قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهبت الْمُعْتَزلَة إِلَى أَن الله ﷾ فِي كل مَكَان وَاحْتَجُّوا بقول الله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم وَلَكِن لَا تبصرون﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد قَول الله تَعَالَى يجب حمله على ظَاهره مَا لم يمْنَع من حمله على ظَاهره نَص آخر أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة حس وَقد علمنَا أَن كل مَا كَانَ فِي مَكَان فَإِنَّهُ شاغل لذَلِك الْمَكَان وَمَالِي لَهُ ومتشكل بشكل الْمَكَان وَالْمَكَان متشكل بشكله وَلَا بُد من أحد الْأَمريْنِ ضَرُورَة وَعلمنَا أَن مَا كَانَ فِي مَكَان فَإِنَّهُ متناه بتناهي مَكَانَهُ وَهُوَ ذُو جِهَات سِتّ أَو خمس متناهية فِي مَكَانَهُ وَهَذِه كلهَا صِفَات الْجِسْم فَلَمَّا صَحَّ مَا ذكرنَا علمنَا أَن قَوْله تَعَالَى ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ من حَبل الوريد﴾ ﴿وَنحن أقرب إِلَيْهِ مِنْكُم﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿مَا يكون من نجوى ثَلَاثَة إِلَّا هُوَ رابعهم﴾ إِنَّمَا هُوَ التَّدْبِير لذَلِك والإحاطة بِهِ فَقَط ضَرُورَة لانْتِفَاء مَا عدا ذَلِك وَأَيْضًا فَإِن قَوْلهم فِي كل مَكَان خطأ لِأَنَّهُ يلْزم بِمُوجب هَذَا القَوْل أَنه يمْلَأ الْأَمَاكِن كلهَا وَأَن يكون مَا فِي الْأَمَاكِن فِيهِ الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَهَذَا محَال فَإِن قَالُوا هُوَ فِيهَا بِخِلَاف كَون المتمكن فِي الْمَكَان قيل لَهُم هَذَا لَا يعقل وَلَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل وَقد قُلْنَا أَنه لَا يجوز إِطْلَاق اسْم على غير مَوْضُوعه فِي اللُّغَة إِلَّا أَن يَأْتِي بِهِ نَص فيقف عِنْده وندري حِينَئِذٍ أَنه مَنْقُول إِلَى ذَلِك الْمَعْنى الآخر وَإِلَّا فَلَا فَإذْ قد صَحَّ مَا قد ذكرنَا فَلَا يجوز أَن يُطلق القَوْل بِأَن الله تَعَالَى فِي كل مَكَان لَا على تَأْوِيل وَلَا غَيره لِأَنَّهُ حكم بِأَنَّهُ تَعَالَى فِي الْأَمْكِنَة لَكِن يُطلق القَوْل بِأَنَّهُ تَعَالَى مَعنا فِي كل مَكَان وَيكون قَوْلنَا حينئذٍ فِي كل مَكَان إِنَّمَا هُوَ من صلَة الضَّمِير الَّذِي هُوَ النُّون وَالْألف اللَّذَان فِي مَعنا لَا مِمَّا يخبر بِهِ عَن الله تَعَالَى وَهَذَا هُوَ معنى قَوْله ﴿هُوَ مَعَهم أَيْن مَا كَانُوا﴾ وَهُوَ مَعكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُم وَذهب قوم إِلَى أَن الله تَعَالَى فِي مَكَان دون مَكَان وَقَوْلهمْ هَذَا يفْسد بِمَا ذكرنَا آنِفا وَلَا فرق وَاحْتج هَؤُلَاءِ بقوله تَعَالَى ﴿الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقد تَأَول الْمُسلمُونَ فِي هَذِه الْآيَة تأويلات أَرْبَعَة أَحدهَا قَول المجسمة وَقد
[ ٢ / ٩٦ ]
أبنا بحول الله فَسَاده وَالْآخر قالته الْمُعْتَزلَة وَهُوَ أَن مَعْنَاهُ استولى وأنشدوا قد اسْتَوَى بشر على الْعرَاق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا فَاسد لِأَنَّهُ لَو كَانَ ذَلِك لما كَانَ الْعَرْش أولى بِالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهِ من سَائِر الْمَخْلُوقَات ولجاز لنا أَن نقُول الرَّحْمَن على الأَرْض اسْتَوَى لِأَنَّهُ تَعَالَى مستولٍ عَلَيْهَا وعَلى كل مَا خلق وَهَذَا لَا يَقُوله أحد فَصَارَ هَذَا القَوْل دَعْوَى مُجَرّدَة بِلَا دَلِيل فَسقط وَقَالَ بعض أَصْحَاب بن كلاب أَن الاسْتوَاء صفة ذَات وَمَعْنَاهُ نفي الاعوجاج
