قَالَ أَبُو مُحَمَّد ذهب طَائِفَة إِلَى القَوْل بِأَن الله تَعَالَى جسم وحجتهم فِي ذَلِك أَنه لَا يقوم فِي الْمَعْقُول إِلَّا جسم أَو عرض فَلَمَّا بَطل أَن يكون تَعَالَى عرضا ثَبت أَنه جسم وَقَالُوا إِن الْفِعْل لَا يَصح إِلَّا من جسم والباري تَعَالَى فَاعل فَوَجَبَ أَنه جسم وَاحْتَجُّوا بآيَات من الْقُرْآن فِيهَا ذكر الْيَد وَالْيَدَيْنِ وَالْأَيْدِي وَالْعين وَالْوَجْه وَالْجنب وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى وَجَاء رَبك ويأتيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام وَالْمَلَائِكَة وتجليه تَعَالَى وبأحاديث للجبل فِيهَا ذكر الْقدَم وَالْيَمِين وَالرجل والأصابع والتنزل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلِجَمِيعِ هَذِه النُّصُوص وُجُوه ظَاهِرَة بَيِّنَة خَارِجَة على خلاف مَا ظنوه وتأولوه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَانِ الاستدلالان فاسدان أما قَوْلهم أَنه لَا يقوم فِي الْمَعْقُول إِلَّا جسم أَو عرض فَإِنَّهَا قسْمَة نَاقِصَة وَإِنَّمَا الصَّوَاب أَنه لَا يُوجد فِي الْعَالم إِلَّا جسم أَو عرض وَكِلَاهُمَا يَقْتَضِي بطبيعته وجود مُحدث لَهُ فالبضرورة لعلم أَنه لَو كَانَ محدثها جسمًا أَو عرضا لَكَانَ يَقْتَضِي فَاعِلا فعله وَلَا بُد فَوَجَبَ بِالضَّرُورَةِ أَن فَاعل الْجِسْم وَالْعرض لَيْسَ جسمًا وَلَا عرضا وَهَذَا برهَان يضْطَر إِلَيْهِ كل ذِي حس بضرورة الْعقل وَلَا بُد وَأَيْضًا فَلَو كَانَ الْبَارِي تَعَالَى عَن إلحادهم جسمًا لاقتضى ذَلِك ضَرُورَة أَن يكون لَهُ زمَان وَمَكَان هما غَيره وَهَذَا إبِْطَال التَّوْحِيد وَإِيجَاب الشّرك مَعَه تَعَالَى لشيئين سواهُ وَإِيجَاب أَشْيَاء مَعَه غير مخلوقة وَهَذَا كفر وَقد تقدم إفسادنا
[ ٢ / ٩٢ ]
لهَذَا القَوْل وَأَيْضًا فَإِنَّهُ لَا يعقل الْبَتَّةَ جسم إِلَّا مؤلف طَوِيل عريض عميق ونظارهم وَهُوَ لَا يَقُولُونَ بِهَذَا فَإِن قَالُوهُ لَزِمَهُم أَن لَهُ مؤلفًا جَامعا مخترعًا فَاعِلا فَإِن منعُوا من ذَلِك لَزِمَهُم أَن لَا يوجبوا لما فِي الْعَالم من التَّأْلِيف لَا مؤلفًا وَلَا جَامعا إِذْ الْمُؤلف كُله كَيْفَمَا وجد يَقْتَضِي مؤلفًا ضَرُورَة فَإِن قَالُوا هُوَ جسم غير مؤلف قيل لَهُم هَذَا هُوَ الَّذِي لَا يعقل حَقًا وَلَا يتشكل فِي النَّفس الْبَتَّةَ فَإِن قَالُوا لَا فرق بَين فولنا شَيْء وَبَين قَوْلنَا جسم قيل لَهُم هَذِه دَعْوَى كَاذِبَة على اللُّغَة الَّتِي بهَا يَتَكَلَّمُونَ وَأَيْضًا فَهُوَ بَاطِل لِأَن الْحَقِيقَة أَنه لَو كَانَ الشَّيْء والجسم بِمَعْنى وَاحِد لَكَانَ الْعرض جسمًا لِأَنَّهُ شَيْء وَهَذَا بَاطِل يتَعَيَّن والحقيقة هِيَ أَنه لَا فرق بَين قَوْلنَا شَيْء وَقَوْلنَا مَوْجُود