قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ النَّصَارَى وَإِن كَانُوا أهل كتاب ويقرون بنبوة بعض الْأَنْبِيَاء ﵈ فَإِن جماهيرهم وفرقهم لَا يقرونَ بِالتَّوْحِيدِ مُجَردا بل يَقُولُونَ بالتثليث فَهَذَا مَكَان الْكَلَام عَلَيْهِم وَالْمَجُوس أَيْضا وَإِن كَانُوا أهل كتاب لَا يقرونَ بِبَعْض الْأَنْبِيَاء وَلَكنَّا أدخلناهم فِي هَذَا الْمَكَان لقَولهم بفاعلين لم يَزَالَا فالنصارى أَحَق بالإدخال هَا هُنَا لأَنهم يَقُولُونَ بِثَلَاثَة لم يزَالُوا
وَالنَّصَارَى فرق مِنْهُم أَصْحَاب أريوس وَكَانَ قسيسًا بالإسكندرية وَمن قَوْله التَّوْحِيد الْمُجَرّد وَأَن عِيسَى ﵇ عبد مَخْلُوق وَأَنه كلمة الله تَعَالَى الَّتِي بهَا خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَكَانَ فِي زمن قسطنطين الأول باني الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَأول من تنصر من مُلُوك الرّوم وَكَانَ على مَذْهَب أريوس هَذَا
وَمِنْهُم أَصْحَاب بولس الشمشاطي وَكَانَ بطريركيا بأنطاكية قبل ظُهُور النَّصْرَانِيَّة وَكَانَ قَوْله التَّوْحِيد الْمُجَرّد الصَّحِيح وَأَن عِيسَى عبد الله وَرَسُوله كَأحد الْأَنْبِيَاء ﵈ خلقه الله تَعَالَى فِي بطن مَرْيَم من غير ذكر وَأَنه إِنْسَان لَا إلهية فِيهِ وَكَانَ يَقُول لَا أَدْرِي مَا الْكَلِمَة وَلَا روح الْقُدس
وَكَانَ مِنْهُم مقدونيوس وَكَانَ بطريركًا فِي الْقُسْطَنْطِينِيَّة بعد ظُهُور النَّصْرَانِيَّة أَيَّام قسطنطين بن قسطنطين باني الْقُسْطَنْطِينِيَّة وَكَانَ هَذَا الْملك أريوسيًا كَاتبه وَكَانَ من قَول مقدونيوس هَذَا التَّوْحِيد الْمُجَرّد وَأَن عِيسَى عبد مَخْلُوق إِنْسَان نَبِي رَسُول الله كَسَائِر الْأَنْبِيَاء ﵈ وَأَن عِيسَى هُوَ روح الْقُدس وَكلمَة الله ﷿ وَأَن روح الْقُدس والكلمة مخلوقان خلق الله كل ذَلِك
وَمِنْهُم البربرانية وهم يَقُولُونَ أَن عِيسَى وَأمه إلهان من دون الله ﷿
[ ١ / ٤٧ ]
وَهَذِه الْفرْقَة قد بادت وعمدتهم الْيَوْم ثَلَاث فرق فأعظمها فرقة الملكانية وَهِي مَذْهَب جَمِيع مُلُوك النَّصَارَى حَيْثُ كَانُوا حاشي الْحَبَشَة والنوبة وَمذهب عَامَّة أهل كل مملكة لِلنَّصَارَى حَيْثُ كَانُوا حاشي الْحَبَشَة والنوبة وَمذهب جَمِيع نَصَارَى أفريقية وصقلية والأندلس وَجُمْهُور الشَّام وَقَوْلهمْ أَن الله تَعَالَى عبارَة عَن قَوْلهم ثَلَاثَة أَسبَاب أَب وَابْن وروح الْقُدس كلهَا لم تزل وَأَن عِيسَى ﵇ إِلَه تَامّ كُله وإنسان تَامّ كُله لَيْسَ أَحدهمَا غير الآخر وَأَن الْإِنْسَان مِنْهُ هُوَ الَّذِي صلب وَقتل وَأَن الْإِلَه مِنْهُ لم ينله شَيْء من ذَلِك وَأَن مَرْيَم ولدت الْإِلَه وَالْإِنْسَان وأنهما مَعًا شيءٌ وَاحِد ابْن الله تَعَالَى الله عَن كفرهم وَقَالَت النسطورية مثل ذَلِك سَوَاء بِسَوَاء إِلَّا أَنهم قَالُوا إِن مَرْيَم لم تَلد الْإِلَه وَإِنَّمَا ولدت الْإِنْسَان وَأَن الله تَعَالَى لم يلد الْإِنْسَان وَإِنَّمَا ولد الْإِلَه تَعَالَى الله عَن كفرهم وَهَذِه الْفرْقَة غالبة على الْموصل وَالْعراق وَفَارِس وخراسان وهم منسوبون إِلَى نسطور بطريركًا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَقَالَت اليعقوبية إِن الْمَسِيح هُوَ الله تَعَالَى نَفسه وَأَن الله تَعَالَى عَن عَظِيم كفرهم مَاتَ وصلب وَقتل وَأَن الْعَالم بَقِي ثَلَاثَة أَيَّام بِلَا مُدبر والفلك بِلَا مُدبر ثمَّ قَامَ وَرجع كَمَا كَانَ وَأَن الله تَعَالَى عَاد مُحدثا وَأَن الْمُحدث عَاد قَدِيما وَأَنه تَعَالَى هُوَ كَانَ فِي بطن مَرْيَم مَحْمُولا بِهِ وهم فِي أَعمال مصر وَجَمِيع النّوبَة وَجَمِيع الْحَبَشَة وملوك الأمتين المذكورتين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَلَوْلَا أَن الله تَعَالَى وصف قَوْلهم فِي كِتَابه إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله هُوَ الْمَسِيح ابْن مَرْيَم﴾ وَإِذ يَقُول تَعَالَى حاكيًا عَنْهُم ﴿أَن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَإِذ يَقُول تَعَالَى ﴿أَأَنْت قلت للنَّاس اتخذوني وَأمي إِلَهَيْنِ من دون الله﴾ لما انْطلق لِسَان مُؤمن بحكاية هَذَا القَوْل الْعَظِيم الشنيع السَّمْح السخيف وتاالله لَوْلَا أننا شاهدنا النَّصَارَى مَا صدقنا أَن فِي الْعَالم عقلا يسع هَذَا الْجُنُون ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
فَأَما لايعقوبية فَإِنَّهُم ينسبون إِلَى يَعْقُوب البرذعاني وَكَانَ رَاهِبًا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وهم فرقة نافرت الْعقل والحس منافرة وحشية تَامَّة لِأَن الاستحالة بقلة والبقلة والاستحالة لَا يُوصف بهما الأول الَّذِي لم يزل تَعَالَى عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَلَو كَانَ كَذَلِك لَكَانَ مخلوقًا والمحدث يَقْتَضِي مُحدثا خَالِقًا لَهُ وَيَكْفِي من بطلَان هَذَا القَوْل دُخُوله فِي بَاب الْمحَال والممتنع الَّذِي قد أوجب الْعقل والحس بُطْلَانه وَلَيْسَ فِي بَاب الْمحَال أعظم من أَن يكون الَّذِي لم يزل يعود مُحدثا لم يكن ثمَّ كَانَ وَأَن يُشِير غير الْمُؤلف مؤلفًا
[ ١ / ٤٨ ]
وَيلْزم هَؤُلَاءِ الْقَوْم أَن يعرفونا من دبر السَّمَوَات وَالْأَرْض وأدار الْفلك هَذِه الثَّلَاثَة الْأَيَّام الَّتِي كَانَ فِيهَا مَيتا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا
ثمَّ يُقَال لِلْقَائِلين بِأَن الْبَارِي تَعَالَى ثَلَاثَة أَشْيَاء أَب وَابْن وروح الْقُدس أخبرونا إِذْ هَذِه الْأَشْيَاء لم تزل كلهَا وَأَنَّهَا مَعَ ذَات شَيْء وَاحِد إِن كَانَ ذَلِك كَمَا ذكرْتُمْ فَبِأَي معنى اسْتحق أَن يكون أَحدهَا يُسمى أَبَا وَالثَّانِي أَبَا وَأَنْتُم تَقولُونَ أَن الثَّلَاثَة وَاحِد وَأَن كل وَاحِد مِنْهَا هُوَ الآخر فالأب هُوَ الابْن وَالِابْن هُوَ الْأَب وَهَذَا هُوَ عين التَّخْلِيط وانجيلهم يبطل هَذَا بقَوْلهمْ فِيهِ سأقعد عَن يَمِين أبي وبقولهم فِيهِ أَن الْقِيَامَة لَا يعلمهَا إِلَّا الْأَب وَحده وَأَن الابْن لَا يعلمهَا فَهَذَا يُوجب أَن الابْن لَيْسَ هُوَ الْأَب وَإِن كَانَت الثَّلَاثَة متغابرة وهم لَا يَقُولُونَ بِهَذَا فيلزمهم أَن يكون فِي الابْن معنى من الضعْف أَو من الْحُدُوث أَو من النَّقْص بِهِ وَجب أَن ينحط عَن دَرَجَة الْأَب وَالنَّقْص لَيْسَ من صفة الَّذِي لم يزل مَعَ مَا يدْخل على من قَالَ بِهَذَا من وجوب أَن تكون محدثة لحصر الْعدَد وَجرى طبيعة النَّقْص وَالزِّيَادَة فِيهَا على حسب مَا قدمْنَاهُ فِي حُدُوث الْعَالم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَقد لفق بَعضهم أَشْيَاء قَالُوا أَنَّهَا لَا معنى لَهَا إِلَّا أننا ننبه عَلَيْهَا ليتبن هجنة قَوْلهم وَضَعفه بحول الله تَعَالَى وقوته وَذَلِكَ أَن بَعضهم قَالَ لما وَجب أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى حَيا وعالما وَجب أَن تكون لَهُ حَيَاة وَعلم فحياته هِيَ الَّتِي تسمى روح الْقُدس وَعلمه هُوَ الَّذِي يُسمى الابْن
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا من أغث مَا يكون من الِاحْتِجَاج لأننا قد قدمنَا أَن الْبَارِي تَعَالَى لَا يُوصف بِشَيْء من هَذَا من طَرِيق الِاسْتِدْلَال لَكِن من طَرِيق السّمع خَاصَّة وَلَا يَصح لَهُم دَلِيل لَا من إنجيلهم وَلَا من غَيره من الْكتب أَن الْعلم يُسمى ابْنا وَلَا فِي كتبهمْ أَن علم الله هُوَ ابْنه وَقد ادّعى بَعضهم أَن هَذَا تَقْتَضِيه اللُّغَة اللاتينية أَن علم الْعَالم يُقَال فِيهِ أَنه ابْنه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا بَاطِل ظَاهر الْكَذِب لِأَن الْإِنْجِيل الَّذِي كَانَ فِيهِ ذكر الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس لَا يخْتَلف أحد من النَّاس فِي أَنه إِنَّمَا نقل عَن اللُّغَة العبرانية إِلَى السريانية وَغَيرهَا فَعبر عَن تِلْكَ الْأَلْفَاظ العبرانية وَبهَا كَانَ فِيهِ ذكر الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس وَلَيْسَ فِي اللُّغَة العبرانية شَيْء مِمَّا ذكر وَادّعى وَإِن كَانُوا مِمَّن يَقُولُونَ بِتَسْمِيَة الْبَارِي
[ ١ / ٤٩ ]
﷿ من طَرِيق الِاسْتِدْلَال فقد أسقطوا صفة الْقُدْرَة إِذْ لَيْسَ الِاسْتِدْلَال على كَونه عَالما بأصح لَا أولى من الِاسْتِدْلَال على كَونه قَادِرًا لَا سِيمَا مَعَ قَول بولس وَهُوَ عِنْدهم فَوق الْأَنْبِيَاء أَن الْمَسِيح قدرَة الله وَعلمه تَعَالَى قَالَ هَذَا النَّص فِي رسَالَته الأولى إِلَى أهل قريته فليضيفوا إِلَى هَذِه الثَّلَاث صفة رَابِعَة وَهِي الْقُدْرَة وَأُخْرَى وَهِي السّمع وَأُخْرَى وَهِي الْبَصَر وَأُخْرَى وَهِي الْكَلَام وَأُخْرَى وَهِي الْعقل وَأُخْرَى وَهِي الْحِكْمَة وَأُخْرَى وَهِي الْجُود فَإِن قَالُوا الْقُدْرَة هِيَ الْحَيَاة قيل لَهُم وَالْعلم هُوَ الْحَيَاة فَإِن قَالُوا لَيْسَ الْعلم الْحَيَاة لِأَنَّهُ قد يكون حَيّ لَيْسَ عَالما كَالْمَجْنُونِ قيل لَهُم قد يكون حَيّ لَيْسَ قَادِرًا كالمغشي عَلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك فالقدرة لَيست الْحَيَاة وَأَيْضًا فَإِن كَانَ الابْن هُوَ الْعلم وروح الْقُدس هُوَ الْحَيَاة فَمَا بَال إقحامهم الْمَسِيح ﵇ فِي أَنه الابْن وروح الْقُدس أَتَرَى الْمَسِيح هُوَ حَيَاة الله وَعلمه وَمَا بَال قَول بَعضهم أَن مَرْيَم ولدت ابْن الله أتراها ولدت علم الله أَيكُون فِي التَّخْلِيط أَكثر من هَذَا وَهل حط الْمَسِيح ﵇ من علم الله وحياته إِلَّا كحظ غَيره وَلَا فرق وَهَذَا لَا مخلص مِنْهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق وَقَالَ بَعضهم لما وجدنَا الْأَشْيَاء قسمَيْنِ حَيا وَلَا حَيا وَجب أَن يكون الْبَارِي ﷿ حَيا وَلما وجدنَا الْحَيّ يَنْقَسِم قسمَيْنِ ناطقًا وَغير نَاطِق وَجب أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى ناطقًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا الْكَلَام فِي غَايَة الكلال لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن هَذِه الْقِسْمَة قسْمَة طبيعية وَاقعَة تَحت جنس لِأَنَّهُ إِذا كَانَ تَسْمِيَة الْبَارِي تَعَالَى حَيا إنماا هُوَ من هَذَا الْوَجْه فَهُوَ إِذا يَقع مَعَ سَائِر الْأَحْيَاء تَحت جنس الْحَيّ وَيحد بِحَدّ الْحَيّ وبحد النَّاطِق وَإِذا كَانَ كَذَلِك فَهُوَ مركب من جنسه وفصله وكل مَا كَانَ محدودًا فَهُوَ متناه وكل مَا كَانَ مركبا فَهُوَ مُحدث وَالْوَجْه الثَّانِي أَن هَذِه الْقِسْمَة الَّتِي قسموها منقوضة مموهة لِأَنَّهُ يلْزمهُم أَن يبدؤا بِأول الْقِسْمَة الَّذِي هُوَ أقرب إِلَى الطبيعة فيقولوا وجدنَا الْأَشْيَاء جوهرًا وَلَا جوهرًا ثمَّ يدخلوه تَحت أَي الْقسمَيْنِ شاؤا وهم إِنَّمَا يدخلونه تَحت الْجَوْهَر فَإِذا أدخلوه تَحت الْجَوْهَر فقد وَجب ضَرُورَة أَن يحدوه بِحَدّ الْجَوْهَر فَإِذا كَانَ ذَلِك وَجب أَن يكون مُحدثا إِذْ كل مَحْدُود فَهُوَ مُحدث كَمَا قد بَيناهُ ثمَّ نعترضهم فِي قسمتهم من قبل أَن يبلغُوا إِلَى الْحَيّ النَّاطِق وعَلى بعض الْقسم قبله يَقع الثَّانِي وَهَذِه كلهَا مخلوقات فَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى بَعْضهَا أَو كَانَت هَذِه الصِّفَات وَاقعَة عَلَيْهِ من طَرِيق وجوب وُقُوعهَا علينا لَكَانَ مخلوقًا تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وَقَالَ بَعضهم لما كَانَت الثَّلَاثَة تجمع الزَّوْج والفرد وَهَذَا أكمل الْأَعْدَاد وَجب أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى كَذَلِك لِأَنَّهُ غَايَة الْكَمَال
[ ١ / ٥٠ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا من أغث الْكَلَام لوجوه ضَرُورِيَّة أَحدهَا أَن الْبَارِي تَعَالَى لَا يُوصف بِكَمَال وَلَا تَمام لِأَن الْكَمَال والتمام من بَاب الْإِضَافَة لِأَن التَّمام والكمال لَا يقعان الْبَتَّةَ إِلَّا فِيمَا فِيهِ النَّقْص لِأَن مَعْنَاهُمَا إِنَّمَا هُوَ إِضَافَة شيءٍ إِلَى شيءٍ بِهِ كملت صِفَاته ولولاه لَكَانَ نَاقِصا لَا معنى للتمام والكمال إِلَّا هَذَا فَقَط
وَالْوَجْه الثَّانِي أَن كل عدد بعد الثَّلَاثَة فَهُوَ أتم من الثَّلَاثَة لِأَنَّهُ يجمع إِمَّا زوجا وزوجا وَإِمَّا زوجا وزوجًا وفردًا زأما أَكثر من ذَلِك وبالضرورة يعلم أَن مَا جمع أَكثر من زوج فَهُوَ أتم وأكمل مِمَّا لم يجمع إِلَّا زوجا وفردًا فَقَط فَيلْزمهُ أَن يَقُول أَن ربه أعدادا لَا تتناهى أَو أَنه أَكثر الْأَعْدَاد وَهَذَا أَيْضا مُمْتَنع محَال لَو قَالَه وَكفى فَسَادًا بقول يُؤَدِّي إِلَى الْمحَال
وَالْوَجْه الثَّالِث أَن هَذَا الِاسْتِدْلَال مضاد لقَولهم أَن الثَّلَاثَة وَاحِدًا وَالْوَاحد ثَلَاثَة لِأَن الثَّلَاثَة الَّتِي تجمع الزَّوْج والفرد هِيَ غير الثَّلَاثَة الَّتِي هِيَ عنْدكُمْ وَاحِد بِلَا شكّ لِأَن الثَّلَاثَة الَّتِي تجمع الزَّوْج والفرد لَيست الْفَرد الَّذِي هُوَ فِيهَا وَهِي جَامِعَة لَهُ وَلغيره بل وَلَا هِيَ بعض فَالْكل لَيْسَ هُوَ الْجُزْء والجزء لَيْسَ هُوَ الْكل والفرد جُزْء للثَّلَاثَة وَالثَّلَاثَة كل للفرد وَللزَّوْج مَعَه فالفرد غير الثَّلَاثَة وَالثَّلَاثَة غير الْفَرد وَالْعدَد مركب من وَاحِد يُرَاد بِهِ الْفَرد وَوَاحِد كَذَلِك وَوَاحِد كَذَلِك إِلَى نِهَايَة الْعدَد الْمَنْطُوق بِهِ فالعدد لَيْسَ الْوَاحِد وَالْوَاحد لَيْسَ هُوَ الْعدَد لَكِن الْعدَد مركب من الْآحَاد الَّتِي هِيَ الْأَفْرَاد وَهَكَذَا كل مركب من أَجزَاء فَذَلِك الْمركب لَيْسَ هُوَ جزأ من أَجْزَائِهِ كَالْكَلَامِ الَّذِي هُوَ مركب من حرف وحرف حَتَّى يقوم الْمَعْنى الْمعبر عَنهُ فَالْكَلَام لَيْسَ هُوَ الْحَرْف والحرف لَيْسَ هُوَ الْكَلَام
وَالْوَجْه الرَّابِع أَن هَذَا الْمَعْنى السخيف الَّذِي قَصده هَذَا الْجَاهِل نجده فِي الْإِثْنَيْنِ لِأَن الْإِثْنَيْنِ عدد يجمع فَردا وفردًا وَهُوَ زوج مَعَ ذَلِك فقد وجدنَا فِي الْإِثْنَيْنِ الزَّوْج والفرد فَيلْزمهُ أَن يَجْعَل ربه اثْنَيْنِ
وَالْوَجْه الْخَامِس أَن كل عدد فَهُوَ مُحدث وَكَذَلِكَ كل مَعْدُود يَقع عَلَيْهِ فَهُوَ أَيْضا مُحدث على مَا قد بَينا فِيمَا خلا من كتَابنَا هَذَا والمعدود لم يُوجد قطّ إِلَّا ذَا عدد وَالْعدَد لم يُوجد قطّ إِلَّا فِي مَعْدُود وَالْوَاحد لَيْسَ عددا على مَا نبينه بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَبِه يتم الْكَلَام فِي التَّوْحِيد بحول الله وقوته
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وهم يَقُولُونَ أَن الْإِلَه اتَّحد مَعَ الْإِنْسَان بعنى أَنَّهُمَا صَارا شَيْئا وَاحِدًا فَقَالَت اليعقوبية كاتحاد المَاء يلقِي الخمير فيصيران شَيْئا وَاحِدًا وَقَالَت النسطورية كاتحاد المَاء يلقِي فِي الزَّيْت فَكل وَاحِد مِنْهُمَا بَاقٍ بِحَسبِهِ وَقَالَت الملكية كاتحاد النَّار فِي
[ ١ / ٥١ ]
الصفيحة المحماة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وكل هَذَا فِي غَايَة الْفساد أول ذَلِك أَنَّهَا دُعَاء وَلَا يعجز عَن مثلهَا متحامق وَلَيْسَ فِي إنجيلهم شَيْء من هَذِه الْأَقْسَام وَالثَّانِي أَنَّهَا كلهَا محَال لِأَن قَول الملكية فِي تمثيلهم بِمَا مثلُوا إِنَّمَا هُوَ عرض فِي جَوْهَر وَلَا يتَوَهَّم غير ذَلِك فالإله على قَوْلهم عرض وَالْإِنْسَان جَوْهَر وَهَذَا فِي غَايَة الْفساد وَقَول اليعقوبية أفسد لأننا نقُول لَهُم إِن كَانَ اسْتَحَالَ الْإِلَه إنْسَانا فالمسيح إِنْسَان وَلَيْسَ إِلَهًا وَإِن كَانَ الْإِنْسَان اسْتَحَالَ إِلَهًا فالمسيح إِلَه وَلَيْسَ بِإِنْسَان وَإِن كَانَ كِلَاهُمَا لم يسْتَحل وَاحِد مِنْهَا إِلَى الآخر فَهَذَا هُوَ قَول النسطورية لَا قَوْلهم وَإِن كَانَ كل وَاحِد مِنْهَا اسْتَحَالَ إِلَى الآخر فقد صَار الْإِلَه إِنْسَان لَا إِلَهًا وَصَارَ الْإِنْسَان إِلَهًا لَا إنْسَانا وحصلوا بعد هَذَا الْحمق على قَول النسطورية وَلَا مزِيد وَلنْ كَانَا استحالا إِلَى غير الْإِنْسَان والإله فالمسيح لَا إِلَه وَلَا إِنْسَان وكل هَذَا خلاف قَوْلهم وَأما النسطورية فَلم يزِيدُوا على أَن قَالُوا إِن الْإِنْسَان إِنْسَان والإله إِلَه وَهَكَذَا كل فَاضل وفاسق فِي الْعَالم هُوَ إِنْسَان والإله إِلَه فالمسيح وَغَيره من النَّاس سَوَاء وَأَيْضًا فَإِن مَا لَا قُوَّة محَال لِأَن الَّذِي لم يزل لَا يَسْتَحِيل إِلَى طبيعة الْإِنْسَان الْمُحدث وَلَا يَسْتَحِيل الْمُحدث إِلَهًا لم يزل وَهَذَا محَال بِذَاتِهِ مُمْتَنع لَا يتشكك وَكَذَلِكَ الْإِنْسَان لَا يجاور الْإِلَه مجاورة مكانية لِأَنَّهُ محَال أَيْضا وَكَذَا لَا يتَوَهَّم وَلَا يُمكن أَن يكون الْإِلَه عرضا يحملهُ جَوْهَر الْإِنْسَان وَلَا يُمكن أَن يكون الْإِنْسَان عرضا يحملهُ الْإِلَه فِي ذَاته كَمَا تَدعِي الملكية فِي تَشْبِيه ذَلِك الِاتِّحَاد بضوء الشَّمْس فِي الْبَيْت وبالنار فِي الحديدة المحماة فقد صَحَّ أَن كل مَا قَالُوا محَال وباطل وسخيف لَا يقبله إِلَّا مخذول وَلَا يُمكنهُم ادِّعَاء وجود شَيْء من هَذَا فِي كتب الْأَنْبِيَاء أصلا وَأَيْضًا فَإِنَّهُم يضيفون إِلَى ذكرهم الْأَب وَالِابْن وروح الْقُدس شَيْئا رَابِعا وَهُوَ الْكَلِمَة وَهِي المتحدة عِنْدهم بالإنسان الملتحمة بِهِ فِي مشيمة مَرْيَم ﵍ فَإِن أمانتهم الَّتِي أَنْفقُوا عَلَيْهَا كلهم هِيَ كَمَا نورده نصا نؤمن بِاللَّه الْأَب مَالك كل شَيْء صانع مَا يرى وَمَا لَا يرى وبالرب الْوَاحِد يسوع الْمَسِيح بكر الْخَلَائق كلهَا وَلَيْسَ بمصنوع الْإِلَه حق من الْإِلَه حق من جَوْهَر أَبِيه الَّذِي بِيَدِهِ انفنت العوالم وَخلق كل شَيْء الَّذِي من أجلنا معشر النَّاس وَمن أجل خلاصنا نزل من السَّمَاء وتجسد من روح الْقُدس وَصَارَ إنْسَانا وَولد من مَرْيَم البتول وألم وصلب أَيَّام قيطوش بلاطش وَدفن وَقَامَ وَفِي الْيَوْم الثَّالِث كَمَا هُوَ مَكْتُوب وَصعد إِلَى
[ ١ / ٥٢ ]
السَّمَاء وَجلسَ عَن يَمِين الْأَب وَهُوَ مستعد للمجيء تَارَة أُخْرَى للْقَضَاء بَين الْأَمْوَات والأحياء ونؤمن بِروح الْقُدس الْوَاحِد روح الْحق الَّذِي هُوَ مُشْتَقّ من أَبِيه روح محبَّة وبمعبودية وَاحِدَة لغفران الْخَطَايَا وبجماعة وَاحِدَة قدسية سليحية جائليقية وبقيامة أبداننا وبالحياة الدائمة إِلَى أَبَد الآبدين وَقَالَ فِي أول إنجيل يوحنا التلميذ فِي البدء كَانَت الْكَلِمَة والكلمة عِنْد الله وَالله كَانَ الْكَلِمَة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فَهَذِهِ أَقْوَال إِذا تأملها ذُو عقل علم أَنَّهَا وساوس أَو جُنُون ملقى من الشَّيْطَان لَا يمْتَحن بِهِ إِلَّا مخذول مشهود لَهُ بِبَرَاءَة الله تَعَالَى مِنْهُ وَيُقَال لَهُم الْكَلِمَة هِيَ الْأَب أَو الابْن أَو روح الْقُدس أم شَيْء رَابِع فَإِن قَالُوا شَيْء رَابِع فقد خَرجُوا عَن التَّثْلِيث إِلَى التربيع وَإِن قَالُوا إِنَّهَا أحد الثَّلَاثَة سئلوا عَن الدَّلِيل على ذَلِك إِذْ الدَّعْوَى لَا يعجز عَنْهَا أحد ثمَّ يُقَال لَهُم الْأَب هُوَ الابْن أم غَيره فَإِن قَالُوا هُوَ غَيره سئلوا أَيْضا من الملتحم فِي مشيمة مَرْيَم المتحد مَعَ طبيعة الْمَسِيح الْأَب أم الابْن فَإِن قَالُوا الابْن فقد بَطل أَن يكون هُوَ الْأَب وخالفوا يوحنا إِذْ يَقُول فِي أول إنجيله إِن الْكَلِمَة هِيَ الله فَإِذا كَانَت هِيَ الله والكلمة التحمت فِي مشيمة مَرْيَم فَالله تَعَالَى هُوَ نَفسه التحم فِي مشيمة مَرْيَم وَفِي أمانتهم أَن الابْن هُوَ الَّذِي التحم فِي مشيمة مَرْيَم وَهَذِه وساوس لَا نَظِير لَهَا
وَيُقَال أَيْضا هَل معنى التحم إِلَّا صَار لَحْمًا وَهَذَا غير قَول النسطورية والملكية
وَإِن قَالُوا بل الْأَب فقد بَطل أَن يكون هُوَ الابْن وخالفوا يوحنا وَالْأَمَانَة وَإِن قَالُوا هُوَ الْأَب وَهُوَ الابْن تركُوا قَوْلهم أَن الابْن يقْعد عَن يَمِين أَبِيه وَأَن الْأَب يعلم وَقت الْقِيَامَة وَالِابْن لَا يعلمهَا وَقَوْلهمْ فِي إنجيل يوحنا الْأَب فوض الْأَمر إِلَى ابْنه وَالْأَب أكبر من الابْن فَهَذِهِ نُصُوص على أَن الابْن غير الْأَب إِذْ لَا يقْعد الْمَرْء عَن يَمِين نَفسه وَلَا يُفَوض الْأَمر إِلَى نَفسه وَلَا يجهل مَا يعلم وَهَذَا كُله يبطل قَوْلهم أَن الابْن هُوَ الْعلم وَالْقُدْرَة أَو غير ذَلِك لِأَن هَذِه الصِّفَات لَا تقعد عَن يَمِين حاملها وَلَا يُفَوض إِلَيْهَا شَيْء وَإِن قَالُوا لَا هُوَ هُوَ وَلَا هُوَ غَيره دخل عَلَيْهِم من الْجُنُون مَا يدْخل على من ادّعى أَن الصِّفَات لَا هِيَ الْمَوْصُوف وَلَا هِيَ غَيره وَإِن قَالُوا الْأَب هُوَ الابْن وَهُوَ غَيره لم يكن ذَلِك ببدع من سخافاتهم وخروجهم عَن الْمَعْقُول ولزمهم أَن الابْن ابْن لنَفسِهِ وَأب لنَفسِهِ وَأَن الْأَب أَب لنَفسِهِ وَابْن لنَفسِهِ وَلَيْسَ فِي الْحمق والهوس أَكثر من هَذَا وَلَا مُتَعَلق لَهُم بِشَيْء مِمَّا فِي الزبُور وَلَا فِي كتاب شعياء وَغَيره لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي شَيْء مِنْهَا أَن المُرَاد بِمَا ذكر
[ ١ / ٥٣ ]
هُنَالك هُوَ عِيسَى بن مَرْيَم ﵉ وَقد قَالَ لوقا فِي آخر إنجيله أَنه كَانَ نَبيا مقتدرا عبد الله وَهَذَا كُله بَين عَظِيم مناقضتهم وَمَا توفيقنا إِلَّا بِاللَّه فَإِن تعلقوا بِمَا فِي الْإِنْجِيل من ذكر الْمَسِيح أَنه ابْن الله قيل لَهُم فِي الْإِنْجِيل أَيْضا أبي وأبيكم الله إلهي وإلهكم وَأمرهمْ إِذا دعوا أَن يَقُولُوا يَا أَبَانَا السماوي فَلهُ من ذَلِك كَالَّذي لَهُم وَلَا فرق
فَإِن قَالُوا أَنه أَتَى بالعجائب قيل لَهُم والحواريون أَيْضا عنْدكُمْ أَتَوا بالعجائب ومُوسَى قبله والياس وَسَائِر الْأَنْبِيَاء قد أَتَوا بِمثل مَا أَتَى بِهِ من إحْيَاء الْمَوْتَى وَغَيره فَأَي فرق بَينه وَبينهمْ على أَنه لَيْسَ فِي شَيْء من الْإِنْجِيل نَص الْأَمَانَة الَّتِي لَا يَصح الْإِيمَان عِنْدهم إِلَّا بهَا من ذكر أَب وَابْن وروح الْقُدس مَعًا وَسَائِر مَا فِيهَا وَإِنَّمَا تَقْلِيد لأسلافهم من الأساقفة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
وأمانتهم الَّتِي ذكرُوا أَنهم متفقون عَلَيْهَا مُوجبَة أَن الابْن هُوَ الَّذِي نزل من السَّمَاء وتجسد من روح الْقُدس وَصَارَ إنْسَانا وَقتل وصلب فَيُقَال لَهُم هَذَا الابْن الَّذِي فِي أمانتكم أَنه نزل من السَّمَاء أمخلوقًا كَانَ أَو غير مَخْلُوق بل كَانَ لم يزل فَإِن قَالُوا كَانَ مخلوقًا
فقد تركُوا قَوْلهم لَا سِيمَا أَن قَالُوا لَيْسَ هُوَ غير الْأَب بل يصير الْأَب وروح الْقُدس مخلوقين وَإِن قَالُوا كَانَ قبل أَن ينزل غير مَخْلُوق قيل لَهُم فقد صَار مخلوقًا إنْسَانا وَهَذَا محَال وتناقض وَأَيْضًا فقد لزم من هَذَا أَن الابْن مَخْلُوق وروح الْقُدس مَخْلُوق إِذْ صَار إنْسَانا ثمَّ يُقَال لَهُم أخبرونا عَن هَذَا الابْن الَّذِي أخبرتم عَنهُ بِمَا لم تخبروا عَن الْأَب وَالَّذِي يقْعد عَن يَمِين الرب ثمَّ ينزل لفصل الْقَضَاء أَله علم وحياة أم لَا علم لَهُ وَلَا حَيَاة فَإِن قَالُوا لَا علم لَهُ وَلَا حَيَاة فارقوا إِجْمَاعهم ولزمهم ضَرُورَة أَن قَالُوا مَعَ ذَلِك أَنه غير الْأَب الَّذِي لَهُ حَيَاة وَعلم إِذْ مَا لَا علم لَهُ هُوَ بِلَا شكّ غير الَّذِي لَهُ علم وَالَّذِي لَا حَيَاة لَهُ هُوَ بِلَا شكّ غير الَّذِي لَهُ حَيَاة وَهَذَا ترك مِنْهُم للنصرانية
وَإِن قَالُوا بل لَهُ علم وحياة لَزِمَهُم أَن الأزليين خَمْسَة الْأَب وَعلمه وحياته وَالِابْن الَّذِي هُوَ علم الْأَب وَعلمه وحياته
وَهَكَذَا يسْأَلُون أَيْضا عَن روح الْقُدس وَلَا فرق وَقد قَالَ يوحنا فِي أول إنجيله فَمن تقبله مِنْهُم وآمن بِهِ أَعْطَاهُم سُلْطَانا أَن يَكُونُوا أَوْلَاد الله أُولَئِكَ الْمُؤْمِنُونَ باسمه الَّذين لم يتوالدوا من دم وَلَا شَهْوَة اللَّحْم وَلَا باه رجل وَلَكِن تَوَالَدُوا من الله فصح بِهَذَا أَن لكل نَصْرَانِيّ من ولادَة الله والأزلية والكون من جَوْهَر الْأَب كَالَّذي للمسيح سَوَاء بِسَوَاء وَلَا فرق وَإِلَّا فقد كذب يوحنا اللعين قَائِل هَذَا الْكفْر وَأهل
[ ١ / ٥٤ ]
الْكَذِب هُوَ وَهَذَا مَا لَا انفكاك مِنْهُ وَهَذَا يلْزم الأشعرية الَّذين يَقُولُونَ بِأَن علم الله تَعَالَى وَقدرته هما غير الله تَعَالَى الله عَمَّا يَقُولُونَ علوا كَبِيرا وَمِمَّا يعْتَرض بِهِ علينا الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَمن ذهب إِلَى إِسْقَاط الكواف من سَائِر الْمُلْحِدِينَ إِن قَالَ قَائِلهمْ قد نقلت الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَن الْمَسِيح ﵇ قد صلب وَقتل وَجَاء الْقُرْآن بِأَنَّهُ ﷺ لم يقتل وَلم يصلب فَقولُوا لنا كَيفَ كَانَ هَذَا فَإِن جوزتم على هَذِه الكواف الْعِظَام الْمُخْتَلفَة الْأَهْوَاء والأديان والأزمان والبلدان والأجناس نقل الْبَاطِل فَلَيْسَتْ بذلك أولى من كافتكم الَّتِي نقلت أَعْلَام نَبِيكُم وشرائعه وَكتابه
فَإِن قُلْتُمْ اشْتبهَ عَلَيْهِم فَلم يعْتَمد وانقل الْبَاطِل فقد جوزتم التلبيس على الكواف فَلَعَلَّ كافتكم أَيْضا متلبس عَلَيْهَا فَلَيْسَ سَائِر الكواف أولى بذلك من كافتكم وتولوا لنا كَيفَ فرض الْإِقْرَار بصلب الْمَسِيح عنْدكُمْ قبل وُرُود الْخَبَر عَلَيْكُم بِبُطْلَان صلبه وَقَتله فَإِن قُلْتُمْ كَانَ الْفَرْض على النَّاس الْإِقْرَار بصلبه وَجب من قَوْلكُم الْإِقْرَار أَن الله تَعَالَى فرض على النَّاس الْإِقْرَار بِالْبَاطِلِ وَأَن الله تَعَالَى فرض على النَّاس تَصْدِيق الْبَاطِل والتدين بِهِ وَفِي هَذَا مَا فِيهِ وَإِن قُلْتُمْ كَانَ الْفَرْض عَلَيْكُم الْإِنْكَار لصلبه فقد أوجبتم أَن الله تَعَالَى فرض على النَّاس تَكْذِيب الكواف وَفِي هَذَا إبِْطَال قَول كافتكم بل إبِْطَال جَمِيع الشَّرَائِع بل إبِْطَال كل خبر كَانَ فِي الْعَالم عَن كل بلد وَملك وَنَبِي وفيلسوف وعالم ووقعتم وَفِي هَذَا مَا فِيهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ هَذِه الإلزامات كلهَا فَاسِدَة فِي غَايَة الْحِوَالَة والاضمحلال بِحَمْد الله تَعَالَى وَنحن مبنيون ذَلِك بالبراهين الضرورية بَيَانا لَا يخفى على من لَهُ أدنى فهم بحول الله تَعَالَى وقوته
فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن صلب الْمَسِيح ﵇ لم يقلهُ قطّ كَافَّة وَلَا صَحَّ بالْخبر قطّ لِأَن الكافة الَّتِي يلْزم قبُول نقلهَا هِيَ إِمَّا الْجَمَاعَة الَّتِي يُوقن أَنَّهَا لم تتوطا لتنابذ طرقهم وَعدم التقائهم وَامْتِنَاع اتِّفَاق خواطرهم على الْخَبَر الَّذِي نقلوه عَن مُشَاهدَة أَو رَجَعَ إِلَى مُشَاهدَة وَلَو كَانُوا اثْنَيْنِ فَصَاعِدا وَإِمَّا أَن يكون عدد كثير يمْتَنع مِنْهُ الِاتِّفَاق فِي الطبيعة على التَّمَادِي على سنَن مَا تواطؤا عَلَيْهِ فَأخْبرُوا بِخَبَر شاهدوه وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهِ فَمَا نَقله أحد أهل هَاتين الصفتين عَن مثل أَحدهمَا وَهَكَذَا حَتَّى يبلغ إِلَى مُشَاهدَة فَهَذِهِ صفة الكافة الَّتِي يلْزم قبُول نقلهَا ويضطر خَبَرهَا سامعها إِلَى تَصْدِيقه وَسَوَاء كَانُوا عُدُولًا أَو فساقًا أَو كفَّارًا وَلَا يقطع على صِحَّته إِلَّا ببرهان فَلَمَّا صَحَّ ذَلِك نَظرنَا فِيمَن نقل خبر صلب الْمَسِيح ﵇ فوجدناه كواف
[ ١ / ٥٥ ]
عَظِيمَة صَادِقَة بِلَا شكّ فِي نقلهَا جيلًا بعد جيل إِلَى الَّذين ادعوا مُشَاهدَة صلبه فَإِن هُنَالك تبدلت الصّفة وَرجعت إِلَى شَرط مأمورين مُجْتَمعين مَضْمُون مِنْهُم الْكَذِب وَقبُول الرِّشْوَة على قَول الْبَاطِل وَالنَّصَارَى يقرونَ بِأَنَّهُم لم يقدموا على أَخذه نَهَارا خوف الْعَامَّة وَإِنَّمَا أَخَذُوهُ لَيْلًا عِنْد افْتِرَاق النَّاس عَن الفصح وَأَنه لم يبْق فِي الْخَشَبَة إِلَّا سِتّ سَاعَات من النَّهَار وَأَنه أنزل إِثْر ذَلِك وَأَنه لم يصلب إِلَّا فِي مَكَان نازح عَن الْمَدِينَة فِي بُسْتَان فخار متملك للفخار لَيْسَ موضعا مَعْرُوفا بصلب من يصلب وَلَا مَوْقُوفا لذَلِك وَأَنه بعد هَذَا كُله رسي الشَّرْط على أَن يَقُولُوا أَن أَصْحَابه سَرقُوهُ فَفَعَلُوا ذَلِك وَأَن مَرْيَم المجدلانية وَهِي امْرَأَة من الْعَامَّة تقدم على حضورمة مَوضِع صلبه بل كَانَت واقفة على بعد تنظر هَذَا كُله فِي نَص الْإِنْجِيل عِنْدهم فَبَطل أَن يكون صلبه مَنْقُولًا بكافة بل بِخَبَر يشْهد ظَاهره على أَنه مَكْتُوم متواطأ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ الحواريون ليلتئذ بِنَصّ الْإِنْجِيل إِلَّا خَائِفين على أنفسهم غيبًا عَن ذَلِك المشهد هاربين بأرواحهم مستترين وَإِن شَمْعُون الصَّفَا غرر وَدخل دَار قيقان الكاهن أَيْضا بضوء النَّهَار فَقَالَ لَهُ أَنْت من أَصْحَابه فَانْتفى وَجحد وَخرج هَارِبا عَن الدَّار فَبَطل أَن ينْقل خبر صلبه أحد تطيب النَّفس عَلَيْهِ أَن تظن بِهِ الصدْق فَكيف أَن يَنْقُلهُ كافةٌ وَهَذَا معنى قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَكِن شبه لَهُم﴾ إِنَّمَا عَنى تَعَالَى أَن أُولَئِكَ الْفُسَّاق الَّذين دبروا هَذَا الْبَاطِل وتواطؤا عَلَيْهِ هم شبهوا على من قلدهم فَأَخْبرُوهُمْ أَنهم صلبوه وقتلوه وهم كاذبون فِي ذَلِك عالمون أَنهم كذبة وَلَو أمكن أَن يشبه ذَلِك على ذِي حاسة سليمَة لبطلت النبوات كلهَا إِذْ لَعَلَّهَا شبهت على الْحَواس السلمِيَّة لَو أمكن ذَلِك لبطلت الْحَقَائِق كلهَا ولأمكن أَن يكون كل وَاحِد منا يشبه عَلَيْهِ فِيمَا يَأْكُل ويلبس وفيمن يُجَالس وَفِي حَيْثُ هُوَ فَلَعَلَّهُ نَائِم أَو مشبه على حواسه وَفِي هَذَا خُرُوج إِلَى السخف وَقَول السوفسطائية والحماقة وَقد شاهدنا نَحن مثل ذَلِك وَذَلِكَ أننا اندرنا للجبل لحضور دفن الْمُؤَيد هِشَام بن الحكم الْمُسْتَنْصر فَرَأَيْت أَنا وغيري نعشًا فِيهِ شخص مكفن وَقد شَاهد غسله شَيْخَانِ جليلان حكيمان من حكام الْمُسلمين وَمن عدُول الْقُضَاة فِي بَيت وخارج الْبَيْت أبي ﵀ وَجَمَاعَة عُظَمَاء الْبَلَد ثمَّ صلينَا فِي أُلُوف من النَّاس عَلَيْهِ ثمَّ لم يلبث شهورًا نَحْو السَّبْعَة حَتَّى ظهر حَيا وبويع بعد ذَلِك بالخلافة وَدخلت عَلَيْهِ أَنا وغيري وَجَلَست بَين يَدَيْهِ ورأيته وَبَقِي ثَلَاثَة أَعْوَام غير شَهْرَيْن وَأَيَّام
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَأما قَوْله قد جوزتم التمويه على الكافة فقد
[ ١ / ٥٦ ]
بَينا أَنَّهَا لم تكن كَافَّة قطّ وَحَتَّى لَو صَحَّ أَنَّهَا كَافَّة فَكيف لَا يجوز ذَلِك فِي كل آيَة تحيل الطبائع والحواس فهم ضَرُورَة لَا يحمل على الممكنات فَلَو صَحَّ أَنَّهَا كَانَت كَافَّة لَكَانَ خبر الله تَعَالَى أَنه شبه لَهُم حَاكما على حواسهم ومحيلالها كخروج النَّبِي ﷺ لَيْلَة هَاجر بِحَضْرَة مائَة رجل من قُرَيْش وَقد حجب الله سُبْحَانَهُ أَبْصَارهم عَنهُ فَلم يروه
وَأما مَا لم يَأْتِ خبر عَن الله ﷿ بِأَنَّهُ شبه على الكافة فَلَا يجوز أَن يُقَال ذَلِك لِأَنَّهُ قطع على الْمحَال وإحالة طبيعة وإحالة الطبائع لَا تدخل فِي الْمُمكن إِلَّا أَن يَأْتِي بذلك يَقِين عَن الله ﷿ فَيلْزم قبُوله
وَأما التَّشْبِيه على الْوَاحِد والاثنين وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ جَائِز وَكَذَلِكَ فقد الْعقل والسخافة يجوز ذَلِك على الْوَاحِد والاثنين وَنَحْو ذَلِك وَلَا يجوز على الْجَمَاعَة كلهَا
وَقَوله تَعَالَى ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صلبوه وَلَكِن شبه لَهُم﴾ إِنَّمَا هُوَ إِخْبَار عَن الَّذين يَقُولُونَ تقليدًا لأسلافهم من النَّصَارَى وَالْيَهُود أَنه ﵇ قتل وصلب فَهَؤُلَاءِ شبه لَهُم القَوْل أَي أدخلُوا فِي شُبْهَة مِنْهُ وَكَانَ المشبهون لَهُم شُيُوخ السوء فِي ذَلِك الْوَقْت وشرطهم المدعون أَنهم قَتَلُوهُ وصلبوه وهم يعلمُونَ أَنه لم يكن ذَلِك وَإِنَّمَا أخذُوا من أمكنهم فَقَتَلُوهُ وصلبوه فِي استتار وَمنع من حُضُور النَّاس ثمَّ أنزلوه ودفنوه تمويهًا على الْعَامَّة الَّتِي شبه الْخَبَر لَهَا
ثمَّ نقُول للْيَهُود وَالنَّصَارَى بعد أَن بَينا بحول الله وقوته بَيَان مَا شنعوه فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَن كوافكم قد نقلت عَن بعض أنبيائكم فسوقًا وَوَطْء إِمَاء وَهُوَ حرَام عنْدكُمْ وَعَن هَارُون ﵇ أَنه هُوَ الَّذِي عمل الْعجل لبني إِسْرَائِيل وَأمرهمْ بِعِبَادَتِهِ والرقص أَمَامه وَقد نزه الله تَعَالَى الْأَنْبِيَاء ﵈ عَن عبَادَة غَيره وَعَن الْأَمر بذلك وَعَن كل مَعْصِيّة ورذيلة فَإِذا جوزوا كلهم هَذَا على أَنْبِيَائهمْ مِنْهُم مُوسَى ﵇ وَسَائِر أَنْبِيَائهمْ كَانَ كل مَا أمروهم بِهِ من جنس عمل الْعجل والرقص وَالْأَمر بِعِبَادَتِهِ وَمن جنس وَطْء الْإِمَاء وَسَائِر مَا نسبوه إِلَى دَاوُد وَسليمَان ﵉ وَسَائِر أَنْبِيَائهمْ وَلَا سِيمَا وهم يقرونَ بِأَن الْعجل كَانَ يخور بطبعه
وَأما نَحن فجوابنا فِي هَذَا كُله بِأَن لَيْسَ شَيْء مِنْهُ نقل كَافَّة وَلَكِن نقل آحَاد كذبُوا فِيهِ وَأما خوار الْعجل فَإِنَّمَا هُوَ على مَا روينَا عَن ابْن عَبَّاس ﵁ من أَنه كَانَ صفير الرّيح تدخل من فِيهِ وَتخرج من دبره لَا أَنه خار بطبعه قطّ وَحَتَّى لَو صَحَّ أَنه خار بطبعه لَكَانَ ذَلِك من أجل الْقُوَّة الَّتِي كَانَت فِي القبضة الَّتِي قبضهَا السامري من إِثْر جِبْرِيل ﵇ وَالَّذِي يعْتَمد عَلَيْهِ فَهُوَ قَول ابْن عَبَّاس ﵁ الَّذِي ذَكرْنَاهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَأما قَوْله كَيفَ كَانَ الْفَرْض قبل وُرُود النَّص بِبُطْلَان صلبه الْإِقْرَار بصلبه أم الْإِنْكَار لَهُ فَهَذِهِ قسْمَة فَاسِدَة شغبية قد حذر مِنْهَا الْأَوَائِل كثيرا وَنبهَ عَلَيْهَا أهل الْمعرفَة بحدود الْكَلَام وَذَلِكَ أَنهم أوجبوا فرضا ثمَّ قسموه على قسمَيْنِ إِمَّا فرض بإنكار وَإِمَّا فرض بِإِقْرَار وأضربوا عَن الْقسم الصَّحِيح فَلم يذكروه وَهَذَا لَا يرضى بِهِ لنَفسِهِ إِلَّا جَاهِل أَو سخيف مغالط غابن لنَفسِهِ غاش لمن اعتر بِهِ وَإِنَّمَا الْحَقِيقَة هَاهُنَا أَن يَقُول هَل يلْزم النَّاس قبل وُرُود الْقُرْآن فرض بِالْإِقْرَارِ بصلب الْمَسِيح أَو بإنكار صلبه أَو لم يلْزمهُم فرض بِشَيْء من ذَلِك فَهَذِهِ هِيَ الْقِسْمَة الصَّحِيحَة وَالسُّؤَال الصَّحِيح وَحقّ الْجَواب أَنه لم يلْزم النَّاس قطّ قبل وُرُود الْقُرْآن فرض بِشَيْء من ذَلِك لَا بِإِقْرَار وَلَا بإنكار وَإِنَّمَا كَانَ خَبرا لَا يقطع الْعذر وَلَا يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ مُمكن صدق قَائِله فقد قتل أَنْبيَاء كَثِيرَة وممكن أَن يكون ناقله كذب فِي ذَلِك
[ ١ / ٥٧ ]
هُوَ بِمَنْزِلَة شَيْء مغيب فِي دَار فَيُقَال لهَذَا المعرض بِهَذَا السُّؤَال الْفَاسِد مَا الْفَرْض على النَّاس فِيمَا فِي هَذِه الدَّار الْإِقْرَار بِأَن فِيهَا رجلا أم الْإِنْكَار لذَلِك فَهَذَا كُله لَا يلْزم مِنْهُ شَيْء
وَلم ينزل الله ﷿ كتابا قبل الْقُرْآن يفْرض إِقْرَار بصلب الْمَسِيح ﷺ وَلَا بإنكاره وَإِنَّمَا ألزم الْفَرْض بعد نزُول الْقُرْآن بتكذيب الْخَبَر بصلبه
فَإِن قَالُوا قد نقل الحواريون صلبه وهم أَنْبيَاء وعدول
قيل لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الناقلون لنبوتهم وإعلامهم ولقولهم بصلبه ﵇ هم الناقلون عَنْهُم الْكَذِب فِي نسبه وَالْقَوْل بالتثليث الَّذِي من قَالَ بِهِ فَهُوَ كَاذِب على الله تَعَالَى مفتر عَلَيْهِ كَافِر بِهِ فَإِن كَانَ النَّاقِل لذَلِك عَنْهُم صَادِقا أَو كَانُوا كَافَّة فَمَا كَانَ يوحنا وَمَتى وبولس إِلَّا كفَّارًا كاذبين وَمَا كَانُوا قطّ من صالحي الحواريين وَإِن كَانَ ناقل مَا ذكرنَا عَنْهُم كَاذِبًا فالكاذب لَا يقوم بنقله حجَّة فَبَطل التمويه الْمُتَقَدّم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
وَقَالَ متكلموهم إِن الِاتِّحَاد الْمَذْكُور إِنَّمَا هُوَ تَقْلِيد للإنجيل وَلم يكن نقلة وَلَا حَرَكَة وَلَا فَارق الْبَارِي وَلَا الْعلم مَا كَانَا عَلَيْهِ وَلَا انتقلا فَيُقَال لَهُم هَذَا إبِْطَال للاتحاد وَقَول مِنْكُم بِأَن حَظه وحظ غَيره فِي ذَلِك سَوَاء وَخلاف لأمانتكم الَّتِي فِيهَا أَن الابْن نزل من السَّمَاء وتجسد وَولد وَقتل وَدفن
وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم الْمَسِيح حجاب الله خاطبه الله تَعَالَى مِنْهُ فَيُقَال لَهُم أَنْتُم تَقولُونَ أَن الْمَسِيح رب معبود وإله خَالق والحجاب عنْدكُمْ مَخْلُوق والمسيح عِنْد بَعْضكُم طبيعة وَاحِدَة وَعند بَعْضكُم طبيعتان ناسوتية وَلَا هوتية فأخبرونا أتعبدون الطبيعتين مَعًا اللاهوتية والناسوتية أم تَعْبدُونَ أَحدهمَا دون الْأُخْرَى فَإِن قَالُوا نعبدهما جَمِيعًا أقرُّوا بِأَنَّهُم يعْبدُونَ إنْسَانا وحجابًا مخلوقًا مَعَ الله تَعَالَى وَهَذَا أقبح مَا يكون من الشّرك
وَإِن قَالُوا بل نعْبد اللاهوت وَحده قيل لَهُم فَإِنَّمَا تَعْبدُونَ نصف الْمَسِيح لَا كُله لِأَنَّهُ طبيعتان ولستم تَعْبدُونَ إِلَّا أَحدهمَا دون الْأُخْرَى
وَكَذَلِكَ يسْأَلُون عَن موت الْمَسِيح وصلبه فَمن قَول الملكية والنسطورية إِن الْمَوْت والصلب إِنَّمَا وَقع على الناسوت خَاصَّة
فَيُقَال لَهُم فَأنْتم فِي قَوْلكُم مَاتَ الْمَسِيح وصلب كاذبون لِأَنَّهُ إِنَّمَا مَاتَ نصفه وصلب نصفه فَقَط لِأَن اسْم الْمَسِيح عنْدكُمْ وَاقع على اللاهوت والناسوت كليهمَا مَعًا لَا على أَحدهمَا دون الآخر وكل من قَالَ من اليعقوبية الْإِنْسَان والإله شَيْء وَاحِد فَإِنَّهُ يلْزمه أَن يعبد إنْسَانا لِأَنَّهُ إِذا عبد الْإِلَه والإله هُوَ الْإِنْسَان فقد عبد إنْسَانا وربه إِنْسَان مَخْلُوق
وكل من قَالَ مِنْهُم الْإِلَه غير الْإِنْسَان فقد أبطل الِاتِّحَاد وَهَكَذَا يُقَال لَهُم فِي الْحجاب مَعَ الله تَعَالَى سَوَاء بِسَوَاء ويلزمهم جَمِيعهم إِذْ قد أقرُّوا بِعبَادة الْمَسِيح هَكَذَا هَكَذَا جملَة وَأَنه رب خَالق وَفِي الْإِنْجِيل أَنه جَاع وَأكل الْخبز وَالْحِيتَان وعرق وَضرب أَن رَبهم أكل وجاع وَأَن الْإِلَه ضرب وَلَطم وصلب وَكفى بِهَذَا رذالة وفحش وَبَيَان بطلَان
وَيُقَال للملكية واليعقوبية الْقَائِلين بِأَن الْمَسِيح ابْن الله وَابْن مَرْيَم قد أقررتم أَن الْمَسِيح إِنْسَان وإله فالإنسان هُوَ ابْن الله وَابْن مَرْيَم والإله هُوَ ابْن مَرْيَم وَهَذِه غَايَة الشناعة
فَإِن قَالُوا مَا تَقولُونَ فِيمَا فِي كتابكُمْ ﴿وَمَا كَانَ لبشر أَن يكلمهُ الله إِلَّا وَحيا أَو من وَرَاء حجاب﴾ وَأَنه تَعَالَى كلم مُوسَى من جَانب الطّور من الشَّجَرَة من شاطىء الْوَادي
قُلْنَا التكليم قعل الله تَعَالَى مَخْلُوق والحجاب إِنَّمَا هُوَ للتكليم والتكليم هُوَ الَّذِي حدث فِي الشَّجَرَة وشاطىء الْوَادي وجانب الطّور
[ ١ / ٥٨ ]
وكل ذَلِك مَخْلُوق مُحدث وَكَذَلِكَ تحول جِبْرِيل ﵇ فِي صُورَة دحْيَة إِنَّمَا هُوَ أَن الله تَعَالَى جعل للْمَلَائكَة وَالْجِنّ قُوَّة يتحولون بهَا فِيمَا شاؤا من الصُّور وَكلهمْ مَخْلُوق تعاقب عَلَيْهِم الْإِعْرَاض بِخِلَاف الله تَعَالَى فِي ذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَمِمَّا يعْتَرض بِهِ على النَّصَارَى وَإِن كَانَ لَيْسَ برهانًا ضَرُورِيًّا على جَمِيعهم لكنه برهَان ضَرُورِيّ على كل من تقلد مِنْهُم الشَّرَائِع الَّتِي يعْمل بهَا الملكيون والنساطرة واليعاقبة والمارقية قَاطع لَهُم وَهِي مَسْأَلَة جرت لنا مَعَ بَعضهم وَذَلِكَ أَنهم لَا يخلون من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يَكُونُوا يَقُولُونَ بِبُطْلَان النُّبُوَّة بعد عِيسَى ﵇ وَإِمَّا أَن يَقُولُوا بإمكانها بعده ﵇
فَإِن قَالُوا بِإِمْكَان النُّبُوَّة بعده ﵇
لَزِمَهُم الْإِقْرَار بنبوة مُحَمَّد ﷺ إِذْ ثَبت نقل إِعْلَامه بالكواف الَّتِي بِمِثْلِهَا نقلت إِعْلَام عِيسَى وَغَيره عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام
وَإِن قَالُوا بِبُطْلَان النُّبُوَّة بعد عِيسَى ﵇
لَزِمَهُم ترك جَمِيع شرائعهم من صلَاتهم وتعظيمهم الْأَحَد وصيامهم وامتناعهم من اللَّحْم ومناكحتهم وأعيادهم واستباحتهم الْخِنْزِير وَالْميتَة وَالدَّم وَترك الْخِتَان وَتَحْرِيم النِّكَاح على أهل المراكب فِي دينهم إِذْ كل مَا ذكرنَا لَيْسَ مِنْهُ فِي أَنَاجِيلهمْ الْأَرْبَعَة شَيْء الْبَتَّةَ بل أَنَاجِيلهمْ مبطلة لكل مَا هم عَلَيْهِ الْيَوْم إِذْ فِيهَا أَنه ﵇ قَالَ لم آتٍ لأغير شَيْئا من شرائع التَّوْرَاة وَأَنه كَانَ يلْتَزم هُوَ وَأَصْحَابه بعده السبت وأعياد الْيَهُود من الفصح وَغَيره بِخِلَاف كل مَا هم عَلَيْهِ الْيَوْم فَإِذا منعُوا من وجود النُّبُوَّة بعده وَكَانَت الشَّرَائِع لَا تُؤْخَذ إِلَّا عَن الْأَنْبِيَاء ﵈ وَإِلَّا فَإِن شارعها عَن غير الْأَنْبِيَاء ﵈ حَاكم على الله تَعَالَى وَهَذَا أعظم مَا يكون من الشّرك وَالْكذب والسخف فشرائعهم الَّتِي هِيَ دينهم غير مَأْخُوذَة عَن نَبِي أصلا فَهِيَ معاص مفتراة على الله ﷿ بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا حِين نبدأ بعون الله وتوفيقه وتأييده إِن شَاءَ الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فِي تَبْيِين أَن الْوَاحِد لَيْسَ عددا فَنَقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق أَن خَاصَّة الْعدَد هُوَ أَن يُوجد عدد آخر مساوٍ لَهُ وَعدد آخر لَيْسَ مُسَاوِيا لَهُ هَذَا شَيْء لَا يَخْلُو من عدد أصلا والمساواة هِيَ أَن تكون إبعاضه كلهَا مُسَاوِيَة لَهُ إِذا جزئت أَلا ترى أَن الْفَرد والفرد مساويان للإثنين وَأَن الزَّوْج والفرد لَيْسَ مُسَاوِيا للزَّوْج الَّذِي هُوَ الإثنان والخمسة مُسَاوِيَة للإثنين وَالثَّلَاثَة غير مُسَاوِيَة للثَّلَاثَة وَهَكَذَا كل عدد فِي الْعَالم فَهَذَا معنى قَوْلنَا أَن الْمسَاوِي وَغير الْمسَاوِي هُوَ خَاصَّة الْعدَد وَهَذِه الْمُسَاوَاة أردنَا لَا غَيرهَا فَلَو كَانَ للْوَاحِد أبعاض مُسَاوِيَة لَهُ لَكَانَ كثيرا بِلَا شكّ لِأَن الْوَاحِد الْمُطلق على الْحَقِيقَة هُوَ الَّذِي لَيْسَ كثيرا هَذَا مَا لاشك فِيهِ عِنْد كل ذِي حس سليم
وَكَانَ مَا كَانَ لَهُ أبعاض فَهُوَ كثير بِلَا شكّ فَهُوَ إِذا بِالضَّرُورَةِ لَيْسَ وَاحِدًا فالواحد ضَرُورَة هُوَ الَّذِي لَا أبعاض لَهُ فَإذْ لَا شكّ فِيهِ فالواحد الَّذِي لَا أبعاض لَهُ تساويه لَيْسَ عددا وَهُوَ الَّذِي أردنَا أَن نبين وَأَيْضًا فَإِن الْحس وضرورة الْعقل يَشْهَدَانِ بِوُجُود الْوَاحِد إِذْ لَو لم يكن الْوَاحِد مَوْجُودا لم يقدر على عدد أصلا إِذْ الْوَاحِد مبدأ الْعدَد والمعدود الَّذِي لَا يُوصل إِلَى عدد وَلَا مَعْدُود إِلَّا بعد
[ ١ / ٥٩ ]
وجوده وَلَو لم يُوجد الْوَاحِد لما وجد فِي الْعَالم عدد وَلَا مَعْدُود أصلا والعالم كُله أعداد ومعدودات مَوْجُودَة فالواحد مَوْجُود ضَرُورَة فَلَمَّا نَظرنَا فِي الْعَالم كُله نظرا طبيعيًا ضَرُورِيًّا لم نجد فِيهِ وَاحِدًا على الْحَقِيقَة الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه لِأَن كل جرم من الْعَالم فمنقسم مُحْتَمل للتجزئة متكثر بالانقسام أبدا بِلَا نِهَايَة وكل حَرَكَة فَهِيَ أَيْضا منقسمة بانقسام المتحرك بهَا وَالزَّمَان حَرَكَة الْفلك فَهُوَ منقسم بإنقسام الْفلك فَكل مُدَّة فمنقسمة أَيْضا بانقسام المتحرك بهَا الَّذِي هُوَ الْمدَّة وَكَذَلِكَ كل مقول من جنس أَو نوع أَو فصل وَكَذَلِكَ كل عرض مَحْمُول فِي جرم فَإِنَّهُ منقسم بانقسام حامله هَذَا أَمر يعلم بضرورة الْعقل والمشاهدة وَلَيْسَ الْعَالم كُله شَيْئا غير مَا ذكرنَا فصح ضَرُورَة أَنه لَيْسَ فِي الْعَالم وَاحِد الْبَتَّةَ وَقد قدمنَا ببرهان ضَرُورِيّ آنِفا أَنه لَا بُد من وجود الْوَاحِد فَإِذا لَا بُد من وجوده وَلَيْسَ هُوَ فِي شَيْء من الْعَالم الْبَتَّةَ فَهُوَ إِذا بِالضَّرُورَةِ شيءٌ غير الْعَالم فَإذْ ذَلِك كَذَلِك فالبضرورة الَّتِي لَا محيد عَنْهَا فَهُوَ الْوَاحِد لأوّل الْخَالِق للْعَالم إِذْ لَيْسَ يُوجد بِالْعقلِ الْبَتَّةَ شيءٌ غير الْعَالم إِلَّا خالقه فَهُوَ الْوَاحِد الأول الله لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الَّذِي لَا يتكثر الْبَتَّةَ أصلا لَا بِعَدَد وَلَا صفة وَلَا بِوَجْه من الْوُجُوه لَا وَاحِد سواهُ الْبَتَّةَ وَلَا أول غَيره أصلا وَلَا مخترع فَاعِلا خَالِقًا إِلَّا هُوَ وَحده لَا شريك لَهُ
وَإِنَّمَا قُلْنَا فِي كل فَرد فِي الْعَالم وَهُوَ الَّذِي يُسمى فِي اللُّغَة عِنْد الْعَدو وَاحِد على الْمجَاز أَنه كثير بِمَعْنى أَنه يحْتَمل أَن يقسم وَأَن لَهُ مساحة كَثِيرَة الْأَجْزَاء فَإِذا قسم ظَهرت الْكَثْرَة فِيهِ وَأما مَا لم يقسم فَهُوَ يعد فَردا حَقِيقِيًّا وَقد ذكرنَا برهَان وجوب احْتِمَال الإنقسام لكل جُزْء فِي الْعَالم فِي آخر كتَابنَا هَذَا ببراهين ضَرُورِيَّة لَا محيد عَنْهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل فَمَا تَقول فِي الْبَاء وَالتَّاء والثاء وَسَائِر حُرُوف الهجاء أَلَيْسَ كل وَاحِد مِنْهَا وَاحِدًا لَا يَنْقَسِم قيل لَهُ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق إِن هَذَا شغب ينيغي أَن تحفظ من مثله لِأَن الْحَرْف إِنَّمَا هُوَ هَوَاء ينْدَفع من مخرج ذَلِك الْحَرْف بعصر بعض آلَات الصَّوْت لَهُ من الرئة وأنابيب الصَّدْر وَالْحلق والحنك وَاللِّسَان والأسنان والشفتين فَإذْ لَا شكّ فِي هَذَا فَذَلِك الْهَوَاء المندفع جسم طَوِيل عريض عميق فَهُوَ مُحْتَمل الإنقسام ضَرُورَة فَذَلِك الْهَوَاء هُوَ الْحَرْف فالحرف هُوَ جسم مُحْتَمل للْقِسْمَة ضَرُورَة وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق