشَارَ الى الَّذين هم على مَا عَلَيْهِ هُوَ واصحابه ولسنا نجد الْيَوْم من فرق الامة من هم على مُوَافقَة الصَّحَابَة ﵃ غير اهل السّنة وَالْجَمَاعَة من فُقَهَاء الامة ومتكلميهم الصفاتية دون الرافضة والقدرية والخوارج والجهمية والنجارية والمشبهة والغلاة والحلولية اما الْقَدَرِيَّة فَكيف يكونُونَ موافقيه للصحابة وَقد طعن زعيمهم النظام فى اكثر الصَّحَابَة وَأسْقط عَدَالَة ابْن مَسْعُود وَنسبه الى الضلال من اجل رِوَايَته عَن النبى ﷺ ان السعيد من سعد فى بطن امهِ والشقى من شقى فى بطن امهِ وَرِوَايَته انْشِقَاق الْقَمَر وَمَا ذَاك مِنْهُ الا لانكاره معجزات النبى ﵇ وَطعن فى فَتَاوَى عمر ﵁ من اجل انه حد فى الْخمر ثَمَانِينَ وَنفى نصر بن الْحجَّاج الى الْبَصْرَة حِين خَافَ فتنته
[ ٣٠٤ ]
نسَاء الْمَدِينَة بِهِ وَمَا هَذَا مِنْهُ الا لقلَّة غيرته على الْحرم وَطعن فى فَتَاوَى على ﵁ لقَوْله فى امهات الاولاد ثمَّ رَأَيْت أَنَّهُنَّ يبعن وَقَالَ من هُوَ حَتَّى يحكم بِرَأْيهِ وثلب عُثْمَان ﵁ لقَوْله فى الخرقا بقسم المَال بَين الْجد والام والاخت ثَلَاثًا بِالسَّوِيَّةِ وَنسب ابا هُرَيْرَة الى الْكَذِب من اجل ان الْكثير من رواياته على خلاف مَذَاهِب الْقَدَرِيَّة وَطعن فى فَتَاوَى كل من افتى من الصَّحَابَة بِالِاجْتِهَادِ وَقَالَ ان ذَلِك مِنْهُم انما كَانَ لأجل امرين إِمَّا لجهلهم بَان ذَلِك لَا يحل لَهُم وَإِمَّا لانهم ارادوا ان يَكُونُوا زعماء وارباب مَذَاهِب تنْسب اليهم فنسب اخيار الصَّحَابَة الى الْجَهْل اَوْ النِّفَاق وَالْجَاهِل باحكام الدّين عِنْده كَافِر والمتعمد للْخلاف بِلَا حجَّة عِنْده مُنَافِق كَافِر اَوْ فَاسق فَاجر وَكِلَاهُمَا من أهل النَّار على الخلود فاوجب بِزَعْمِهِ على أَعْلَام الصَّحَابَة الخلود فى النَّار الَّتِى هُوَ بهَا أولى ثمَّ انه أبطل اجماع الصَّحَابَة وَلم ير حجَّة وَأَجَازَ اجْتِمَاع الامة على الضَّلَالَة فَكيف يكون على سمت الصَّحَابَة مقتديا بهم من يرى مُخَالفَة جَمِيعهم وَاجِبا اذا كَانَ رَأْيه خلاف رَأْيهمْ وَكَانَ زعيمهم وَاصل بن عطا الغزال يشك فى عَدَالَة على وابنيه وَابْن عَبَّاس وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة وكل من شهد حَرْب الْجمل من الْفَرِيقَيْنِ وَلذَلِك قَالَ لَو شهد عِنْدِي على وَطَلْحَة على
[ ٣٠٥ ]
باقة بقل لم احكم بِشَهَادَتِهِمَا لعلمى بَان احدهما فَاسق وَلَا أعرفهُ بِعَيْنِه فَجَائِز على اصله أَن يكون على واتباعه فاسقين مخلدين فى النَّار وَجَائِز ان يكون الْفَرِيق الآخر الَّذين كَانُوا أَصْحَاب الْجمل فى النَّار خَالِدين فَشك فى عَدَالَة على وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر مَعَ شَهَادَة النبى ﵇ لهَؤُلَاء الثَّلَاثَة بِالْجنَّةِ وَمَعَ دُخُولهمْ فى بيعَة الرضْوَان وفى جملَة الَّذين قَالَ الله تَعَالَى فيهم ﴿لقد رَضِي الله عَن الْمُؤمنِينَ إِذْ يُبَايعُونَك تَحت الشَّجَرَة﴾ وَكَانَ عَمْرو بن عبيد يَقُول بقول وَاصل فى فريقي الْجمل وَزَاد عَلَيْهِ القَوْل بِالْقطعِ على فسق كل فرقة من الْفرْقَتَيْنِ وَذَلِكَ ان واصلا إِنَّمَا قطع بفسق أحد الْفَرِيقَيْنِ وَلم يحكم بِشَهَادَة رجلَيْنِ أَحدهمَا من أَصْحَاب على وَالْآخر من أَصْحَاب الْجمل وَقبل شَهَادَة رجلَيْنِ من أَصْحَاب على وَشَهَادَة رجلَيْنِ من أَصْحَاب الْجمل وَقَالَ عَمْرو بن عبيد لَا أقبل شَهَادَة الْجَمَاعَة مِنْهُم سَوَاء كَانُوا من أحد الْفَرِيقَيْنِ وَكَانَ بَعضهم من حزب على وَبَعْضهمْ من حزب الْجمل فَاعْتقد فسق الْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا وواجب على أَصله ان يكون على وابناه وَابْن عَبَّاس وعمار وَأَبُو أَيُّوب الانصارى وَخُزَيْمَة بن ثَابت الانصارى الذى جعل رَسُول الله ﷺ شَهَادَته بِمَنْزِلَة شَهَادَة رجلَيْنِ عَدْلَيْنِ وَسَائِر أَصْحَاب على مَعَ طَلْحَة وَالزُّبَيْر وَعَائِشَة
[ ٣٠٦ ]
وَسَائِر اصحاب الْجمل فاسقين مخلدين فى النَّار وَفِيهِمْ من الصَّحَابَة الوف وَقد كَانَ مَعَ على خَمْسَة وَعِشْرُونَ بَدْرِيًّا واكثر اصحاب أحد وسِتمِائَة من الانصار وَجَمَاعَة من الْمُهَاجِرين الاولين وَقد كَانَ أَبُو الْهُذيْل والجاحظ واكثر الْقَدَرِيَّة فى هَذَا الْبَاب على رأى وَاصل بن عطا فيهم فَكيف يكون مقتديا بالصحابة من يفسق اكثرهم ويراهم من أهل النَّار وَمن لَا يرى شَهَادَتهم مَقْبُولَة كَيفَ يقبل روايتهم وَمن رد رواياتهم ورد شهاداتهم خرج عَن سمتهم ومتابعتهم وانما يقْتَدى بهم من يعْمل برواياتهم وَيقبل شهاداتهم كدأب أهل السّنة وَالْجَمَاعَة فى ذَلِك واما الْخَوَارِج فقد اكفروا عليا وابنيه وَابْن عَبَّاس وابا أَيُّوب الانصارى واكفروا ايضا عُثْمَان وَعَائِشَة وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر واكفروا كل من لم يُفَارق عليا وَمُعَاوِيَة بعد التَّحْكِيم واكفروا كل ذى ذَنْب من الامة وَلَا يكون على سمت الصَّحَابَة من يَقُول بتكفير اكثرها واما الغلاة من الروافض كالسبابية والبيانية والمغيرية والمنصورية والجناحية والخطابية وَسَائِر الحلولية فقد بَينا خُرُوجهمْ عَن فرق الاسلام وَبينا أَنهم فى عداد عَبدة الاصنام أَو فى عداد الحلولية من النَّصَارَى وَلَيْسَ لعبدة الاصنام وَلَا لِلنَّصَارَى وَسَائِر الْكَفَرَة
[ ٣٠٧ ]
بالصحابة اسوة وَلَا قدوة واما الزيدية مِنْهُم فالجارودية مِنْهُم يكفرون أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان واكثر الصَّحَابَة وَلَا يقْتَدى بهم من يكفر اكثرهم والسليمانية البشرية من الزيدية يكفرون عُثْمَان اَوْ يوقفون فِيهِ ويفسقون ناصريه ويكفرون اكثر اصحاب الْجمل واما الامامية مِنْهُم فقد زعم اكثرهم أَن الصَّحَابَة ارْتَدَّت بعد النبى ﷺ سوى على وابنيه وَمِقْدَار ثَلَاثَة عشر مِنْهُم وَزَعَمت الكاملية مِنْهُم أَن عليا ايضا ارْتَدَّ وَكفر بِتَرْكِهِ قِتَالهمْ فَكيف يكون على سمت الصَّحَابَة من يَقُول بتكفيرهم ثمَّ نقُول كَيفَ يكون الرافضة والخوارج والقدرية والجهمية والنجارية والبكرية والضرارية موافقين للصحابة وهم بأجمعهم لَا يقبلُونَ شَيْئا مِمَّا روى عَن الصَّحَابَة فى أَحْكَام الشَّرِيعَة لامتناعهم من قبُول رِوَايَات الحَدِيث وَالسير والمغازى من اجل تكفيرهم لأَصْحَاب الحَدِيث الَّذين هم نقلة الاخبار والْآثَار وَرَوَاهُ التواريخ وَالسير وَمن اجل تكفيرهم فُقَهَاء الامة الَّذين ضبطوا آثَار الصَّحَابَة وقاسوا فروعهم على فَتَاوَى الصَّحَابَة وَلم يكن بِحَمْد الله وَمِنْه فى الْخَوَارِج وَلَا فى الروافض وَلَا فى الْجَهْمِية وَلَا فى الْقَدَرِيَّة وَلَا فى المجسمة وَلَا فى سَائِر اهل الاهواء الضَّالة قطّ إِمَام فى الْفِقْه وَلَا إِمَام فى رِوَايَة الحَدِيث وَلَا إِمَام
[ ٣٠٨ ]
فى اللُّغَة والنحو وَلَا موثوق بِهِ فى نقل المغازى وَالسير والتواريخ وَلَا إِمَام فِي الْوَعْظ والتذكير وَلَا إِمَام فى التَّأْوِيل وَالتَّفْسِير وانما كَانَ أَئِمَّة هَذِه الْعُلُوم على الْخُصُوص والعموم من اهل السّنة وَالْجَمَاعَة واهل الاهواء الضَّالة اذا ردوا الرِّوَايَات الْوَارِدَة عَن الصَّحَابَة فى احكامهم وسيرهم لم يَصح اقتداؤهم بهم مَتى لم يشاهدوهم وَلم يقبلُوا رِوَايَة اهل الرِّوَايَة عَنْهُم وَبَان من هَذَا أَن المقتدين بالصحابة من يعْمل بِمَا قد صَحَّ بالرواية الصَّحِيحَة فِي احكامهم وسيرهم وَذَلِكَ سنة اهل السّنة دون ذوى السّنة وَصَحَّ بِصِحَّة مَا ذَكرْنَاهُ تَحْقِيق نجاتهم كَحكم النبى ﷺ بنجاة المقتدين باصحابه وَالْحَمْد لله على ذَلِك