وَحقّ وَحَقِيقَة ومثبت فَهَذِهِ كلهَا أَسمَاء مترادفة على معنى وَاحِد لَا يخْتَلف وَلَيْسَ مِنْهَا اسْم يَقْتَضِي صفة أَكثر من أَن الْمُسَمّى بذلك حق وَلَا مزِيد وَأما لَفْظَة جسم فَإِنَّهَا فِي اللُّغَة عبارَة عَن الطَّوِيل العريض العميق الْمُحْتَمل للْقِسْمَة ذِي الْجِهَات السِّت الَّتِي هِيَ فَوق وَتَحْت ووراء وأمام وَيَمِين وشمال وَرُبمَا عدم وَاحِدَة مِنْهَا وَهِي الفوق هذاحكم هَذِه الْأَسْمَاء فِي اللُّغَة الَّتِي هَذِه الْأَسْمَاء مِنْهَا فَمن أَرَادَ أَن يُوقع شَيْئا مِنْهَا على غير موضوعها فِي اللُّغَة فَهُوَ مَجْنُون وقاح وَهُوَ كمن أَرَادَ أَن يُسَمِّي الْحق بَاطِلا وَالْبَاطِل حَقًا وَأَرَادَ أَن يُسَمِّي الذَّهَب خشبًا وَهَذَا غَايَة الْجَهْل والسخف إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِنَقْل اسْم مِنْهَا عَن مَوْضُوعه إِلَى معنى آخر فَيُوقف عِنْده وَإِلَّا فَلَا وَإِنَّمَا يلْزم كل مناظر يُرِيد معرفَة الْحَقَائِق أَو التَّعْرِيف بهَا أَن يُحَقّق الْمعَانِي الَّتِي يَقع عَلَيْهَا الِاسْم ثمَّ يخبر بعد بهَا أرعنها بِالْوَاجِبِ وَأما مزج الْأَشْيَاء وقلبها عَن موضوعاتها فِي اللُّغَة فَهَذَا فعل السوفسطائية الوقحاء الْجُهَّال الغابنين لعقولهم وأنفسهم فَإِن قَالُوا لنا إِنَّكُم تَقولُونَ إِن الله ﷿ حَيّ لَا كالأحياء وَعَلِيم لَا كالعلماء وقادر لَا كالقادرين وَشَيْء لَا كالأشياء فَلم منعتم القَوْل بِأَنَّهُ جسم لَا كالأجسام قيل لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَوْلَا النَّص الْوَارِد بتسميه تَعَالَى بِأَنَّهُ حَيّ وقدير وَعَلِيم مَا سميناه بِشَيْء من ذَلِك لَكِن الْوُقُوف عِنْد النَّص فرض وَلم يَأْتِ نَص بتسميته تَعَالَى جسمًا وَلَا قَامَ الْبُرْهَان بتسميته جسمًا بل الْبُرْهَان مَانع من تَسْمِيَته بذلك تَعَالَى وَلَو أَتَانَا نَص بتسميته تَعَالَى جسمًا لوَجَبَ علينا القَوْل بذلك وَكُنَّا حِينَئِذٍ نقُول أَنه لَا كالأجسام كَمَا قُلْنَا فِي عليم وقدير وَحي وَلَا فرق وَأما لَفْظَة شَيْء فالنص أَيْضا جَاءَ بهَا والبرهان أوجبهَا على مَا نذْكر بعد هَذَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَقَالَت طَائِفَة مِنْهُم أَنه تَعَالَى نورا وَاحْتَجُّوا بقوله تَعَالَى ﴿الله نور السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا يَخْلُو النُّور من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يكون جسمًا وَإِمَّا أَن يكون عرضا وَأيهمَا كَانَ فقد قَامَ الْبُرْهَان أَنه تَعَالَى لَيْسَ جسمًا وَلَا عرضا وَأما قَوْله تَعَالَى الله نور السَّمَوَات وَالْأَرْض فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ هدى الله بتنوير النُّفُوس إِلَى نور الله تَعَالَى فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض وبرهان ذَلِك أَن الله ﷿ أَدخل الأَرْض فِي جملَة مَا أخبر أَنه نور لَهُ فَلَو كَانَ
