قَالَ الله ﷿ ﴿أنزلهُ بِعِلْمِهِ﴾ فَأخْبر تَعَالَى أَنه لَهُ علما ثمَّ اخْتلف النَّاس فِي علم الله تَعَالَى فَقَالَ جُمْهُور الْمُعْتَزلَة إِطْلَاق الْعلم لله ﷿ إِنَّمَا هُوَ مجَاز لَا حَقِيقَة وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ أَنه تَعَالَى لَا يجهل وَقَالَ سَائِر النَّاس أَن الله تَعَالَى علما حَقِيقَة لَا مجَاز ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَقَالَ جهم بن صَفْوَان وَهِشَام بن الحكم وَمُحَمّد بن عبد الله ابْن سيرة وأصحابهم أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله تَعَالَى وَهُوَ مُحدث مَخْلُوق سمعنَا ذَلِك مِمَّن جالسنا مِنْهُم وناظرناهم عَلَيْهِ وَقَالَت طوائف من أهل السّنة علم الله تَعَالَى غير مَخْلُوق لم يزل وَلَيْسَ هُوَ الله وَلَا هُوَ غير الله وَقَالَ الْأَشْعَرِيّ فِي أحد قوليه لَا يُقَال هُوَ الله وَلَا هُوَ غير الله وَقَالَ فِي قَول لَهُ آخر وَافقه عَلَيْهِ الباقلاني وَجُمْهُور أَصْحَابه أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله وَخلاف الله وَأَنه مَعَ ذَلِك غير مَخْلُوق لم يزل وَقَالَ أَبُو الْهُذيْل العلاف وَأَصْحَابه علم الله لم يزل وَهُوَ الله وَقَالَت طوائف من أهل السّنة علم الله لم يزل وَهُوَ غير مَخْلُوق وَلَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَلَا نقُول هُوَ الله وَكَانَ هِشَام ابْن عمر القوطي أحد شُيُوخ الْمُعْتَزلَة لَا يُطلق القَوْل بِأَن الله لم يزل عَالما بالأشياء قبل كَونهَا لَيْسَ لِأَنَّهُ لَا يعلم مَا يكون قبل أَن يكون بل كَانَ يَقُول إِن الله تَعَالَى لم يزل عَالما بِأَنَّهُ سَتَكُون الْأَشْيَاء إِذا كَانَت
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَأَما من أنكر أَن يكون لله تَعَالَى علم فَإِنَّهُم قَالُوا لَا يَخْلُو لَو كَانَ الله تَعَالَى علم من أَن يكون غَيره أَو يكون هُوَ هُوَ فَإِن كَانَ غَيره فَلَا يَخْلُو من أَن يكون مخلوقا أَو لم يزل وَأي الْأَمريْنِ كَانَ فَهُوَ فَاسد فَإِن كَانَ هُوَ الله فَالله علم وَهَذَا فَاسد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد أما نفس قَوْلهم فِي أَن لَيْسَ لله تَعَالَى علم فمخالف لِلْقُرْآنِ وَمَا خَالف الْقُرْآن فَبَاطِل وَلَا يحل لأحد أَن يُنكر مَا نَص الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَقد نَص الله تَعَالَى على أَنه لَهُ علما فَمن أنكرهُ فقد اعْترض على الله تَعَالَى وَأما اعتراضاتهم الَّتِي ذكرنَا ففاسدة كلهَا وسنوضح فَسَادهَا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي إفسادنا لقَوْل الْجَهْمِية والأشعرية لِأَن هَذِه الاعتراضات هِيَ اعتراضات هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد احْتج جهم بن صَفْوَان بِأَن قَالَ لَو كَانَ علم الله تَعَالَى لم يزل لَكَانَ لَا يَخْلُو من أَن لَا يكون هُوَ الله وَهُوَ غَيره فَإِن كَانَ علم الله غير الله وَهُوَ لم يزل فَهَذَا تشريك لله تَعَالَى وايجاب الأزلية لغيره تَعَالَى مَعَه وَهَذَا كفر وَإِن كَانَ هُوَ الله فَالله علم وَهَذَا إلحاد وَقَالَ نسْأَل من أنكر أَن يكون علم الله تَعَالَى هُوَ غَيره فَنَقُول أخبرونا إِذا قُلْنَا الله ثمَّ قُلْنَا إِنَّه عليم فَهَل فهمتم من قَوْلنَا عليم شَيْئا زايدًا غير مَا فهمتم من قَوْلنَا الله أم لَا فَإِن قُلْتُمْ لَا أحلتم وَإِن قُلْتُمْ نعم أثبتم معنى آخر هُوَ غير الله وَهُوَ علمه وَهَكَذَا قَالُوا فِي قدير وَقَوي وَفِي سَائِر مَا دعوا فِيهِ الصِّفَات وَقَالَ أَيْضا إننا نقُول أَن الله تَعَالَى عَالم بِنَفسِهِ وَلَا نقُول أَنه قَادر على نَفسه فصح أَن علمه
[ ٢ / ٩٩ ]
