قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ افترق الْقَائِلُونَ بتناسخ الْأَرْوَاح على فرْقَتَيْن فَذَهَبت الْفرْقَة
[ ١ / ٧٦ ]
الْوَاحِدَة إِلَى أَن الْأَرْوَاح تنْتَقل بعد مفارقتها الأجساد إِلَى أجساد أخر وَإِن لم تكن من نوع الأجساد الَّتِي فَارَقت وَهَذَا قَول أَحْمد بن حابط وَأحمد بن نانوس تِلْمِيذه وَأبي مُسلم الْخُرَاسَانِي وَمُحَمّد بن زَكَرِيَّا الرَّازِيّ الطَّبِيب صرح بذلك فِي كِتَابه الموسوم بِالْعلمِ الإلهي وَهُوَ قَول القرامطة وَقَالَ الرَّازِيّ فِي بعض كتبه لَوْلَا أَنه لَا سَبِيل إِلَى تَخْلِيص الْأَرْوَاح عَن الأجساد المتصورة بالصور الهيمية إِلَى الأجساد المتصورة بصور الْإِنْسَان إِلَّا بِالْقَتْلِ وَالذّبْح لما جَازَ ذبح شَيْء من الْحَيَوَان أَلْبَتَّة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذِه كَمَا ترى دعاوي وخرافات بِلَا دَلِيل وَذهب هَؤُلَاءِ إِلَى أَن التناسخ إِنَّمَا هُوَ على سَبِيل الْعقَاب وَالثَّوَاب قَالُوا فالفاسق الْمُسِيء الْأَعْمَال تنْتَقل روحه إِلَى أجساد الْبَهَائِم الخبيثة المرتطمة فيي الأقذار والمسخرة المؤلمة الممتهنة بِالذبْحِ وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي كَانَت أفاعيله كلهَا شَرّ الاخبر فِيهَا فَقَالَ بَعضهم أَرْوَاح هَذِه الطَّبَقَة هِيَ الشَّيَاطِين وَقَالَ أَحْمد بن حابط أَنَّهَا تنْتَقل إِلَى جَهَنَّم فتعذب بالنَّار أَبَد الْأَبَد وَاخْتلفُوا فِي الَّذِي كَانَت أفاعيله كلهَا خيرا لَا شَرّ فِيهَا فَقَالَ بَعضهم أَرْوَاح هَذِه الطَّبَقَة هِيَ الْمَلَائِكَة وَقَالَ أَحْمد بن حابط أَنَّهَا لَا شكّ أَنَّهَا تنْتَقل إِلَى الْجنَّة فتنعم فِيهَا أَبَد الْأَبَد واحتجت هَذِه الطَّائِفَة المرتسمة بِالْإِسْلَامِ أَعنِي أَحْمد بن حابط وَأحمد بن نانوس بقول الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الْإِنْسَان مَا غَرَّك بِرَبِّك الْكَرِيم الَّذِي خلقك فسواك فعدلك فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك﴾ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿جعل لكم من أَنفسكُم أَزْوَاجًا وَمن الْأَنْعَام أَزْوَاجًا يذرؤكم فِيهِ﴾ وَاحْتج من هَذِه الطَّائِفَة من لَا يَقُول بِالْإِسْلَامِ بِأَن قَالُوا إِن النَّفس لَا تتناهى والعالم لَا يتناهى لأمد فَالنَّفْس منتقلة أبدا وَلَيْسَ انتقالها إِلَى نوعها بِأولى من انتقالها إِلَى غير نوعها بِأولى من انتقالها إِلَى غير نوعها قَالَ أَبُو أَحْمد ﵁ وَذَهَبت الْفرْقَة الثَّانِيَة إِلَى أَن منعت من انْتِقَال الْأَرْوَاح إِلَى غير أَنْوَاع أجسادها الَّتِي فَارَقت وَلَيْسَ من هَذِه الْفرْقَة أحد يَقُول بشيءٍ من الشَّرَائِع وهم من الدهرية وحجتهم هِيَ حجَّة الطَّائِفَة الَّتِي ذكرنَا قبلهَا القائلة أَنه لَا تناهي للْعَالم فَوَجَبَ أَن تَتَرَدَّد النَّفس فِي الأجساد أبدا قَالُوا وَلَا يجوز أَن تنْتَقل إِلَى غير النَّوْع الَّذِي أوجب لَهَا طبعها الإشراف عَلَيْهِ وتعلقها بِهِ قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ أما الْفرْقَة المرتسمة باسم الْإِسْلَام فَيَكْفِي من الرَّد عَلَيْهِم إِجْمَاع جَمِيع أهل الْإِسْلَام على تكفيرهم وعَلى أَن من قَالَ بقَوْلهمْ فَإِنَّهُ على غير الْإِسْلَام وَأَن النَّبِي ﷺ أَتَى بِغَيْر هَذَا وَبِمَا وَبِمَا الْمُسلمُونَ مجمعون عَلَيْهِ من أَن الْجَزَاء لَا يَقع إِلَّا بعد فِرَاق الأجساد للأرواح بالنكر أَو التنعم قبل يَوْم الْقِيَامَة ثمَّ بِالْجنَّةِ أَو النَّار فِي موقف الْحَشْر فَقَط إِذا جمعت أجسادها مَعَ أرواحها مَعَ أرواحها الَّتِي كَانَت فِيهَا وَأما احتجاجهم بالآيتين فَكفى من بطلَان قَوْلهم أَيْضا مَا ذَكرْنَاهُ من الْإِجْمَاع وَأَن الْأمة كلهَا مجمعون بِلَا خلاف على أَن المُرَاد بِهَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ غير مَا ذكر هَؤُلَاءِ الْمُلْحِدُونَ وَأَن المُرَاد بقوله تَعَالَى فِي أَي صُورَة مَا شَاءَ ركبك أَنَّهَا الصُّورَة الَّتِي رتب الْإِنْسَان عَلَيْهَا من طول أَو قصر أَو حسن أَو قبح أَو بَيَاض أَو سَواد وَمَا أشبه ذَلِك وَأما الْآيَة الْأُخْرَى فَإِن مَعْنَاهَا أَن الله تَعَالَى امتن علينا فِي أَن خلق لنا من أَنْفُسنَا أَزْوَاجًا
[ ١ / ٧٧ ]
تتولد مِنْهَا ثمَّ امتن علينا بِأَن خلق لنا من الْأَنْعَام ثَمَانِيَة أَزوَاج ثمَّ أخبر تَعَالَى أَنه يذرؤنا فِي هَذِه الْأزْوَاج يَعْنِي الَّتِي هِيَ من أَنْفُسنَا فَتبين ذَلِك بَيَانا ظَاهرا لاخفاء بِهِ أَن الله تَعَالَى أخبرنَا فِي هَذِه الْآيَة نَفسهَا أَن الْأزْوَاج المخلوقة لنا إِنَّمَا هِيَ من أَنْفُسنَا ثمَّ فرق بَين أَنْفُسنَا وَبَين الْأَنْعَام فَلَا سَبِيل إِلَى أَن يكون لنا أَزوَاج تتولد فِيهَا من غير أَنْفُسنَا وَيَكْفِي من هَذَا أَن قَوْلهم إِنَّمَا هُوَ دَعْوَى بِلَا برهَان وَإِنَّمَا رتبوه على أصلهم فِي الْعدْل فأخرجوا هَذَا الْوَجْه لما شاهدوه من إيلام الْحَيَوَان وكل قَول لم يُوجِبهُ برهَان فَهُوَ بَاطِل وَلم يَأْتِ هَذَا القَوْل قطّ عَن أحد من الْأَنْبِيَاء وَهَؤُلَاء الْقَوْم مقرون بالأنبياء ﵈ فلاح يَقِينا فَسَاد قَوْلهم
وَأما الْفرْقَة الثَّانِيَة القائلة بالدهر فإننا نقُول وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
إِنَّه يَكْفِي من فَسَاد قَوْلهم هَذَا أَنه دَعْوَى بِلَا برهَان لَا عَقْلِي ولاحسي وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل بِيَقِين لَا شكّ فِيهِ لكننا لَا نقنع بِهَذَا بل نبين عَلَيْهِم بَيَانا لائحًا ضَرُورِيًّا بحول الله تَعَالَى وقوته فَتَقول وَبِاللَّهِ تَعَالَى نستعين أَن الله تَعَالَى خلق الْأَنْوَاع والأجناس ورتب الْأَنْوَاع تَحت الْأَجْنَاس وَفصل كل نوع من النَّوْع الآخر بفصله الْخَاص لَهُ الَّذِي لَا يُشَارِكهُ فِيهِ غَيره وَهَذِه الْفُصُول الْمَذْكُورَة لأنواع الْحَيَوَان إِنَّمَا هِيَ لأنفسها الَّتِي هِيَ أرواحها فَنَفْس الْإِنْسَان حَيَّة ناطقة وَنَفس الْحَيَوَان حَيَّة غير ناطقة هَذَا هُوَ طبيعة كل نفس وجوهرها الَّذِي لَا يُمكن استحالته عَنهُ فَلَا سَبِيل إِلَى أَن يصير غير النَّاطِق ناطقًا وَلَا النَّاطِق غير النَّاطِق وَلَو جَازَ هَذَا لبطلت المشاهدات وَمَا أوجبه الْحس وبديهة الْعقل والضرورة لانقسام الْأَشْيَاء على حُدُودهَا وَأما الْفرْقَة الثَّالِثَة
الَّتِي قَالَت أَن الْأَرْوَاح تنْتَقل إِلَى أجساد نوعها فَيبْطل قَوْلهم بحول الله تَعَالَى وقوته بطلانًا ضَرُورِيًّا بِكُل مَا كتبناه فِي إِثْبَات حُدُوث الْعَالم وَوُجُوب الِابْتِدَاء لَهُ وَالنِّهَايَة من أَوله وَبِمَا كتبناه فِي إِثْبَات النُّبُوَّة أَن جَمِيع النبوات وَردت بِخِلَاف قَوْلهم وببرهان ضَرُورِيّ عَلَيْهِم وهوانه فِي الْعَالم كُله شيآن يشتبهان بِجَمِيعِ أعراضها اشتباهًا تَاما من وَجه يعلم هَذَا من تدبر اخْتِلَاف الصُّور وَاخْتِلَاف الهيآت وتباين الْأَخْلَاق وَإِنَّمَا يُقَال هَذَا الشَّيْء يشبه هَذَا على معنى أَن ذَلِك فِي أَكثر أحوالهما لافي كلهَا وَلَو لم يكن مَا قُلْنَا مَا فرق أحد بَينهمَا أَلْبَتَّة وَقد علمنَا بِالْمُشَاهَدَةِ أَن كل من يتَكَرَّر عَلَيْهِ ذَلِك الشيآن تكررًا كثيرا مُتَّصِلا أَنه لَا بُد أَن يفصل بَينهمَا وَأَن يُمَيّز أَحدهمَا من الثَّانِي وَأَن يجد فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا أَشْيَاء بَان بهَا عَن الآخر لَا يُشبههُ فِيهَا فصح بِهَذَا أَنه لَا سَبِيل إِلَى وجود شَخْصَيْنِ يتفقان فِي أخلاقهما كلهَا حَتَّى لَا يكون بَينهمَا فرق فِي شَيْء مِنْهَا وَقد علمنَا بِيَقِين أَن الْأَخْلَاق مَحْمُولَة فِي النَّفس فصح بِهَذَا أَن نفس كل ذِي نفس من الأجساد من أَي نوع كَانَت غير النَّفس الَّتِي فِي غَيره من الأجساد كلهَا ضَرُورَة وَقَالَ أَيْضا بعض من ذهب إِلَى التناسخ من الحاملين ذَلِك على سَبِيل الْجَزَاء أَن الله تَعَالَى عدل حَكِيم رَحِيم كريم فإذهو كَذَلِك فمحال أَن يعذب من لَا ذَنْب لَهُ قَالَ فَلَمَّا وَجَدْنَاهُ تَعَالَى يقطع أجسام الصّبيان الَّذين لَا ذَنْب لَهُم بالجدري والقروح وَيَأْمُر بِذبح بعض الْحَيَوَان الَّذِي لَا ذَنْب لَهُ وبطبخه وَأكله ويسلط بَعْضهَا على بعض فيقطعه ويأكله وَلَا ذَنْب لَهُ علمنَا أَنه تَعَالَى لم يفعل ذَلِك إِلَّا وَقد كَانَت الْأَرْوَاح عصاة مُسْتَحقَّة للعقاب بكسب هَذِه الأجساد لتعذب فِيهَا قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ تَعَالَى عَنهُ وَقد تكلمنا على إبِْطَال هَذَا الأَصْل الْفَاسِد فِي
[ ١ / ٧٨ ]
غير هَذَا الْمَكَان على البراهمة فِي كتَابنَا هَذَا بِمَا يَكْفِي وَقد رددنا الْكَلَام أَيْضا فِي بَيَان بُطْلَانه فِي غير مَا مَوضِع من كتَابنَا وَفِي بَاب الْكَلَام على من أبطل الْقدر من الْمُعْتَزلَة فِي كتَابنَا هَذَا وَالْحَمْد الله رب الْعَالمين وَيَكْفِي من بطلَان هَذَا الأَصْل الْفَاسِد أَن يُقَال لَهُم إِن طردتم هَذَا الأَصْل وَقَعْتُمْ فِي مثل مَا أنكرتم وَلَا فرق وَهُوَ أَن الْحَكِيم الْعدْل الرَّحِيم على أصلكم لَا يخلق من يعرضه للمعصية حَتَّى يحْتَاج إِلَى إفساده بِالْعَذَابِ بعد إِصْلَاحه وَقد كَانَ قَادِرًا على أَن يطهر كل نفس خلقهَا وَلَا يعرضهَا للفتن ويلطف بهَا ألطافًا فيصلحها بهَا حَتَّى تسْتَحقّ كلهَا إحسانه وَالْخُلُود فِي النَّعيم وَمَا كَانَ ذَلِك ينقص شَيْئا من ملكه فَإِن كَانَ عَاجِزا عَن ذَلِك فَهَذِهِ صفة نقص وَيلْزم حاملها أَن يكون من أجل نَقصه مُحدثا مخلوقًا فَإِن طردوا هَذَا الأَصْل خَرجُوا إِلَى قَول المانوية فِي أَن للأشياء فاعلين وَقد تقدم إبطالنا لقَولهم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَبينا أَن الَّذِي لَا آمُر فَوْقه وَلَا مُرَتّب عَلَيْهِ فَإِن كل مَا يَفْعَله فَهُوَ حق وَحِكْمَة وَإِذ قد تعلق هَؤُلَاءِ الْقَوْم بالشريعة أَن كل قَول لم يَأْتِ عَن نَبِي تِلْكَ الشَّرِيعَة فَهُوَ كذب وفرية فَإذْ لم يَأْتِ عَن أحد من الْأَنْبِيَاء ﵈ القَوْل بتناسخ الْأَرْوَاح فقد صَار قَوْلهم بِهِ خرافة وكذبًا وباطلًا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق