قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأجْمع الْمُسلمُونَ على القَوْل بِمَا جَاءَ بِهِ نَص الْقُرْآن من أَن الله تَعَالَى سميع بَصِير ثمَّ اخْتلفُوا فَقَالَت طَائِفَة من أهل السّنة والأشعرية وجعفر بن حَرْب من الْمُعْتَزلَة وَهِشَام ابْن الحكم وَجَمِيع المجسمة نقطع أَن الله سميع بسمع بَصِير ببصر وَذَهَبت طوائف من أهل السّنة مِنْهُم الشَّافِعِي وَدَاوُد بن عَليّ وَعبد الْعَزِيز بن مُسلم الْكِنَانِي ﵃ وَغَيرهم إِلَى أَن الله تَعَالَى سميع بَصِير وَلَا نقُول بسمع وَلَا يبصر لِأَن الله تَعَالَى لم يقلهُ وَلَكِن سميع بِذَاتِهِ وبصير بِذَاتِهِ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَبِهَذَا نقُول وَلَا يجوز إِطْلَاق سمع وَلَا بصر حَيْثُ لم يَأْتِ بِهِ نَص لما ذكرنَا آنِفا من أَنه لَا يجوز أَن يخبر عَنهُ تَعَالَى مَا لم يخبر عَن نَفسه وَاحْتج من أطلق على الله تَعَالَى السّمع وَالْبَصَر بِأَن قَالَ لَا يعقل السَّمِيع إِلَّا بسمع وَلَا يعقل الْبَصِير إِلَّا ببصر وَلَا يجوز أَن يُسمى بَصِير إِلَّا من لَهُ بصر وَلَا يُسمى سميعًا إِلَّا من لَهُ سمع وَاحْتَجُّوا أَيْضا فِي هَذَا وَمَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ من أَن الصِّفَات مُتَغَايِرَة بِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يُقَال أَنه تَعَالَى يسمع المبصرات وَلَا أَنه يبصر المسموعات من الْأَصْوَات وَقَالُوا هَذَا لَا يعقل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وكل هذَيْن الدَّلِيلَيْنِ شغبي فاسدٌ أما قَوْلهم لَا يعقل السَّمِيع إِلَّا بسمع وَلَا يعقل الْبَصِير إِلَّا ببصر فَيُقَال لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق أما فِيمَا بَيْننَا فَنعم وَكَذَلِكَ أصلا لم نجد قطّ فِي شَيْء من الْعَالم الَّذِي نَحن فِيهِ سميعًا إِلَّا بسمع وَلَا وجد فِيهِ بَصيرًا إِلَّا ببصر فَإِنَّهُ لم يُوجد قطّ أَيْضا فِيهِ سميع إِلَّا بجارحة يسمع بهَا وَلَا وجد قطّ فِيهِ عَالم إِلَّا بضمير فلزمهم أَن يجرو على الله تَعَالَى هَذِه الْأَوْصَاف وَتَعَالَى الله عَن ذَلِك علوا كَبِيرا وهم لَا يَقُولَن هَذَا وَلَا يستجيزونه وَأما المجسمة فَإِنَّهُم أطْلقُوا هَذِه وجوزوه وَقد مضى نقض قَوْلهم بعون الله وتأييده وَيلْزم الطَّائِفَتَيْنِ كلتيهما إِذا قطعُوا بِاللَّه تَعَالَى سمعا وبصرًا لِأَنَّهُ سميع بَصِير وَلَا يُمكن أَن يكون سميع بَصِير إِلَّا إِذا سمع وبصر لَا سِيمَا وَقد صَحَّ النَّص بِأَن لَهُ تَعَالَى عينا وَأَعْيُنًا أَن يَقُولُوا أَنه ذُو حدقة وناظر وطباق فِي الْعين وَذُو أشفار وأهداب لأننا نشاهد
[ ٢ / ١٠٩ ]
فِي الْعَالم وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن تكون عين الَّذِي عين يرى بهَا ويبصر إِلَّا هَكَذَا وَإِلَّا فَهِيَ عين ذَات عاهة أَو كعيون بعض الْحَيَوَان الَّتِي لَا يطبقها وَكَذَلِكَ لَا يكون فِي الْمَعْهُود وَلَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون سميع فِي الْعَالم إِلَّا بِإِذن ذَات صماخ فيلزمهم أَن يثبتوا هَذَا كُله وَإِلَّا فقد أبطلوا استدلالهم وزودوا استشهادهم بالمعهود والمعقول فَإِن أطْلقُوا هَذَا كُله تركُوا مَذْهَبهم وَخَرجُوا إِلَى أقبح قَول المجسمة وَقد ذكرنَا فَسَاد قَوْلهم قبل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَإِذا جوزوا أَن يكون الْبَارِي تَعَالَى سميعًا بَصيرًا بِغَيْر جارحة وَهَذَا خلاف مَا عهدوا فِي الْعَالم وجوزا أَن يكون لَهُ تَعَالَى عين بِلَا حدقة وَلَا نَاظر وَلَا إطباق وَلَا أهداب وَلَا أشفار وَهَذَا أَيْضا خلاف مَا عهدوا فِي الْعَالم فَلَا ينكروا قَول من قَالَ إِنَّه سميع لَا بسمع بَصِير لَا ببصر وَإِن كَانَ ذَلِك خلاف مَا عهدوا واما عهدوا فِي الْعَالم على أَن بَين الْقَوْلَيْنِ فرقا حرَام وَاضحا وَهُوَ أننا نَحن لم نلتزم أَن نحل تَسْمِيَته ﷿ قِيَاسا على مَا عهدنا بل ذَلِك حرامٌ لَا يجوز وَلَا يحل لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْعَالم شَيْء يُشبههُ ﷿ فيقاس عَلَيْهِ قَالَ الله ﵎ ﴿لَيْسَ كمثله شَيْء وَهُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَقُلْنَا نعم إِنَّه سميع بَصِير لَا كشيء من البصراء وَلَا السامعين مِمَّا فِي الْعَالم وكل سميع وبصير فِي الْعَالم فَهُوَ ذُو سمع وبصر فَالله تَعَالَى بِخِلَاف ذَلِك بِنَصّ الْقُرْآن فَهُوَ سميع كَمَا قَالَ لَا يسمع كالسامعين وبصير كَمَا قَالَ لَا يبصر كالمبصرين لَا يُسَمِّي رَبنَا تَعَالَى إِلَّا بِمَا سمى بِهِ نَفسه وَلَا يخبر عَنهُ إِلَّا بِمَا أخبر بِهِ عَن نَفسه فَقَط كَمَا قَالَ الله تَعَالَى ﴿هُوَ السَّمِيع الْبَصِير﴾ فَقُلْنَا نعم هُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَلم يقل تَعَالَى إِن لَهُ سمعا وبصرا فَلَا يحل لأحد أَن يَقُول إِن لَهُ سمعا وبصرًا فَيكون قَائِلا على الله تَعَالَى بِلَا علم وَهَذَا لَا يحل وَبِاللَّهِ تَعَالَى نعتصم وَأما خصومنا فَإِنَّهُم أطْلقُوا أَنه لَا يكون إِلَّا كَمَا عهدوا من كل سميع وبصير فِي أَنه ذُو سمع وبصر فيلزمهم ضَرُورَة أَن لَا يكون إِلَّا كَمَا عهدوا من كل سميع وبصير فِي أَنه ذُو جارحة يسمع بهَا ويبصر بهَا وَلَا بُد وَلَوْلَا تِلْكَ الْجَارِحَة مَا سمي أحد من الْعَالم سميعًا وَلَا بَصيرًا وَلَا أبْصر أحد شَيْئا فَإِن ذكرُوا قَول الله تَعَالَى ﴿لَهُم قُلُوب لَا يفقهُونَ بهَا وَلَهُم أعين لَا يبصرون بهَا وَلَهُم آذان لَا يسمعُونَ بهَا أُولَئِكَ كالأنعام بل هم أضلّ أُولَئِكَ هم الغافلون﴾ قُلْنَا لَهُم وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق هَذِه الْآيَة أعظم حجَّة عَلَيْكُم لِأَن الله تَعَالَى نَص فِيهَا على أَنهم لم يرَوا بعيونهم مَا يتعظون بِهِ وَلَا سمعُوا بآذانهم مَا يقبلونه من الْهدى فَلَمَّا كَانَت الْعُيُون والآذان لَا ينْتَفع بهَا اسْتحق الذَّم والنكال فلولا أَن الْعين وَالْأُذن بهما يكون السّمع وَالْبَصَر ضَرُورَة وَلَا بُد لَا بِشَيْء دونهمَا مَا اسْتحق الذَّم من رزق أذنا وعينًا سالمتين فَلم يسمع بهما ويبصر مَا يَهْتَدِي بِهِ بعون الله ﷿ لَهُ وَمَا كَانَ يكون معنى لذكر الله ﷿ الْعين وَالْأُذن فِي السّمع وَالْبَصَر بهَا لَو جَازَ أَن يكون سمع وبصر دونهمَا فَبَطل قَوْلهم بِالْقُرْآنِ ضَرُورَة وبالحس وبديهة الْعقل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
[ ٢ / ١١٠ ]
أما مان وموهوا بِهِ من قَوْلهم أَنه لَوْلَا أَنه لَهُ سمعا وبصرا لجَاز أَن يُقَال أَنه تَعَالَى يسمع الألوان وَيرى الْأَصْوَات فَهَذَا كَلَام لَا يُطلق فِي كل شَيْء على عُمُومه لأننا إِنَّمَا خوطبنا بلغَة الْعَرَب فَلَا يجوز أَن نستعمل غَيرهَا فِيمَا خوطبنا بِهِ وَالَّذِي ذكرْتُمْ من رِوَايَة الْأَصْوَات وَسَمَاع الألوان لَا يُطلق فِي اللُّغَة الَّتِي خوطبنا فِيمَا بَيْننَا فَلَيْسَ لنا أَن ندخل فِي اللُّغَة مَا لَيْسَ فِيهَا إِلَّا أَن يَأْتِي بذلك نَص فنقلبه على اللُّغَة ثمَّ نقُول أَنه لَو قَالَ قَائِل أَنه تَعَالَى سميع للألوان بَصِير بالأصوات بِمَعْنى عَالم بهَا لَكَانَ ذَلِك جَائِزا وَلما منع من ذَلِك برهَان فَنحْن نقُول سَمِعت الله ﷿ يَقُول كَذَا وَكَذَا ورأينا الله تَعَالَى يَقُول كَذَا وَكَذَا وَيَأْمُر بِكَذَا وَيفْعل كَذَا بِمَعْنى علمنَا فَهَذَا لَا يُنكره أحد وَلَا فرق بَين هَذَا وَبَين مَا سَأَلُوا عَنهُ وَأَيْضًا فَإِن الله ﷿ يَقُول ﴿أولم يرَوا إِلَى الطير فَوْقهم صافات ويقبضن مَا يمسكهن إِلَّا الرَّحْمَن إِنَّه بِكُل شيءٍ بَصِير﴾ وَهَذَا عُمُوم لكل شَيْء كَمَا قُلْنَا فَلَا يجوز أَن يخص بِهِ شَيْء دون شَيْء إِلَّا بِنَصّ آخر أَو إِجْمَاع أَو ضَرُورَة وَلَا سَبِيل إِلَى شَيْء من هَذَا فصح مَا قُلْنَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق وَقَالَ تَعَالَى ﴿يعلم السِّرّ وأخفى﴾ فصح أَنِّي بَصيرًا وسميعًا وعليمًا بِمَعْنى وَاحِد ثمَّ نقُول لَهُم وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِنَّه تَعَالَى بِإِجْمَاع منا ومنكم هُوَ السَّمِيع الْبَصِير وَهُوَ أحد غير متكئن وَلَا نقُول أَنه السَّمِيع للألوان الْبَصِير بالأصوات إِلَّا على الْوَجْه الَّذِي قُلْنَا وَلَيْسَ ذَلِك يُوجب أَن السَّمِيع غير الْبَصِير فَالَّذِي أردتم إِلْزَامه ساقطه وَإِنَّمَا اخْتلفت معلوماته وَإِنَّمَا هُوَ تَعَالَى وَاحِد وَعلمه بهَا كلهَا وَاحِد يعلمهَا كلهَا بِذَاتِهِ لَا يعلم هُوَ غَيره الْبَتَّةَ وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فَإِن قَالَ قَائِل أتقولون أَن الله ﷿ لم يزل سميعًا بَصيرًا قُلْنَا نعم لم يزل الله تَعَالَى سميعًا بَصيرًا عفوا غَفُورًا عَزِيزًا قَدِيرًا رحِيما وَهَذَا كُله مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن لَكَانَ الله كَمَا جَاءَ كَانَ الله سميعًا بَصيرًا وَنَحْو ذَلِك لِأَن قَوْله كَانَ إِخْبَار عَمَّا لم يزل إِذا أخبر بذلك عَن نَفسه لَا عَمَّن سواهُ فَإِن قَالُوا أتقولون لم يزل الله خَالِقًا خلاقًا رازقًا قُلْنَا لَا نقُول هَذَا لِأَن الله تَعَالَى لم ينص على أَنه كَانَ خَالِقًا خلاقًا رازقًا لَكنا نقُول لم يزل الخلاق الرَّزَّاق وَلم يزل الله تَعَالَى لَا يخلق وَلَا يرْزق ثمَّ خلق ورزق من خلق وَهَذَا يُوجب ضَرُورَة أَنَّهَا أَسمَاء أَعْلَام لَا مشتقه لِأَنَّهُ لَو كَانَ خَالق ورازق مشتقين من خلق ورزق لَكَانَ لم يزل ذَا خلق يخلقه وَيَرْزقهُ فَإِن قيل فَإِن السَّمِيع والبصير والرحمن والرحيم وَالْعَفو وَالْملك كل ذَلِك يَقْتَضِي مسموعًا ومبصرًا ومرحومًا ومغفورًا لَهُ وعفوا عَنهُ عَدو مَمْلُوكا قُلْنَا الْمَعْنى فِي سميع وبصير عَن الله تَعَالَى هُوَ الْمَعْنى فِي عليم وَلَا فرق وَلَيْسَ مَا يظنّ أهل الْعلم من أَن لَهُ تَعَالَى
[ ٢ / ١١١ ]