تَعَالَى هُوَ غير قدرته وَإِذا هُوَ غَيرهَا فهما غير الله تَعَالَى وَقد يعلم الله تَعَالَى قَادِرًا من لَا يُعلمهُ عَالما ويعلمه عَالما من لَا يُعلمهُ قَادِرًا فصح أَن كل ذَلِك معَان مُتَغَايِرَة وَاحْتج بِهَذَا كُله أَيْضا من رأى أَنه علم الله تَعَالَى لم يزل وَأَنه مَعَ ذَلِك غير الله تَعَالَى وَأَنه غير قدرته أَيْضا وَاحْتج بآيَات من الْقُرْآن مثل قَوْله تَعَالَى ﴿ولنبلونكم حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَالصَّابِرِينَ﴾ وَمثل هَذِه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد من قَالَ بحدوث الْعلم فَإِنَّهُ قَول عَظِيم جدا لِأَنَّهُ نَص بِأَن الله تَعَالَى لم يعلم شَيْئا حَتَّى أحدث لنَفسِهِ علما وَإِذا ثَبت أَن الله تَعَالَى يعلم الْآن الْأَشْيَاء فقد انْتَفَى عَنهُ الْجَهْل بهَا يَقِينا فَلَو كَانَ يَوْمًا من الدَّهْر لَا يعلم شَيْئا مِمَّا سَيكون فقد ثَبت لَهُ الْجَهْل بِهِ وَلَا بُد من هَذَا ضَرُورَة وَإِثْبَات الْجَهْل لله تَعَالَى كفر بِلَا خلاف لِأَنَّهُ وَصفه تَعَالَى بِالنَّقْصِ وَوَصفه يَقْتَضِي لَهُ الْحُدُوث وَلَا بُد وَهَذَا بَاطِل مِمَّا قدمنَا من انْتِفَاء جَمِيع صِفَات الْحُدُوث عَن الْفَاعِل تَعَالَى وَلَيْسَ هَذَا من بَاب نفي الضدين عَنهُ كنفينا عَنهُ تَعَالَى الْحَرَكَة والسكون لِأَن نفي جَمِيع الضدين مَوْجُود عَمَّا لَيْسَ فِيهِ أَحدهمَا أَو كِلَاهُمَا وَأما إِذا ثَبت للموصوف بعض نوع من الصِّفَات وانتفى عَنهُ بعض ذَلِك النَّوْع فَلَا بُد هَهُنَا ضَرُورَة من إِثْبَات ضِدّه مِثَال ذَلِك الْحجر انْتَفَى عَنهُ الْعلم وَالْجهل وَأما الْإِنْسَان إِذا ثَبت لَهُ الْعلم بِشَيْء وانتفى عَنهُ الْعلم بِشَيْء آخر فقد وَجب ضَرُورَة إِثْبَات الْجَهْل لَهُ بِمَا لم يُعلمهُ وَهَكَذَا فِي كل شَيْء فَإِذا قد صَحَّ هَذَا فَالْوَاجِب النّظر فِي إِفْسَاد احتجاجهم فَأَما قَوْلهم لَو كَانَ علم الله لم يزل وَهُوَ غير الله تَعَالَى لَكَانَ ذَلِك شركا فَهُوَ قَول صَحِيح وَاعْتِرَاض لَا يرد وَأما قَوْلهم لَو كَانَ هُوَ الله لَكَانَ الله علما فَهَذَا لَا يلْزم على مَا نبين بعد هَذَا إِن شَاءَ الله وَجُمْلَة ذَلِك أننا لَا نسمي الله ﷿ إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه وَلم يسم نَفسه علما وَلَا قدرَة فَلَا يحل لأحد أَن يسمه بذلك وَأما قَوْله هَل يفهم من قَول الْقَائِل الله كَالَّذي يفهم من قَوْله عَالم فَقَط أَو يفهم من قَوْله عَالم معنى غير مَا يفهم من قَوْله الله فجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى نتأيد أننا لَا نفهم من قَوْلنَا قدير وعالم إِذا أردنَا بذلك الله تَعَالَى إِلَّا مَا نفهم من قَوْلنَا الله فَقَط لِأَن كل ذَلِك أَسمَاء أَعْلَام لَا مُشْتَقَّة من صفة أصلا لَكِن إِذا قُلْنَا هُوَ الله تَعَالَى بِكُل شَيْء عليم وَيعلم
[ ٢ / ١٠٠ ]
الْغَيْب فَإِنَّمَا يفهم من كل ذَلِك أَن هَهُنَا لَهُ تَعَالَى مَعْلُومَات وَأَنه لايخفى عَلَيْهِ شَيْء وَلَا يفهم مِنْهُ الْبَتَّةَ أَن لَهُ علما هُوَ غَيره وَهَكَذَا نقُول فِي يقدر وَفِي غير ذَلِك كُله وَأما قَوْلهم أننا نقُول أَنه تَعَالَى عَالم بِنَفسِهِ وَلَا نقُول أَنه قَادر على نَفسه فقد كذب من قَالَ ذَلِك وإفك بل كل ذَلِك سَوَاء وَهُوَ تَعَالَى قَادر على نَفسه كَمَا هُوَ عَالم بهَا وَلَا فرق بَين ذَلِك وَقد سقط عَن هَذَا السُّؤَال جملَة وَقد تكلمنا على تَفْصِيل هَذَا السُّؤَال بعد هَذَا ويلزمهم ضَرُورَة إِذْ قَالُوا أَنه تَعَالَى غير قَادر على نَفسه أَنه عَاجز عَن نَفسه وَإِطْلَاق هَذَا كفر صَرِيح وَأما قَوْلهم أَنه قد يعلم الله تَعَالَى قَادِرًا من لَا يُعلمهُ عَالما ويعلمه عَالما من لَا يُعلمهُ قَادِرًا فَلَا حجَّة فِي ذَلِك لِأَن جهل من جهل الْحق لَيْسَ بِحجَّة على الْحق وَقد نجد من يعلم الله ﷿ ويعتقد فِيهِ أَنه ﷿ جسم فَلَيْسَتْ الظنون حجَّة فِي إبِْطَال حق وَلَا فِي تَحْقِيق بَاطِل فصح أَن علم الله تَعَالَى حق وَقدرته حق وقوته حق وكل ذَلِك لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَلَا الْعلم غير الْقُدْرَة وَلَا الْقُدْرَة غير الْعلم إِذْ لم يَأْتِ دَلِيل بِغَيْر هَذَا لَا من عقل وَلَا من سمع وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وحهم بن صَفْوَان سمرقندي يكنى أَبَا مُحرز مولى لبني راسب من الأزد وَكَانَ كالبا لِلْحَارِثِ ابْن شُرَيْح التَّمِيمِي أَيَّام قِيَامه بخراسان وظفر مُسلم بن أحوز التَّمِيمِي بجهم فِي تِلْكَ الْأَيَّام فَضرب عُنُقه
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمعنى كل مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن من الْآيَات الَّتِي ذكرُوا هُوَ مَا نبينه إِن شَاءَ الله تَعَالَى بحوله ﷿