[ ٢ / ٩٣ ]
الْأَمر على أَنه النُّور المضيء الْمَعْهُود لما خبأ الضياء سَاعَة من ليل أَو نَهَار الْبَتَّةَ فَلَمَّا رَأينَا الْأَمر بِخِلَاف ذَلِك علمنَا أَنه بِخِلَاف مَا ظنوه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيبْطل قَول من وصف الله تَعَالَى بِأَنَّهُ جسم وَقَول من وَصفه بحركة تَعَالَى الله عَن ذَلِك إِن الضَّرُورَة توجب أَن كل متحرك فذو حَرَكَة وَأَن الْحَرَكَة لمتحرك بهَا وَهَذَا من بَاب الْإِضَافَة وَالصُّورَة فِي المتصور لمتصور وَهَذَا أَيْضا من بَاب الْإِضَافَة فَلَو كَانَ كل مُصَور متصورًا وكل محرك متحركا كالوجب وجوب أَفعَال لأوائل لَهَا وَهَذَا قد أبطلناه فِيمَا خلا من كتَابنَا بعون الله تَعَالَى لنا وتأييده إيانا فَوَجَبَ ضَرُورَة وجود محرك لَيْسَ متحركًا ومصور لَيْسَ متصورًا ضَرُورَة وَلَا بُد وَهُوَ الْبَارِي تَعَالَى محرك المتحركات ومصور المصورات لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وكل جسم فَهُوَ ذُو صُورَة وكل ذِي حَرَكَة فَهُوَ ذُو عرض مَحْمُول فِيهِ فصح أَنه تَعَالَى لَيْسَ جسمًا وَلَا متحركًا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَأَيْضًا فقد قدمنَا أَن الْحَرَكَة والسكون مُدَّة والمدة زمَان وَقد بَينا فِيمَا خلا من كتَابنَا أَن الزَّمَان مُحدث فالحركة محدثة وَكَذَلِكَ السّكُون والباري تَعَالَى لَا يلْحقهُ الْحَدث إِذْ لَو لحقه مُحدثا لحقه مُحدثا فالباري تَعَالَى غير متحرك وَلَا سَاكن ولفضا فَإِن الْجِسْم إِنَّمَا يفعل آثارًا فِي الْجِسْم فَقَط وَلَا يفعل الْأَجْسَام فالباري إِذن تَعَالَى على قَول المجسمة إِنَّمَا هُوَ فَاعل آثَار فِي الْأَجْسَام فَقَط لَا فَاعل أجسام الْعَالم تَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا فَإِن قَالُوا فَإِنَّكُم تسمونه فَاعِلا وتسمون أَنفسكُم فاعلين وَهَذَا تَشْبِيه قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق لَا يُوجب لَك تَشْبِيها لِأَن التَّشْبِيه إِنَّمَا يكون بِالْمَعْنَى الْمَوْجُود فِي كلا المشتبهين لَا بالأسماء وَهَذِه التَّسْمِيَة إِنَّمَا هِيَ اشْتِرَاك فِي الْعبارَة فَقَط لِأَن الْفَاعِل من متحرك بِاخْتِيَار أَو باضطرار أَو عَارِف أَو شَاك أَو مُرِيد أَو كَانَ بِاخْتِيَار أَو ضمير أَو اضطرار كَذَلِك فَكل فَاعل منا فمتحرك وَذُو ضمير وكل متحرك فذو حَرَكَة تحركه وأعراض الضمائر انفعالات فَكل متحرك فَهُوَ منفعل وكل منفعل فلفاعل ضَرُورَة وَأما الْبَارِي تَعَالَى ففاعل بِاخْتِيَار واختراع لَا بحركة وَلَا بضمير فَهَذَا اخْتِلَاف لَا اشْتِبَاه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَكَذَلِكَ الْعرض لَيْسَ جسمًا والجسم لَيْسَ عرضا والباري تَعَالَى لَيْسَ جسمًا وَلَا عرضا فهذان الحكمان لَا يوجبان اشتباهًا أصلا بل هَذَا عين الِاخْتِلَاف لَكِن الِاشْتِبَاه إِنَّمَا يكون بِإِثْبَات معنى فِي المشتبهين بِهِ اشتبها وَلَو أوجب مَا ذكرنَا اشتباهًا لوَجَبَ أَن يكون لشبه الْجِسْم فِي الجسمية لِأَنَّهُ لَيْسَ عرضا وَإِن يكون لشبه الْعرض فِي العرضية لِأَنَّهُ لَيْسَ جسمًا فَكَانَ يكون جسمًا فَكَانَ يكون جسمًا لَا جسمًا عرضا لَا عرضا مَعًا وَهَذَا محَال فصح أَن بِالنَّفْيِ لَا يجب الِاشْتِبَاه أصلا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمن قَالَ أَن الله تَعَالَى جسم لَا كالأجسام فَلَيْسَ مشتبهًا لكنه الْحَد فِي أَسمَاء الله تَعَالَى إِذْ سَمَّاهُ ﷿ بِمَا لم يسم بِهِ نَفسه وَأما من قَالَ أَنه تَعَالَى كالأجسام فَهُوَ ملحد
[ ٢ / ٩٤ ]
فِي أَسْمَائِهِ تَعَالَى ومشبه مَعَ ذَلِك
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما إِطْلَاق لفظ الصِّفَات لله تَعَالَى ﷿ فمحال لَا يجوز لِأَن الله تَعَالَى لم ينص قطّ فِي كَلَامه الْمنزل على لَفْظَة الصِّفَات وَلَا على لفظ الصّفة وَلَا حفظ عَن النَّبِي ﷺ بِأَن لله تَعَالَى صفة أَو صِفَات نعم وَلَا جَاءَ قطّ ذَلِك عَن أحد من الصَّحَابَة ﵃ وَلَا عَن أحد من خِيَار التَّابِعين وَلَا عَن أحد من خِيَار تَابِعِيّ التَّابِعين وَمن كَانَ هَكَذَا فَلَا يحل لأحد أَن ينْطق بِهِ وَلَو قُلْنَا أَن الْإِجْمَاع قد تَيَقّن على ترك هَذِه اللَّفْظَة لصدقنا فَلَا يجوز القَوْل بِلَفْظ الصِّفَات وَلَا اعْتِقَاده بل هِيَ بِدعَة مُنكرَة فال الله تَعَالَى أَن هِيَ الْأَسْمَاء سميتموها أَنْتُم وآباؤكم مَا أنزل الله بهَا من سُلْطَان إِن يتبعُون إِلَّا الظَّن وَمَا تهوى الْأَنْفس وَلَقَد جَاءَهُم من رَبهم الْهدى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَإِنَّمَا اخترع لفظ الصِّفَات الْمُعْتَزلَة وَهِشَام ونظراؤه من رُؤَسَاء الرافضة وسلك سبيلهم قوم من أَصْحَاب الْكَلَام سلكوا غير مَسْلَك السّلف الصَّالح لَيْسَ فيهم أُسْوَة وَلَا قدرَة وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه وَرُبمَا أطلق هَذِه اللَّفْظَة من متأخري الْأَئِمَّة من القهاء من لم يُحَقّق النّظر فِيهَا فَهِيَ وهلة من فَاضل وذلة عَالم وَإِنَّمَا الْحق فِي الدّين مَا جَاءَ عَن الله تَعَالَى نصا أَو عَن رَسُوله ﷺ كَذَلِك أَو صَحَّ إِجْمَاع الْأمة كلهَا عَلَيْهِ وَمَا عدا هَذَا فضلال وكل محدثة بِدعَة فَإِن اعْترضُوا بِالْحَدِيثِ الَّذِي روينَاهُ من طَرِيق عبد الله بن وهب عَن عَمْرو بن الْحَارِث عَن سعيد بن أبي هِلَال عَن أبي الرَّجَاء مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن عَن أمه عمْرَة عَن عَائِشَة ﵂ فِي الرجل الَّذِي كَانَ يقْرَأ قل هُوَ الله أحد فِي كل رَكْعَة مَعَ سُورَة أُخْرَى وَأَن رَسُول الله ﷺ أَمر أَن يسْأَل عَن ذَلِك فَقَالَ هِيَ صفة الرَّحْمَن فَأَنا أحبها فَأخْبرهُ ﵇ أَن الله يُحِبهُ فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن هَذِه اللَّفْظَة انْفَرد بهَا سعيد بن أبي هِلَال وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ قد ذكره بالتخطيط يحيى وَأحمد بن حَنْبَل وَأَيْضًا فَإِن احتجاج خصومنا بِهَذَا لَا يصوغ على أصولهم لِأَنَّهُ خبر وَاحِد لَا يُوجب عِنْدهم الْعلم وَأَيْضًا فَلَو صَحَّ لما كَانَ مُخَالفا لقولنا لأننا إِنَّمَا أَنْكَرْنَا قَول من قَالَ إِن أَسمَاء الله تَعَالَى مُشْتَقَّة من صِفَات ذَاته فَأطلق لذَلِك على الْعلم وَالْقُدْرَة وَالْقُوَّة وَالْكَلَام أَنَّهَا صِفَات وعَلى من أطلق إِرَادَة وسمعًا وبصرًا وحياة وَأطلق أَنَّهَا صِفَات فَهَذَا الَّذِي أنكرناه غَايَة الْإِنْكَار وَلَيْسَ فِي الحَدِيث الْمَذْكُور وَلَا فِي غَيره شَيْء من هَذَا أصلا وَإِنَّمَا فِيهِ أَن قل هُوَ الله أحد خَاصَّة صفة الرَّحْمَن وَلم ننكر هَذَا نَحن بل هُوَ خلاف لقَولهم وَحجَّة عَلَيْهِم لأَنهم لَا يخصون قل هُوَ الله أحد بذلك دون سَائِر الْقُرْآن وَدون الْكَلَام وَالْعلم وَغير ذَلِك وَفِي هَذَا الْخَبَر تَخْصِيص لقَوْله قل هُوَ الله أحد وَحدهَا بذلك وَقل هُوَ الله أحد خبر عَن الله تَعَالَى بِمَا هُوَ الْحق فَنحْن نقُول فِيهَا هِيَ صفة الرَّحْمَن لِمَعْنى أَنَّهَا خبر عَنهُ تَعَالَى حق فَظهر أَن هَذَا الْخَبَر حجَّة عَلَيْهِم لنا وَأَيْضًا فَمن أعجب الْبَاطِل أَن يحْتَج بِهَذَا الْخَبَر فِيمَا لَيْسَ
[ ٢ / ٩٥ ]
فِيهِ مِنْهُ شيءٌ من يُخَالِفهُ ويعصيه فِي الحكم الَّذِي ورد فِيهِ من اسْتِحْسَان قِرَاءَة قل هُوَ الله أحد فِي كل رَكْعَة مَعَ سُورَة أُخْرَى فلهذه الفضائح فلتعجب أهل الْعُقُول وَأما الصّفة الَّتِي يطلقونهم فَإِنَّمَا هِيَ فِي اللُّغَة وَاقعَة على عرض فِي جَوْهَر لَا على غير ذَلِك أصلا وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ رَبك رب الْعِزَّة عَمَّا يصفونَ﴾ فَأنْكر تَعَالَى إِطْلَاق الصِّفَات جملَة فَبَطل تمويه من موه بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور ليستحل بذلك مَا لَا يحل من إِطْلَاق لَفْظَة الصِّفَات حَيْثُ لم يَأْتِ بإطلاقها فِيهِ نَص وَلَا إِجْمَاع أصلا وَلَا أثر عَن السّلف وَالْعجب من اقتصارهم على لَفْظَة الصِّفَات ومنعهم من القَوْل بِأَنَّهَا نعوت وسمات وَلَا فرق بَين هَذِه الْأَلْفَاظ لَا فِي لُغَة وَلَا فِي معنى وَلَا فِي نَص وَلَا فِي إِجْمَاع