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا القَوْل فِي غَايَة الْفساد لوجوه أَحدهَا أَنه تَعَالَى لم يسم نَفسه مستويًا وَلَا يحل لأحد أَن يسم الله تَعَالَى بِمَا لم يسم بِهِ نَفسه لِأَن من فعل ذَلِك فقد ألحد فِي أَسْمَائِهِ حُدُود الله أَي مَال عَن الْحق وَقد حد الله تَعَالَى فِي تَسْمِيَته حدودًا فَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ وَثَانِيها أَن الْأمة مجمعة على أَنه لَا يَدْعُو أحد فَيَقُول يَا مستوي ارْحَمْنِي وَلَا يُسَمِّي ابْنه عبد المستوي وَثَالِثهَا أَنه لَيْسَ كل مَا نفي عَن الله ﷿ وَجب أَن يُوقع عَلَيْهِ ضِدّه لأننا ننفي عَن الله تَعَالَى السّكُون وَلَا يحل أَن يُسمى الله متحركًا وننفي عَنهُ الْحَرَكَة وَلَا يجوز أَن يُسمى سَاكِنا وننفي عَنهُ الْجِسْم وَلَا يجوز أَن يُسمى سَاكِنا وَنفي عَنهُ النّوم وَلَا يجوز أَن يُسمى يقظانًا وَلَا منتبهًا وَلَا أَن يُسمى لنفي الانحناء عَنهُ مُسْتَقِيمًا وَكَذَلِكَ كل صفة لم يَأْتِ بهَا النَّص فَكَذَلِك الاسْتوَاء والاعوجاج منفيان عَنهُ مَعًا ﷾ وَتَعَالَى الله عَن ذَلِك لِأَن كل ذَلِك من صِفَات الْأَجْسَام وَمن جملَة الْإِعْرَاض وَالله قد تَعَالَى عَن الْأَعْرَاض وَرَابِعهَا أَنه يلْزم من قَالَ بِهَذَا القَوْل الْفَاسِد أَن يكون الْعَرْش لم يزل تَعَالَى الله عَن ذَلِك لِأَنَّهُ تَعَالَى علق الاسْتوَاء بالعرش فَلَو كَانَ الاسْتوَاء لم يزل لَكَانَ الْعَرْش لم يزل وَهَذَا كفر وخامسها أَنه لَو كَانَ الاسْتوَاء هَهُنَا نفي الاعوجاج لم يكن لإضافة ذَلِك إِلَى الْعَرْش معنى ولكان كلَاما فَاسِدا لاوجه لَهُ فَإِن اعْترضُوا فَقَالُوا إِنَّكُم تسمونه سميعًا بَصيرًا وَأَنه لم يزل كَذَلِك فيلزمكم على هَذَا أَن المسموعات والمبصرات لم تزل قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد هَذَا لَا يلْزمنَا لأننا لَا نسمي الله ﷿ إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه فَنَقُول قَالَ الله تَعَالَى السَّمِيع الْبَصِير فَقُلْنَا بذلك أَنه لم يزل وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير بِذَاتِهِ كَمَا هُوَ وَلَا نقُول لَا يسمع وَلَا يبصر فنزيد على مَا أَتَى بِهِ النَّص شَيْئا وَنحن نقُول أَنه تَعَالَى لم يزل سمعيا للمسموعات بَصيرًا بالمبصرات يرى المرئيات وَيسمع المسموعات وَمعنى هَذَا كُله أَنه عَالم بِكُل ذَلِك كَمَا قَالَ الله تَعَالَى إِنَّنِي مَعَكُمَا أسمع وَأرى
وَهَذَا كُله معنى الْعلم الَّذِي لَا يَقْتَضِي وجود المعلومات لم تزل لَكِن يعلم مَا يكون أَنه سَيكون على حَقِيقَته وَيعلم مَا هُوَ كَمَا هُوَ وَيعلم مَا قد كَانَ كَمَا قد كَانَ وَهَذَا نجده حسا ومشاهدة وضرورة لأننا فِيمَا بَيْننَا قد نعلم أَن زيدا سيموت وَمَوته لم يَقع وَلَيْسَ هَكَذَا قَوْلهم فِي الاسْتوَاء لِأَنَّهُ مُرْتَبِط بالعرش فَإِن قَالُوا لنا فَإِذن معنى سميع بَصِير هُوَ بعد
[ ٢ / ٩٧ ]
معنى عليم فَقولُوا أَنه تَعَالَى يبصر المسموعات وَيسمع المرئيات قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مَا يمْنَع من هَذَا وَلَا ننكره بل هُوَ صَحِيح لِأَن الله تَعَالَى إِنَّمَا قَالَ أسمع وَأرى فَهَذَا إِطْلَاق لَهُ على كل شَيْء على عُمُومه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَالْقَوْل الرَّابِع فِي معنى الاسْتوَاء هُوَ أَن معنى قَوْله تَعَالَى على الْعَرْش اسْتَوَى أَنه فعل فعله فِي الْعَرْش وَهُوَ انْتِهَاء خلقه إِلَيْهِ فَلَيْسَ بعد الْعَرْش شَيْء وَيبين ذَلِك أَن رَسُول الله ﷺ ذكر الجنات وَقَالَ فسألوا الله الفردوس الْأَعْلَى فَإِنَّهُ وسط الْجنَّة وَأَعْلَى الْجنَّة وَفَوق ذَلِك عرش الرَّحْمَن فصح أَنه لَيْسَ وَرَاء الْعَرْش خلق وَأَنه نِهَايَة جرم الْمَخْلُوقَات الَّذِي لَيْسَ خَلفه خلاء وَلَا ملاء وَمن أنكر أَن يكون للْعَالم نِهَايَة من المساحة وَالزَّمَان وَالْمَكَان فقد لحق بقول الدهرية وَفَارق الْإِسْلَام والاستواء فِي اللُّغَة يَقع على الِانْتِهَاء قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلمًا﴾ أَي فَمَا انْتهى إِلَى الْقُوَّة وَالْخَيْر وَقَالَ تَعَالَى ﴿ثمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاء وَهِي دُخان﴾ أَي أَن خلقه وَفعله انْتهى إِلَى السَّمَاء بعد أَن رتب الأَرْض على مَا هِيَ عَلَيْهِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَهَذَا هُوَ الْحق وَبِه نقُول لصِحَّة الْبُرْهَان بِهِ وَبطلَان مَا عداهُ فَأَما القَوْل الثَّالِث فِي الْمَكَان فَهُوَ أَن الله تَعَالَى لَا فِي مَكَان وَلَا فِي زمَان أصلا وَهُوَ قَول الْجُمْهُور من أهل السّنة وَبِه نقُول وَهُوَ الَّذِي لَا يجوز غَيره لبُطْلَان كل مَا عداهُ وَلقَوْله تَعَالَى ﴿أَلا إِنَّه بِكُل شَيْء مُحِيط﴾ فَهَذَا يُوجب ضَرُورَة أَنه تَعَالَى لَا فِي مَكَان إِذْ لَو كَانَ فِي الْمَكَان لَكَانَ الْمَكَان محيطًا بِهِ من جِهَة مَا أَو من جِهَات وَهَذَا مُنْتَفٍ عَن الْبَارِي تَعَالَى بِنَصّ الْآيَة المذكروة وَالْمَكَان شَيْء بِلَا شكّ فَلَا يجوز أَن يكون شَيْء فِي مَكَان وَيكون هُوَ محيطًا بمكانه هَذَا محَال فِي الْعقل يعلم امْتِنَاعه ضَرُورَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فَإِنَّهُ فِي مَكَان إِلَّا مَا كَانَ جسمًا أَو عرضا فِي جسم هَذَا الَّذِي لَا يجوز سواهُ وَلَا يتنكل فِي الْعقل وَالوهم غَيره الْبَتَّةَ وَإِذا انْتَفَى أَن يكون الله ﷿ جسما أَو عرضا فقد انْتَفَى أَن يكون فِي مَكَان أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد وَأما قَوْله تَعَالَى ﴿وَيحمل عرش رَبك فَوْقهم يَوْمئِذٍ ثَمَانِيَة﴾ فَقَوله الْحق نؤمن بِهِ يَقِينا وَالله أعلم بمراده فِي هَذَا القَوْل وَلَعَلَّه عَنى ﷿ السَّمَوَات السَّبع والكرسي فَهَذِهِ ثَمَانِيَة أجرام هِيَ يَوْمئِذٍ والآن بَيْننَا وَبَين الْعَرْش ولعلهم أَيْضا ثَمَانِيَة مَلَائِكَة وَالله أعلم نقُول مَا قَالَ رَبنَا تَعَالَى ونقطع أَنه حق يَقِين على ظَاهره وَهُوَ أعلم بِمَعْنَاهُ وَمرَاده وَأما الخرافات فلسنا مِنْهَا فِي شَيْء وَلَا يَصح فِي هَذَا خبر عَن رَسُول الله ﷺ وَلَكنَّا نقُول هَذِه غيوب لَا دَلِيل لنا على المُرَاد بهَا لَكنا نقُول ﴿آمنا بِهِ كل من عِنْد رَبنَا﴾ وكل مَا قَالَه الله تَعَالَى فَحق لَيْسَ مِنْهُ شَيْء منافيًا للمعقول بل هُوَ كُله قبل أَن يخبرنا الله تَعَالَى فِي حد الْإِمْكَان عندنَا ثمَّ إِذا أخبر بِهِ ﷿ صَار وَاجِبا حَقًا يَقِينا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله﴾ فصح يَقِينا أَن للعرش حَملَة وهم الْمَلَائِكَة المنقادون لأَمره تَعَالَى كَمَا نقُول أَنا أحمل هَذَا الْأَمر أَي أقوم بِهِ وأتولاه وَقد قَالَ تَعَالَى أَنهم يَفْعَلُونَ مَا يؤمرون
[ ٢ / ٩٨ ]
وَأَنَّهُمْ يتنزلون بِالْأَمر وَأما الْحَامِل للْكُلّ والممسك للْكُلّ فَهُوَ الله ﷿ قَالَ الله تَعَالَى ﴿إِن الله يمسك السَّمَاوَات وَالْأَرْض أَن تَزُولَا وَلَئِن زالتا إِن أمسكهما من أحد من بعده﴾