هُوَ أَنه لما أخبرنَا الله ﷿ بِأَن أهل النَّار لَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ وَأخْبرنَا ﷿ بِأَنَّهُ يعلم مَتى تقوم السَّاعَة وَأخْبرنَا مَا تَقول أهل الْجنَّة وَأهل النَّار قبل أَن يَقُولُوا أَو سَائِر مَا فِي الْقُرْآن وَالْأَخْبَار الصادقة عَمَّا لم يكن بعد علمنَا بذلك إِن علمه تَعَالَى بالأشياء كلهَا مقدم لوجودها ولكونها ضَرُورَة وَعلمنَا أَن كَلَامه ﷿ لَا يتناقض وَلَا يتدافع وَأَن المُرَاد بقوله تَعَالَى حَتَّى نعلم الْمُجَاهدين مِنْكُم وَسَائِر مَا فِي الْقُرْآن من مثل هَذَا إِنَّمَا هُوَ على ظَاهره دون تكلّف تَأْوِيل بل على الْمَعْهُود بَيْننَا كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿فقولا لَهُ قولا لينًا لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ فَمَا هُوَ كُله على حسب إِدْرَاك لمخاطب وَمعنى ذَلِك أَي حَتَّى نعلم من يُجَاهد مِنْكُم مُجَاهدًا ونعلم من يصير مِنْكُم صَابِرًا وَهَذَا لَا يكون إِلَّا فِي حِين جهادهم وَحين صبرهم وَأما قبل أَن يجاهدوا ويصبروا فَإِنَّمَا علمهمْ غير مجاهدين وَغير صابرين وَأَنَّهُمْ سيجاهدون ويصبرون فَإِذا جاهدوا علمهمْ حينئذٍ مجاهدين وَإِنَّمَا الزَّمَان فِي كل هَذَا للعلوم وَأما علمه تَعَالَى فَفِي غير زمَان وَلَيْسَ هَهُنَا تبدل علم وَإِنَّمَا يتبدل الْمَعْلُوم فَقَط وَالْعلم بِكُل ذَلِك لم يزل غير متبدل فَإِن قَالُوا مَتى علم الله زيدا مَيتا
[ ٢ / ١٠١ ]
فَإِن قُلْتُمْ لم يزل يُعلمهُ مَيتا وَجب أَن زيدا لم يزل مَيتا وَهَذَا محَال وَإِن قُلْتُمْ لم يُعلمهُ مَيتا حَتَّى مَاتَ فَهَذَا قَوْلنَا لَا قَوْلكُم فَالْجَوَاب عَن هَذَا أننا لَا نقُول شَيْئا مِمَّا ذكر ولكننا نقُول أَن الله عز حجل لم يزل يعلم أَنه سيخلف زيدا وَأَنه سيعيش كَذَا وَكَذَا وَأَنه سيموت فِي وَقت كَذَا فَعلم الله تَعَالَى بِكُل ذَلِك وَاحِد لَا يتبدل وَلَا يَسْتَحِيل وَلَا زَاد فِيهِ تبدل الْأَحْوَال الَّتِي للمعلوم شَيْئا وَلَا نقص مِنْهُ عدمهَا شَيْئا وَلَا أحدث لَهُ حُدُوث ذَلِك علما لم يكن وَإِنَّمَا تغاير المعلومات لَا الْعلم وَلَا الْعَلِيم وَلَا الْقُدْرَة وَلَا الْقَدِير وَالْفرق بَين القَوْل مَتى علم الله زيدا مَيتا وَبَين القَوْل مَتى علمت زيدا مَيتا فرق بَين وَهُوَ أَن علمي بِأَن زيدا مَاتَ هُوَ عرض حدث فِي النَّفس بحدوث موت زيد وَهُوَ غير علمي بِأَن زيدا حَيّ وَأَنه سيموت لِأَن علمي بِأَن زيدا سيموت إِنَّمَا هُوَ علم بِأَنَّهُ ستحدث حَال مقتضية لمَوْته يَوْمًا مَا لَا علمنَا بِوُجُود الْمَوْت وَعلمِي بِأَن زيدا ميت علم بِوُجُود الْمَوْت فَهُوَ غير الْعلم الأول وَكِلَاهُمَا عرض مَخْلُوق فِي النَّفس وَعلم الله تَعَالَى لَيْسَ كَذَلِك لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ شَيْئا غير الله ﷿ وَلَو كَانَ علم الله مُحدثا لوَجَبَ ضَرُورَة أَن يكون على حكم سَائِر المحدثات وبضرورة الْعقل نعلم أَن الْعلم كَيْفيَّة عرض وَالْعرض لَا يقوم الْبَتَّةَ إِلَّا فِي جسم ومحال أَن يكون الْعلم مَحْمُولا فِي غير الْعَالم بِهِ فَكَانَ يجب من هَذَا القَوْل بالتجسيم وَهَذَا قَول قد بَطل بِمَا قدمنَا من الْبَرَاهِين على وجوب حُدُوث كل جسم وَعرض فَإِن قَالَ قَائِل علم الله تَعَالَى عرض حَادث فِي الْمَعْلُوم قَائِم بِهِ لَا بالباري ﷿ وَلَا بِنَفسِهِ قُلْنَا لَهُ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق بِنَصّ الْقُرْآن علمنَا أَن الله ﷿ عِنْده علم السَّاعَة وَعلم مَا لَا يكون أبدا إِن لَو كَانَ كَيفَ كَانَ يكون إِذْ يَقُول تَعَالَى ﴿وَلَو ردوا لعادوا لما نهوا عَنهُ﴾ وَلقَوْله تَعَالَى لنوح ﵇ ﴿أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن﴾ وَأخْبر تَعَالَى أَنهم مغرقون فَلَو كَانَ علم الله تَعَالَى عرضا قَائِما فِي الْمَعْلُوم والمعلوم الَّذِي هُوَ السَّاعَة غير مَوْجُود بعد وَالْعلم مَوْجُود بِيَقِين فَلَا بُد ضَرُورَة من أحد أَمريْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَن يكون الْمَعْلُوم مَوْجُودا لوُجُود الْعلم بِهِ وَهَذَا بَاطِل بضرورة الْحس لِأَن الْمَعْلُوم الَّذِي ذكرنَا مَعْدُوم فَيكون مَعْدُوما مَوْجُودا فِي حِين وَاحِد من جِهَة وَاحِدَة أَو يكون الْعلم الْمَوْجُود قَائِما بِمَعْلُوم مَعْدُوم فَيكون عرض مَوْجُود مَحْمُولا فِي حَامِل مَعْدُوما وَهَذَا تَخْلِيط ومحال فَاسد الْبَتَّةَ وَإِنَّمَا كلامنا هَذَا مَعَ أهل ملتنا المقرين بِالْقُرْآنِ وَأما سَائِر الْملَل فَلَيْسَ نكلمهم فِي هَذَا لِأَنَّهَا نتيجة مُقَدمَات سوالف وَلَا يجوز الْكَلَام فِي النتيجة إِلَّا بعد إِثْبَات الْمُقدمَات فَإِن ثَبت الْمُقدمَات ثبتَتْ النتيجة والبرهان لَا يُعَارضهُ برهَان فَكل مَا ثَبت ببرهان فعورض بِشَيْء فَإِنَّمَا هُوَ شغب بِلَا شكّ وَإِن لم تصح الْمُقدمَات فالنتيجة بَاطِلَة دون تكلّف دَلِيل ومقدمات مَا ذكرنَا هِيَ إِثْبَات التَّوْحِيد وحدوث الْعَالم وَنقل الكواف لنبوة مُحَمَّد صلى
[ ٢ / ١٠٢ ]
الله عَلَيْهِ وَسلم وللقرآن فَإِن ذكرُوا الْآيَات الَّتِي فِي الْقُرْآن مثل ﴿لَعَلَّه يتَذَكَّر أَو يخْشَى﴾ لَعَلَّكُمْ تؤمنون ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ ﴿لَعَلَّكُمْ تذكرُونَ﴾ وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّمَا هِيَ كلهَا بِمَعْنى لَام الْعَاقِبَة أَي ليتذكر ولتؤمنوا وليشكروا وليتذكروا وليخشى على ظَاهر الْأَمر عندنَا من إِمْكَان كل ذَلِك منا كَمَا قَالَ ﷿ ﴿ليَبْلُوكُمْ أَيّكُم أحسن عملا﴾ وَقَالَ ﷿ ﴿ثمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ فَهَذَا أَيْضا على الْإِمْكَان مِمَّن عَاشَ وَالْأول على الْمُمكن من النَّاس عِنْد الْخطاب وَالدُّعَاء إِلَى الله تَعَالَى وَكَذَلِكَ كل مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن بِلَفْظَة أَو فَإِنَّمَا هُوَ على أحد وَجْهَيْن أما على الشَّك من المخاطبين لَا من الله تَعَالَى وَأما بِمَعْنى التَّخْيِير فِي الْكل كَقَوْل الْقَائِل جَالس الْحسن أَو ابْن سِرين برهَان ذَلِك وُرُود النَّص بِأَنَّهُ تَعَالَى لَا يضل وَلَا ينسى وَأَنه قد علم أَن فِرْعَوْن لَا يُؤمن حَتَّى يرى الْعَذَاب وكما قَالَ تَعَالَى أَنه لن يُؤمن من قَوْمك إِلَّا من قد آمن وَبِهَذَا تتألف النُّصُوص كلهَا فَلم يبْق لأهل القَوْل بحدوث الْعلم إِلَّا أَن يَقُولُوا أَنه تَعَالَى خلق شَيْئا مَا كَانَ حَامِلا لعلمه بالساعة
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا من السخف مَا هُوَ من الْعلم لِأَن علم الْعَالم لَا يقوم بِغَيْرِهِ وَلَا يحملهُ سواهُ هَذَا أَمر يعلم بِالضَّرُورَةِ والحس فَمن ادّعى دَعْوَى لَا يَأْتِي عَلَيْهَا بِدَلِيل فَهِيَ بَاطِلَة فَكيف إِذا أبطلها الْحس وضرورة الْعقل وَيبين مَا قُلْنَا نصا قَوْله تَعَالَى حاكيًا عَن نبيه مُوسَى ﵇ أَنه قَالَ لبني إِسْرَائِيل ﴿عَسى ربكُم أَن يهْلك عَدوكُمْ ويستخلفكم فِي الأَرْض فَينْظر كَيفَ تَعْمَلُونَ﴾ هَذَا مَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿وقضينا إِلَى بني إِسْرَائِيل فِي الْكتاب لتفسدن فِي الأَرْض مرَّتَيْنِ ولتعلن علوا كَبِيرا فَإِذا جَاءَ وعد أولاهما بعثنَا عَلَيْكُم عبادًا لنا أولي بَأْس شَدِيد فجاسوا خلال الديار وَكَانَ وَعدا مَفْعُولا ثمَّ رددنا لكم الكرة عَلَيْهِم وأمددناكم بأموال وبنين وجعلناكم أَكثر نفيرًا إِن أَحْسَنْتُم أَحْسَنْتُم لأنفسكم وَإِن أسأتم فلهَا فَإِذا جَاءَ وعد الْآخِرَة ليسوؤوا وُجُوهكُم وليدخلوا الْمَسْجِد كَمَا دَخَلُوهُ أول مرّة وليتبروا مَا علوا تتبيرًا عَسى ربكُم أَن يَرْحَمكُمْ وَإِن عدتم عدنا﴾ فَهَذَا نَص قَوْلنَا أَنه قد علم تَعَالَى مَا يَفْعَلُونَ وَأخْبر بذلك ثمَّ مَعَ هَذَا أخرج الْخطاب بالمعهود عندنَا بِلَفْظ عِيسَى وفينظر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا قد صَحَّ مَا كرنا فقد ثَبت ضَرُورَة إِن قَول الْقَائِل مَتى علم الله زيدا مَيتا سُؤال فَاسد بِالضَّرُورَةِ لِأَن مَتى سُؤال عَن زمَان وَعلم الله تَعَالَى لَيْسَ فِي زمَان أصلا لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَقد مضى الْبُرْهَان على أَن الله تَعَالَى لَيْسَ فِي زمَان وَلَا فِي مَكَان وَإِنَّمَا الزَّمَان وَالْمَكَان للمعلوم فَقَط بِمَا بَينا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن اعْترض معترض بقول الله ﷿ ﴿وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ فَقَالَ إِن من للتَّبْعِيض وَلَا يَتَبَعَّض إِلَّا مُحدث مَخْلُوق وَلَا يحاط إِلَّا بمخلوق مُحدث وَقد نَص الله تَعَالَى أَنه يحاط بِمَا شَاءَ من علمه فَوَجَبَ أَن علمه مَخْلُوق لِأَنَّهُ محاط بِبَعْضِه وَهُوَ متبعض فَالْجَوَاب وَبِاللَّهِ تَعَالَى
[ ٢ / ١٠٣ ]
التَّوْفِيق أَن كَلَام الله تَعَالَى وَاجِب أَن يحمل على ظَاهره وَلَا يُحَال عَن ظَاهره الْبَتَّةَ إِلَّا أَن يَأْتِي نَص أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة حس على أَن شَيْئا مِنْهُ لَيْسَ على ظَاهره وَأَنه قد نقل عَن ظَاهره إِلَى معنى آخر فالانقياد وَاجِب علينا لما أوجبه ذَلِك النَّص وَالْإِجْمَاع أَو الضَّرُورَة لِأَن كَلَام الله تَعَالَى وإخباره وأوامره لَا تخْتَلف وَالْإِجْمَاع لَا يَأْتِي إِلَّا بِحَق وَالله تَعَالَى لَا يَقُول إِلَّا الْحق وكل مَا أبْطلهُ برهَان ضَرُورِيّ فَلَيْسَ بِحَق فَإِن هَذَا كَمَا قُلْنَا وَقد ثَبت ضَرُورَة أَن علم الله تَعَالَى لَيْسَ عرضا وَلَا جسمًا أصلا لَا مَحْمُولا فِيهِ وَلَا فِي غَيره وَلَا هُوَ شَيْء غير الْبَارِي ﷿ فبالضرورة نعلم أَن معنى قَوْله ﷿ وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِنَّمَا المُرَاد الْعلم الْمَخْلُوق الَّذِي أعطَاهُ عباده وَهُوَ عرض فِي الْعَالمين مَحْمُول فيهم وَهُوَ مُضَاف إِلَى الله ﷿ بِمَعْنى الْملك وَهَذَا لَا شكّ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا علم لنا إِلَّا مَا علمنَا قَالَ الله ﷿ ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ من الْعلم إِلَّا قَلِيلا﴾ يُرِيد تَعَالَى مَا خلق من الْعُلُوم وبثها فِي عباده كَمَا قَالَ الْخضر لمُوسَى ﵉ أَنِّي على علم من علم الله لَا تعلمه أَنْت وَأَنت على علم من علم الله لَا أعلمهُ أَنا وَمَا نقص علمي وعلمك من علم الله إِلَّا كَمَا نقص هَذَا العصفور من الْبَحْر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَذِهِ إِضَافَة الْملك وكما قَالَ تَعَالَى فِي عِيسَى أَنه روح الله وَهَذَا كُله إِضَافَة الْملك فها معنى قَوْله تَعَالَى وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ وَقد نفى الله تَعَالَى الْإِحَاطَة من الْخلق بِهِ فَقَالَ ﷿ وَلَا يحيطون بِهِ علما
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَيخرج أَيْضا على ظَاهره أحسن خُرُوج دون تَأْوِيل ولاتكلف فَيكون معنى قَوْله تَعَالَى وَلَا يحيطون بِشَيْء من علمه إِلَّا بِمَا شَاءَ أَي من الْعلم بِاللَّه تَعَالَى وَهَذَا حق لَا شكّ فِيهِ لأننا لَا نحيط من الْعلم بِهِ تَعَالَى إِلَّا بِمَا علمنَا فَقَط قَالَ تَعَالَى وَلَا يحيطون بِهِ علما فَيكون معنى من علمه أَي من مَعْرفَته فَإِن قَالُوا فَمَا معنى دعائكم الله فِي الرَّحْمَة وَالْمَغْفِرَة وَهل يَخْلُو أَن يكون سبق علمه بِالرَّحْمَةِ فَأَي معنى للدُّعَاء فيمالا بُد مِنْهُ وَهل هُوَ إِلَّا كمن دعِي فِي طُلُوع الشَّمْس غَدا أَو فِي أَن يَجْعَل إنْسَانا إنْسَانا أَو فِي أَن تكون الأَرْض أَرضًا وَإِن كَانَ سبق فِي علمه تَعَالَى حلاف ذَلِك فَأَي معنى فِي الدُّعَاء فِيمَا لَا يكون وَهل هُوَ إِلَّا كمن دعى فِي أَن لَا تقوم السَّاعَة أَو فِي أَن لَا يكون النَّاس نَاسا فَيُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق الدُّعَاء عمل أمرنَا الله تَعَالَى بِهِ لَا على أَنه يرد قدرا وَلَا أَنه يكون من أَجله مَالا يكون لَكِن الله تَعَالَى قد جعل فِي سَابق علمه الدُّعَاء الَّذِي سبق فِي علمه قبُوله يكون سَببا لما سبق فِي علمه كَونه كَمَا جعل فِي سَابق علمه الغذا بِالطَّعَامِ وَالشرَاب سَببا لبلوغ الْأَجَل الَّذِي سبق فِي علمه الْبلُوغ إِلَيْهِ وَكَذَلِكَ سَائِر الْأَعْمَال وَقد نَص تَعَالَى على أَنه تَعَالَى يعلم آجال الْعباد قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا جَاءَ أَجلهم لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَة وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ وَمَعَ ذَلِك فقد جعل تَعَالَى الْأكل وَالشرب سَببا إِلَى اسْتِيفَاء ذَلِك الْمِقْدَار وكل ذَلِك سَابق فِي علمه ﷿ وَالدُّعَاء
[ ٢ / ١٠٤ ]
هَكَذَا وَكَذَلِكَ التَّدَاوِي على سَبِيل الطِّبّ وَلَا فرق وَقد أخبرنَا تَعَالَى أَنه يُصَلِّي على نبيه ﷺ وأمرنا مَعَ ذَلِك بِالدُّعَاءِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَقَالَ تَعَالَى قل رب احكم بِالْحَقِّ فَأمرنَا بِالدُّعَاءِ بذلك وَقد علمنَا أَنه تَعَالَى لَا يحكم إِلَّا بِالْحَقِّ فصح مَا قُلْنَا من أَن الدُّعَاء عمل أمرنَا بِهِ فَنحْن نعمله حَيْثُ أمرنَا ﷿ بِهِ وَلَا نعمله حَيْثُ لم نؤمر بِهِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِذا قد بَطل بعون الله تَعَالَى وتأييده قَول من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله تَعَالَى وَهُوَ مَخْلُوق فلنتكلم بعون الله تَعَالَى وتأييده قَول من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله وَهُوَ مَخْلُوق فلنتكلم بعون الله تَعَالَى وتأييده على قَوْله من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله تَعَالَى وخلافه وَأَنه لم يزل مَعَ الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا قَول لَا يحْتَاج فِي رده إِلَى أَكثر من أَنه شرك مُجَرّد وَإِبْطَال للتوحيد لِأَنَّهُ إِذا كَانَ مَعَ الله تَعَالَى شَيْء غَيره لم يزل مَعَه فقد بَطل أَن يكون الله تَعَالَى كَانَ وَحده بل قد صَار لَهُ شريك فِي أَنه لم يزل وَهَذَا كفر مُجَرّد ونصرانية مَحْضَة مَعَ أَنَّهَا دَعْوَى سَاقِطَة بِلَا دَلِيل أصلا وَمَا قَالَ بِهَذَا أحد قطّ من أهل الْإِسْلَام قبل هَذِه الْفرْقَة المحدثة بعد الثلاثمائة عَام فَهُوَ خُرُوج عَن الْإِسْلَام وَترك للْإِجْمَاع الْمُتَيَقن وَقد قلت لبَعْضهِم إِذْ قُلْتُمْ أَنه لم يزل مَعَ الله تَعَالَى شَيْء آخر هُوَ غَيره وخلافه وَلم يزل مَعَه فلماذا أنكرتم على النَّصَارَى فِي قَوْلهَا أَن الله ثَالِث ثَلَاثَة فَقَالَ لي مُصَرحًا مَا أَنْكَرْنَا على النَّصَارَى إِلَّا اقتصارهم على الثَّلَاثَة فَقَط وَلم يجْعَلُوا مَعَه تَعَالَى أَكثر من ذَلِك فَأَمْسَكت عَنهُ إِن صرح بِأَن قَوْلهم أَدخل فِي الشّرك من قَول النَّصَارَى وَقَوْلهمْ هَذَا رد لقَوْل الله ﷿ قل هُوَ الله أحد فَلَو كَانَ مَعَ الله غير الله لم يكن الله أحد
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمَا كُنَّا نصدق من أَن ينتمي إِلَى الْإِسْلَام يَأْتِي بِهَذَا أَنا شاهدناهم وناظرناهم ورأينا ذَلِك صراخا فِي كتبهمْ ككتاب السمناني قَاضِي الْموصل فِي عصرنا هَذَا وَهُوَ من أكابرهم وَفِي كتاب الْمجَالِس للأشعري وَفِي كتب لَهُم أخر
[ ٢ / ١٠٥ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَالْعجب مَعَ هَذَا كُله تَصْرِيح الباقلاني وَابْن فورك فِي كتبهما فِي الْأُصُول وَغَيرهَا بِأَن علم الله تَعَالَى وَاقع مَعَ علمنَا تَحت حد وَاحِد وَهَذِه حَمَاقَة ممزوجة بهوس إِذْ جعلُوا مَا لم يزل محدودًا بِمَنْزِلَة المحدثات وكل مَا أدخلْنَاهُ على المنانية وَالنَّصَارَى وَمن يبطل التَّوْحِيد فَهُوَ دَاخل على هَذِه الْفرْقَة حرفا بِحرف فأغنانا أَن نحيل على ذَلِك عَن تكراره ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَا مَعَ قَوْلهم إِن التغاير لَا يكون إِلَّا فِيمَا جَازَ أَن يُوجد أَحدهمَا دون الآخر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه غَايَة السخافة لِأَنَّهُ دَعْوَى بِلَا برهَان عَلَيْهَا لَا من قُرْآن وَلَا سنة وَلَا مَعْقُول وَلَا لُغَة أصلا وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل ويلزمهم على هَذَا أَن الْخلق لَيْسُوا غير الْخَالِق تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُوجد الْخلق دون الْخَالِق فَإِن قَالُوا جَائِز أَن يُوجد الْخَالِق دون الْخلق قُلْنَا نعم فَمن أَيْن لكم أَن أحد التغاير هُوَ أَنه لَا يجوز أَن يُوجد أَحدهمَا أَيهمَا كَانَ دون الآخر وَهَذَا مَا لَا سَبِيل لَهُم إِلَيْهِ ويلزمهم لُزُوما لَا ينفكون عَنهُ إِن الْإِعْرَاض لَيست غير الْجَوَاهِر لِأَنَّهُ لَا يجوز الْبَتَّةَ وَلَا يُمكن وَلَا يتَوَهَّم وجود أَحدهمَا دون الآخر جملَة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وحد التغاير الصَّحِيح هُوَ مَا شهِدت لَهُ اللُّغَة وضرورة الْحس وَالْعقل وَهُوَ أَن كل مسميين جَازَ أَن يخبر عَن أَحدهمَا بِخَبَر من لَا يخبر بِهِ عَن الآخر فهما غير أَن لَا بُد من هَذَا وَبِالْجُمْلَةِ مَا لم يكن غير الشَّيْء نَفسه فَهُوَ غَيره وَمَا لم يكن غير الشَّيْء فَهُوَ نَفسه وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِذا قد بَطل بعون الله تَعَالَى وتأييده قَول من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى هُوَ غير الله ثمَّ جعله مخلوقا أَو جعله لم يزل فلنقل سَائِر الْأَقْوَال فِي هَذِه الْمَسْأَلَة إِن شَاءَ الله ﷿ وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد من قَالَ أَن علم الله تَعَالَى لَيْسَ هُوَ الله تَعَالَى وَلَا هُوَ غَيره لكنه صفة ذَات لم يزل فَكَلَام فَاسد محَال متناقض يبطل بعضه بَعْضًا لأَنهم إِذْ قَالُوا علم الله تَعَالَى لَيْسَ هُوَ لله فقد أوجبوا بِهَذَا القَوْل ضَرُورَة أَنه غَيره ثمَّ إِذْ قَالُوا وَلَا هُوَ غَيره فقد أبطلوا الغيرية وأوجبوا بِهَذَا القَوْل ضَرُورَة أَنه هُوَ فصح أَنه سَوَاء قَول الْقَائِل هُوَ هُوَ ولاغيره وَقَول الْقَائِل هُوَ هُوَ وَهُوَ غَيره
[ ٢ / ١٠٦ ]
فَإِن معنى هَاتين القضيتين وَاحِد لايختلف وكلا العبارتين بَاطِل مُنَاقض لَا يعقل نفي وَإِثْبَات مَعًا وَهَذَا تَخْلِيط الممرورين نَعُوذ بِاللَّه من الخذلان وَالْعجب من احتجاج بَعضهم فِي هَذَا الْبَاطِل بِأَن قَالَ إِن الطول لَيْسَ هُوَ الطَّوِيل وَلَا هُوَ غَيره
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا من أَطَم مَا يكون من الْجَهْل والمكابرة إِذْ لَا يدْرِي هَذَا الْقَائِل أَن الطَّوِيل جَوْهَر جسم قَائِم بِنَفسِهِ حَامِل لطوله ولسائر أعراضه وَإِن الطَّوِيل عرض من الْأَعْرَاض مَحْمُول فِي الطَّوِيل غير قَائِم بِنَفسِهِ فَمن جهل أَن الْمَحْمُول غير الْحَامِل وَأَن الْقَائِم بِنَفسِهِ هُوَ غير مَا لَا يقوم بِنَفسِهِ فَهُوَ عديم حس وَيَنْبَغِي لَهُ أَن يعلم قبل أَن يهدر وَنحن نريه الطين الطَّوِيل يَدُور فَيذْهب الطول والتربيع وَيَأْتِي التدوير وَالَّذِي كَانَ طَويلا بَاقٍ بحسه فَهَل يخفى على سَالم التَّمْيِيز أَن الذَّاهِب غير الْآتِي وَأَن الفاني غير الْبَاقِي فبالضرورة نعلم أَن الطول غير الطَّوِيل ثمَّ نقُول لمن تعلق بِهَذِهِ الْعبارَة الْفَاسِدَة أخبرونا هَل يَخْلُو كل اسْمَيْنِ متغايرين من أحد وَجْهَيْن ضَرُورَة لَا ثَالِث لَهَا الْبَتَّةَ أما أَن يكون الاسمان واقعين مَعًا على شَيْء وَاحِد يعبر بذينك الاسمين على ذَلِك الشَّيْء الَّذِي علق عَلَيْهِ وَأما أَن يكون الاسمان واقعين مَعًا على شَيْئَيْنِ اثْنَيْنِ يعبر بِكُل اسْم مِنْهُمَا على حِدته عَن الشَّيْء الَّذِي علق عَلَيْهِ ذَلِك الِاسْم هَذَانِ وَجْهَان لَا بُد من أَحدهمَا ضَرُورَة لكل اسْمَيْنِ وَأي هذَيْن كَانَ فَهُوَ مُبْطل لتخليط من قَالَ لَا هُوَ هُوَ وَلَا غَيره وَقد زَاد بَعضهم فِي الشعوذة والسفسطة وإفساد الْحَقَائِق فَأتى بِدَعْوَى فَاسِدَة وَذَلِكَ أَن قَالَ لَا يكون الشَّيْء غير الشَّيْء إِلَّا إِذا أمكن أَن ينْفَرد أَحدهمَا عَن الآخر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه دَعْوَى مُجَرّدَة بِلَا دَلِيل فَلَو لم يكن إِلَّا هَذَا لسقط هَذَا التمويه فَكيف وَهِي قَضِيَّة فَاسِدَة لِأَنَّهَا توجب أَن كُلية الْإِعْرَاض لَيست غير كُلية الْجَوَاهِر لِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى انْفِرَاد الْجَوَاهِر عَن الْإِعْرَاض وَلَا انْفِرَاد الْإِعْرَاض عَن الْجَوَاهِر فَكفى فَسَادًا بِكُل هذيان أدّى إِلَى مثل هَذَا التَّخْلِيط
قَالَ أَبُو مُحَمَّد حد التغاير فِي الغيرين هُوَ أَن كل شَيْء أخبر عَنهُ بِخَبَر مَا لَا يكون ذَلِك الْوَقْت خَبرا عَن الشَّيْء الآخر فَهُوَ بِالضَّرُورَةِ غير مَا لَا يُشَارِكهُ فِي ذَلِك الْخَبَر وَلَيْسَ فِي كل مَا يعلم وَيُوجد شَيْئَانِ يخلوان من هَذَا الْوَصْف بِوَجْه من الْوُجُوه وَهَذَا مُقْتَضى لَفْظَة الْغَيْر فِي اللُّغَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق مَعَ أَن هَذَا أَمر يعلم بضرورة الْحس وَالْعقل وحد الهوية هُوَ أَن كل مَا لم يكن غير الشَّيْء فَهُوَ هُوَ بِعَيْنِه إِذْ لَيْسَ بَين الهوية والغيرية وسيطة يَعْقِلهَا أحد الْبَتَّةَ فَمَا خرج عَن أَحدهمَا دخل فِي الآخر وَلَا بُد وَأَيْضًا فَكل اسْمَيْنِ مُخْتَلفين
[ ٢ / ١٠٧ ]
لَا يخبر عَن مُسَمّى أَحدهمَا بِشَيْء إِلَّا كَانَ ذَلِك الْخَبَر خَبرا عَن مُسَمّى الِاسْم الآخر وَلَا بُد أبدا فمسماهما وَاحِد بِلَا شكّ فَإِذا قد صَحَّ فَسَاد هَذَا القَوْل فلنقل بعون الله تَعَالَى أَنه لم يزدْ فِي هَذِه الْعبارَة على أَن قَالَ لَا يُقَال فِي هَذَا شَيْء
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا خطأ لِأَنَّهُ لَا بُد ضَرُورَة من أحد هذَيْن الْقَوْلَيْنِ فَسقط هَذَا القَوْل أَيْضا إِذْ لَيْسَ فِيهِ بَيَان الْحَقِيقَة وَأما قَول أبي الْهُذيْل أَن علم الله هُوَ الله فَإِنَّهُ تَسْمِيَة مِنْهُ للباري تَعَالَى باستدلال وَلَا يجوز أَن يخبر عَن الله تَعَالَى وَلَا أَن يُسمى باستدلال الْبَتَّةَ لِأَنَّهُ بِخِلَاف كل مَا خلق فَلَا دَلِيل يُوجب تَسْمِيَته بِشَيْء من الْأَسْمَاء الَّتِي يُسمى بهَا شَيْء من خلقه وَلَا أَن يُوصف بِصفة يُوصف بهَا شَيْء من خلقه وَلَا أَن يخبر عَنهُ بِمَا يخبر بِهِ عَن شَيْء من خلقه إِلَّا أَن يَأْتِي نَص بِشَيْء من ذَلِك فَيُوقف عِنْده فَمن وَصفه تَعَالَى بِصفة يُوصف بهَا شَيْء من خلقه أَو سَمَّاهُ باسم يُسَمِّي بِهِ شَيْء من خلقه اسْتِدْلَال لَا على ذَلِك بِمَا وجد فِي خلقه فقد شبهه تَعَالَى بخلقه وألحد فِي أَسْمَائِهِ وافترى الْكَذِب وَلَا يجوز أَن يُسمى الله تَعَالَى وَلَا أَن يخبر عَنهُ إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه أَو أخبر بِهِ عَن نَفسه فِي كِتَابه أَو على لِسَان رَسُوله ﷺ أَو صَحَّ بِهِ إِجْمَاع جَمِيع أهل الْإِسْلَام الْمُتَيَقن وَلَا مزِيد وَحَتَّى وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا فَلَا يجوز أَن يُطلق عَلَيْهِ تَعَالَى اللَّفْظ وَقد علمنَا يَقِينا أَن الله ﷿ بني السَّمَاء قَالَ تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاء بنيناها بأيد﴾ وَلَا يجوز أَن يُسمى بِنَاء وَأَنه تَعَالَى خلق أصباغ النَّبَات وَالْحَيَوَان وَأَنه تَعَالَى قَالَ ﴿صبغة الله﴾ وَلَا يجوز أَن يُسمى صباغًا وَهَكَذَا كل شَيْء لم يسم بِهِ نَفسه وَلَيْسَ يجب أَن يُسمى الله تَعَالَى بِأَنَّهُ هُوَ علمه وَإِن صَحَّ يَقِينا أَن لَهُ علما لَيْسَ هُوَ غَيره لما ذكرنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقد صَحَّ أَن ذَات الله تَعَالَى لَيست غَيره وَأَن وَجهه لَيْسَ غَيره وَأَن نَفسه لَيست غَيره وَأَن هَذِه الْأَسْمَاء لَا يعبر بهَا إِلَّا عَنهُ تَعَالَى لَا عَن شَيْء غَيره تَعَالَى الْبَتَّةَ وَلَا يجوز أَن يُقَال أَنه تَعَالَى ذَات وَلَا أَنه وَجه وَلَا أَنه نفس وَلَا أَنه علم وَلَا أَنه قدرَة وَلَا أَنه قُوَّة لما ذكرنَا من امْتنَاع أَن يُسمى عَالم بِهِ نَفسه عَن رجل وَأما علم لمخلوقين فَهُوَ شَيْء غَيرهم بِلَا شكّ لِأَنَّهُ يذهب ويعاقبه جهل والباري تَعَالَى لَا يُشبههُ غَيره فِي شَيْء من هَذِه الْأَشْيَاء الْبَتَّةَ بل هُوَ تَعَالَى خلاف خلقه فِي كل وَجه فَوَجَبَ أَن علمه تَعَالَى لَيْسَ غَيره وَقَالَ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَإِن قَالَ لنا قَائِل إِذْ الْعلم عنْدكُمْ لَيْسَ هُوَ غير الله تَعَالَى وَأَن قدرته لَيست غَيره وَأَن قوته لَيست غَيره تَعَالَى فَأنْتم إِذا تَعْبدُونَ الْعلم وَالْقُدْرَة وَالْقُوَّة فجوابنا فِي ذَلِك وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إننا إِنَّمَا نعْبد الله تَعَالَى بِالْعَمَلِ الَّذِي أمرنَا بِهِ لَا بِمَا سواهُ وَلَا نَدْعُوهُ إِلَّا كَمَا أمرنَا تَعَالَى قَالَ ﷿ ﴿وَللَّه الْأَسْمَاء الْحسنى فَادعوهُ بهَا وذروا الَّذين يلحدون فِي أَسْمَائِهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا أمروا إِلَّا ليعبدوا الله مُخلصين لَهُ الدّين﴾ فَنحْن لَا نعْبد إِلَّا الله كَمَا أمرنَا وَلَا نقُول أننا نعْبد الْعلم لِأَن الله تَعَالَى لم يُطلق لنا أَن نطلق هَذَا اللَّفْظ وَلَا أَن نعتقده
[ ٢ / ١٠٨ ]
ثمَّ نسألهم عَمَّا سألونا عَنهُ بِعَيْنِه فَنَقُول لَهُم أَنْتُم تقرون أَن وَجه الله وَعين الله وَيَد الله وَنَفس الله لَيْسَ شَيْء من ذَلِك غير الله تَعَالَى بل ذَلِك عنْدكُمْ هُوَ الله فَأنْتم إِذا تَعْبدُونَ الْوَجْه وَالْيَد وَالْعين والذات فَإِن قَالُوا نعم قُلْنَا لَهُم فَقولُوا فِي دعائكم يَا يَد الله ارحمينا وَيَا عين الله ارضي عَنَّا وَيَا ذَات الله اغفري لنا إياك نعْبد وَقُولُوا نَحن خلق وَجه الله وَعبيد عين الله فَإِن جسروا على ذَلِك فَنحْن لَا نجيز الْإِقْدَام على مَا لم يَأْذَن بِهِ الله وَلَا نتعدى حُدُوده فَإِن شهدُوا فَلَا نشْهد مَعَهم ﴿وَمن يَتَعَدَّ حُدُود الله فقد ظلم نَفسه﴾ وَالَّذِي ألزمونا من هَذَا فَهُوَ لَازم لَهُم لِأَنَّهُ سُؤال رضوه وصححوه وَمن رَضِي شَيْئا لزمَه وَنحن لم نرض هَذَا السُّؤَال وَلَا صححناه فَلَا يلْزمنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق