قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَأما الْإِنْجِيل وَكتب النَّصَارَى فَنحْن إِن شَاءَ الله تَعَالَى موردون من الْكَذِب الْمَنْصُوص فِي أَنَاجِيلهمْ وَمن التَّنَاقُض الَّذِي فِيهَا أمرا لَا يشك كل من رَآهُ فِي أَنهم لَا عقول لَهُم وَأَنَّهُمْ مخذولون جملَة وَأما فَسَاد دينهم فَلَا إِشْكَال فِيهِ على من لَهُ مسكة عقل ولسنا نحتاج إِلَى تكلّف برهَان فِي أَن الأناجيل وَسَائِر كتب النَّصَارَى لَيست من عِنْد الله ﷿ وَلَا من عِنْد الْمَسِيح ﵇ كَمَا احتجنا إِلَى ذَلِك فِي التَّوْرَاة والكتب المنسوبة إِلَى الْأَنْبِيَاء ﵈ الَّتِي عِنْد الْيَهُود لِأَن جُمْهُور الْيَهُود يَزْعمُونَ أَن التَّوْرَاة الَّتِي بِأَيْدِيهِم منزلَة من عِنْد الله ﷿ على مُوسَى ﵇ فاحتجنا إِلَى إِقَامَة الْبُرْهَان على بطلَان دَعوَاهُم فِي ذَلِك وَأما النَّصَارَى فقد كفونا هَذِه المؤونة كلهَا لأَنهم لَا يدعونَ أَن الأناجيل منزلَة من عِنْد الله على الْمَسِيح وَلَا أَن الْمَسِيح أَتَاهُم بهَا بل كلهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم أيوسيهم وملكيهم ونسطوريهم ويعقوبيهم ومارونيهم وبولقانيهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهَا أَرْبَعَة تواريخ (١) لفها أَرْبَعَة رجال معروفون فِي أزمان مُخْتَلفَة فأولها تَارِيخ لفه مَتى اللاواني
[ ٢ / ٢ ]
تلميذ الْمَسِيح بعد تسع سِنِين من رفع الْمَسِيح ﵇ وَكتبه بالعبرانية فِي بلد يهوذا بِالشَّام يكون نَحْو ثَمَان وَعشْرين ورقة بِخَط متوسط وَالْآخر تَارِيخ لفه مارقش الهاروني تلميذ شَمْعُون الصَّفَا بن توما الْمُسَمّى باطرة بعد اثْنَيْنِ وَعشْرين عَاما من رفع الْمَسِيح ﵇ وَكتبه باليونانية فِي بلد أنطاكية من بِلَاد الرّوم وَيَقُولُونَ أَن شَمْعُون الْمَذْكُور هُوَ الَّذِي أَلفه ثمَّ محا اسْمه من أَوله وَنسبه إِلَى تلميذ مارقش يكون أَرْبعا وَعشْرين ورقة بِخَط متوسط وشمعون الْمَذْكُور تلميذ الْمَسِيح
والتالث تَارِيخ أَلفه لوقا الطَّبِيب الْأَنْطَاكِي تلميذ شَمْعُون باطرة أَيْضا كتبه باليونانية فِي بلد أقاية بعد تأليف مارقش الْمَذْكُور يكون من قدر إنجيل مَتى وَالرَّابِع تَارِيخ أَلفه يوحنا ابْن سيذاي تلميذ الْمَسِيح بعد رفع الْمَسِيح ببضع وَسِتِّينَ سنة وَكتبه باليونانية فِي بلد اشينية يكون أَرْبعا وَعشْرين ورقة بِخَط متوسط ويوحنا هَذَا نَفسه هُوَ ترْجم إنجيل مَتى صَاحبه من العبرانية إِلَى اليونانية ثمَّ لَيْسَ لِلنَّصَارَى كتاب قديم يعظمونه بعد الأناجيل الْأَرْبَعَة إِلَّا فركسيس وَهُوَ كتاب أَلفه لوقا الطَّبِيب الْمَذْكُور فِي أَخْبَار الحواريين وأخبار صَاحبه بولس البنياميني وسيرهم وقتلهم يكون نَحْو خمسين ورقة بِخَط مَجْمُوع وَكتاب الْوَحْي والإعلان أَلفه يوحنا ابْن سيذاي الْمَذْكُور وَهُوَ كتاب فِي غَايَة
[ ٢ / ٣ ]
السخف والركاكة ذكر فِيهِ مَا رَآهُ فِي الأحلام وَإِذ أسرِي بِهِ وخرافات بَارِدَة والرسائل القانونية وَهِي سبع رسائل فَقَط مِنْهَا ثَلَاث رسائل ليوحنا ابْن سيذاي الْمَذْكُور ورسالتان لباطرة شَمْعُون الْمَذْكُور ورسالة وَاحِدَة ليعنوب بن يُوسُف النجار وَالْأُخْرَى لِأَخِيهِ يهوذا بن يُوسُف تكون كل رِسَالَة من ورقة إِلَى ورقتين فِي غَايَة الْبرد والغثانة ورسائل بولس تلميذ شَمْعُون باطرة وَهِي خمس عشرَة رِسَالَة تكون كلهَا نَحْو أَرْبَعِينَ ورقة مَمْلُوءَة حمقًا ورعونة وَكفرا ثمَّ كل كتاب لَهُم بعد ذَلِك فَلَا خلاف بَينهم فِي أَنه من تأليف الْمُتَأَخِّرين من أساقفتهم وبطارقتهم كمجامع البطارقة والأساقفة الْكِبَار السِّتَّة وَسَائِر مجامعهم الصغار وفقههم فِي أحكامهم الَّذِي عمله ركديد الْملك وَبِه يعْمل نَصَارَى الأندلس ثمَّ لسَائِر النَّصَارَى أَحْكَام أَيْضا عَملهَا لَهُم من شَاءَ الله أَن يعملها من أساقفتهم لَا يَخْتَلِفُونَ فِي هَذَا كُله أَنه كَمَا قُلْنَا ثمَّ أَخْبَار شهدائهم فَقَط
فَجَمِيع نقل النَّصَارَى أَوله عَن آخِره حَيْثُ كَانُوا فَهُوَ رَاجع إِلَى الثَّلَاثَة الَّذين سمينا فَقَط وَهُوَ بولس ومارقش ولوقا وَهَؤُلَاء الثَّلَاثَة لَا ينقلون إِلَّا عَن خَمْسَة فَقَط وهم باطرة وَمَتى ويوحنا وَيَعْقُوب ويهوذا وَلَا مزِيد وكل هَؤُلَاءِ أكذب الْبَريَّة وأخبثهم على مَا نبين بعد ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى على أَن بولس حكى فِي الافركسيس وَفِي إِحْدَى رسائله أَنه لم يبْق مَعَ باطرة إِلَّا خَمْسَة عشر يَوْمًا ثمَّ لقِيه مرّة أُخْرَى بَقِي مَعَه أَيْضا يَسِيرا ثمَّ لقِيه الثَّالِثَة فَأخذ جَمِيعًا وصلبا إِلَى لعنة الله إِلَّا أَن الأناجيل الْأَرْبَعَة والكتب الَّتِي ذكرنَا أَن عَلَيْهَا معتمدهم فَإِنَّهَا عِنْد جَمِيع فرق النَّصَارَى فِي شَرق الأَرْض وغربها على نُسْخَة وَاحِدَة ورتبة وَاحِدَة لَا يُمكن أحد أَن يزِيد فِيهَا كلمة وَاحِدَة وَلَا ينقص مِنْهَا أُخْرَى إِلَّا افتضح عِنْد جَمِيع النَّصَارَى مبلغة كَمَا هِيَ إِلَى مارقش ولوقا ويوحنا لِأَن يوحنا هُوَ الَّذِي نقل إنجيل مَتى عَن مَتى ورسائل بولس مبلغة كَذَلِك إِلَى بولس وَاعْلَمُوا أَن أَمر النَّصَارَى أَضْعَف من أَمر الْيَهُود بِكَثِير لِأَن الْيَهُود كَانَت لَهُم مملكة وَجمع عَظِيم مَعَ مُوسَى ﵇ وَبعده وَكَانَ فيهم أَنْبيَاء كثير ظاهرون آمرون مطاعون كموسى ويوشع وشموال وَدَاوُد وَسليمَان ﵈ وَإِنَّمَا دخلت الدَّاخِلَة فِي التَّوْرَاة بعد سُلَيْمَان ﵇ إِذْ ظهر فيهم الْكفْر وَعبادَة الْأَوْثَان وَقتل الْأَنْبِيَاء وَحرق التَّوْرَاة وَنهب الْبَيْت مرّة بعد مرّة فانصل كفر جَمِيعهم إِلَى أَن تلفت دولتهم على ذَلِك وَأما النَّصَارَى فَلَا خلاف بَين أحد مِنْهُم وَلَا من غَيرهم فِي أَنه لم يُؤمن بالمسيح فِي حَيَاته إِلَّا مائَة وَعِشْرُونَ رجلا فَقَط هَكَذَا فِي الافركسيس ونسوة مِنْهُم امْرَأَة وَكيل هردوس وَغَيرهَا كن ينفقن عَلَيْهِ أموالهن هَكَذَا فِي نَص إنجيلهم وَإِن كل من آمن بِهِ فَإِنَّهُم كَانُوا مستترين مخافين فِي حَيَاته وَبعده يدعونَ إِلَى دينه سرا وَلَا يكْشف أحد مِنْهُم وَجهه إِلَى الدُّعَاء إِلَى
[ ٢ / ٤ ]
مِلَّته وَلَا يظْهر دينه وكل من ظفر بِهِ مِنْهُم قتل إِمَّا بِالْحِجَارَةِ كَمَا قتل يَعْقُوب بن يُوسُف النجار واشطين الَّذِي يسمونه بكر الشُّهَدَاء وَغَيره وَإِمَّا صلب كَمَا صلب باطرة وأندرياس أَخُوهُ وشمعون أَخُو يُوسُف النجار وفليش وبولس وَغَيرهم أَو قتلوا بِالسَّيْفِ كَمَا قتل يَعْقُوب أَخُو يوحنا وطومار وبرتلوما ويهوذا بن يُوسُف النجار وَمَتى أَو بالسم كَمَا قتل يوحنا ابْن سيذاي فبقوا على هَذِه الْحَالة لَا يظهرون الْبَتَّةَ وَلَا لَهُم مَكَان يأمنون فِيهِ مُدَّة ثَلَاثمِائَة سنة بعد رفع الْمَسِيح ﵇ وَفِي خلال ذَلِك ذهب الْإِنْجِيل الْمنزل من عِنْد الله ﷿ إِلَّا فصولا يسيرَة أبقاها الله تَعَالَى حجَّة عَلَيْهِم وخزيًا لَهُم فَكَانُوا كَمَا ذكرنَا إِلَى أَن تنصر قسطنطين الْملك فَمن حِينَئِذٍ ظهر النَّصَارَى وكشفوا دينهم واجتمعوا وآمنوا وَكَانَ سَبَب تنصره أَن أمه هلاني كَانَت بنت نَصْرَانِيّ فعشقها أَبوهُ وَتَزَوجهَا فَولدت لَهُ قسطنطين فربته على النَّصْرَانِيَّة سرا فَلَمَّا مَاتَ أَبوهُ وَولي هُوَ أظهر النَّصْرَانِيَّة بعد أَعْوَام كَثِيرَة من ولَايَته وَمَعَ ذَلِك فَمَا قدر على إظهارها حَتَّى رَحل عَن رُومِية مسيرَة شهر إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّة وبناها وَمَعَ ذَلِك فَإِنَّمَا كَانَ أديوسيا هُوَ وَابْنه بعده يَقُولَانِ إِن الْمَسِيح عبد مَخْلُوق نَبِي الله تَعَالَى فَقَط وكل دين كَانَ هَكَذَا فمحال أَن يَصح فِيهِ نقل مُتَّصِل لِكَثْرَة الدواخل الْوَاقِعَة فِيمَا لَا يُؤْخَذ الإسرا تَحت السَّيْف لَا يقدر أَهله على حمايته وَلَا على الْمَنْع من تبديله ثمَّ لما ظهر دينهم بتنصر قسطنطين كَمَا ذكرنَا فَشَا فيهم دُخُول ألمانية بَغْتَة وَكَانَ فيهم غير مانية مداسون عَلَيْهِم فأمكنهم بِهَذَا أَن يُدْخِلُوهُمْ من الضلال فِيمَا أَحبُّوا وَلَا تمكنوا الْبَتَّةَ أَن ينْقل أحد عَن شَمْعُون باطرة وَلَا عَن يوحنا وَلَا عَن مَتى وَلَا عَن مارقش وَلَا عَن لوقا وَلَا عَن بولس آيَة ظَاهِرَة وَلَا معْجزَة باهرة لما ذكرنَا من أَنهم كَانُوا مستترين مختفين مظاهرين بدين الْيَهُود من الْتِزَام السبت وَغَيره طول حياتهم إِلَى أَن ظفر بهم فَقتلُوا فَكلما تضيفه النَّصَارَى إِلَى هَؤُلَاءِ من المعجزات فأكذوبات مَوْضُوعَة لَا يعجز عَن ادِّعَاء مثلهَا أحد كَالَّذي تَدعِي الْيَهُود لأحبارهم ورؤس مثانيهم وكالذي تدعيه ألمانية لماني سَوَاء بِسَوَاء وكالذي تدعيه الروافض لمن يعظمون وكالذي تدعيه طوائف من الْمُسلمين لقوم صالحين كإبراهيم بن أدهم وَأبي مُسلم الْخَولَانِيّ وشيبان الرَّاعِي وَغَيرهم وكل هَذَا كذب وإفك وتوليد لِأَن كل من ذكرنَا فَإِنَّمَا نَقله رَاجع إِلَى من لَا يدْرِي وَلَا يقوم بِكَلَامِهِ حجَّة وَلَا صَحَّ برهَان سَمْعِي وَلَا عَقْلِي يصدقهُ وَهَكَذَا كَانَ أَصْحَاب ماني مَعَ ماني إِلَّا أَنه ظهر نَحْو ثَلَاثَة أشهر إِذْ مكر بِهِ بهْرَام بن بهْرَام الْملك وأوهمه أَنه قد آمن بِهِ حَتَّى ظفر بِجَمِيعِ أَصْحَابه فصلب ماني وصلبهم كلهم إِلَى لعنة الله فَكل معْجزَة لم تنقل نقلا يُوجب الْعلم الضَّرُورِيّ كَافَّة عَن كَافَّة حَتَّى يبلغ إِلَى الْمُشَاهدَة فالحجة لَا تقوم بهَا على أحد وَلَا يعجز عَن توليدها من لَا تقوم لَهُ
[ ٢ / ٥ ]
قَالَ أَبُو مُحَمَّد مُعْتَمد النَّصَارَى كُله الَّذِي لَا مُعْتَمد لَهُم غَيره من قَوْلهم بالتثليث وَأَن الْمَسِيح لله وَابْن الله واتحاد اللاهوتية بالناسوتية والتحامه بِهِ إِنَّمَا هُوَ كُله على أَنَاجِيلهمْ وعَلى أَلْفَاظ تعلقوا بهَا مِمَّا فِي كتب الْيَهُود كالزبور وَكتاب أشميا وَكتاب أرميا وكلمات يسيرَة من التَّوْرَاة وَكتاب سُلَيْمَان وَكتاب زخريا وَقد نازعتهم الْيَهُود فِي تأولها فحصلت دَعْوَى مُقَابلَة لدعوى وَمَا كَانَ هَكَذَا فَهُوَ بَاطِل وموهوا بِأَن التَّوْرَاة وَكتب الْأَنْبِيَاء بِأَيْدِيهِم وبأيدي الْيَهُود سَوَاء لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا ليصححوا نقل الْيَهُود لسواد تِلْكَ الْكتب ثمَّ يجْعَلُوا تِلْكَ الْأَلْفَاظ الَّتِي فِيهَا الْحجَّة لَهُم فِي دَعوَاهُم وتأويلهم لَيْسَ بِأَيْدِيهِم حجَّة غير هَذَا أصلا وَلَا جملَة سوى هَذِه وَقد أوضحنا بحول الله تَعَالَى وقوته فَسَاد أَعْيَان تِلْكَ الْكتب وأوضحنا أَنَّهَا مفتعلة مبدلة لِكَثْرَة مَا فِيهَا من الْكَذِب وأوضحنا أَيْضا فَسَاد نقلهَا وَانْقِطَاع الطَّرِيق مِنْهُم إِلَى من نسب إِلَيْهِ تِلْكَ الْكتب بِمَا لَا يُمكن أحدا دَفعه الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْوُجُوه وَبينا آنِفا بحول الله تَعَالَى وقوته فَسَاد نقل النَّصَارَى جملَة وإقرارهم بِأَن أَنا جيلهم لَيست منزلَة وَلكنهَا كتب مؤلفة لرجال ألفوها فَبَطل كل تعلق لَهُم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين ثمَّ نورد إِن شَاءَ الله تَعَالَى تكذيبهم فِي دَعوَاهُم أَن التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود وَعِنْدهم سَوَاء ونورد مَا يخالفون فِيهِ نَص التَّوْرَاة الَّتِي بأيدي الْيَهُود حَتَّى يلوح لكل أحد كذب دَعوَاهُم الظَّاهِرَة من تصديقهم لنصوص التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود وَيرى تكذيبهم لنصوصها فَيبْطل بذلك تعلقهم بِمَا فِيهَا وَبِمَا فِي نقل الْيَهُود إِذْ لَا يَصح لأحد الِاحْتِجَاج بتصحيح مَا يكذب ثمَّ نذْكر بعون الله ﷿ مناقضات الأناجيل وَالْكذب الْفَاحِش المفضوح الْمَوْجُود فِي جَمِيعهَا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق فين تقع الْإِشْكَال فِي ذَلِك جملَة وَيَسْتَوِي فِي معرفَة بطلَان كل مَا بدى الطَّائِفَتَيْنِ كل من اغْترَّ بكتمانهم لما فضحناه منا وَمِنْهُم وَمن الْخَاصَّة والعامة وَمن سَائِر الْملَل أَيْضا وَيصِح عِنْد كل من طالع كلامنا هَذَا أَن الَّذين كتبُوا الأناجيل وألفوها كَانُوا كَذَّابين مجاهرين بِالْكَذِبِ لتكاذيبهم فِيمَا أوردوه فِيهَا من الْأَخْبَار وَأَنَّهُمْ كَانُوا مستخفين مهلكين لمن اغْترَّ بهم الْحَمد لله رب الْعَالمين على عَظِيم نعْمَته علينا بِالْإِسْلَامِ السَّالِم من كل غش البريء من كل توليد الْوَارِد من عِنْد الله ﷿ لَا من عِنْد أحد دونه
ذكر مَا تثبته النَّصَارَى بِخِلَاف نَص التَّوْرَاة وتكذيبهم لنصوصها الَّتِي بأيدي الْيَهُود وادعاء بعض عُلَمَاء النَّصَارَى أَنهم اعتمدوا فِي ذَلِك على التَّوْرَاة الَّتِي ترجمها السبعون شَيخا لبطليموس لَا على كتب عزراء الْوراق وَالْيَهُود مُؤمنُونَ بكلتي النسختين وَالْخلاف عِنْد النَّصَارَى مَوْجُود فِيهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي توراة الْيَهُود الَّتِي لَا اخْتِلَاف فِيهَا بَين الربانية والعانانية والعيسوية مِنْهُم لما عَاشَ آدم ثَلَاثِينَ سنة وَمِائَة سنة ولد لَهُ ولد كشبهه وجنسه وسماء شِيث وَعند
[ ٢ / ٦ ]
النَّصَارَى بِلَا اخْتِلَاف بَين أحد مِنْهُم وَلَا من جَمِيع فرقهم لما أَتَى على آدم مِائَتَان وَثَلَاثُونَ سنة ولد لَهُ شِيث وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا لما عَاشَ شِيث خمس سِنِين وَمِائَة سنة ولد أنيوش وَعند لنصارى كلهم لما عَاشَ شِيث ماءتي سنة وَخمْس سِنِين ولد أنيوش وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن أنيوش لما عَاشَ تسعين سنة ولد قينان وَعند النَّصَارَى كلهم أَن أنيوش لما عَاشَ تسعين سنة وَمِائَة سنة ولد قينان وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن قينان لما عَاشَ سبعين سنة ولد مهلال وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن مهلال لما بلغ خمْسا وَسِتِّينَ سنة ولد يارد وَعند النَّصَارَى كلهم أَن مهلال لما بلغ مائَة سنة وخمسًا وَسِتِّينَ سنة ولد يارد واتفقت الطائفتان فِي عمر يارد إِذْ ولد لَهُ خنوخ وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن خنوخ لما بلغ خمْسا وَسِتِّينَ سنة ولد متوشالخ وَأَن جَمِيع عمر خنوخ كَانَ ثَلَاثمِائَة سنة وخمسًا وَسِتِّينَ سنة وَعند النَّصَارَى كلهم أَن خنوخ لما بلغ مائَة سنة وخمسًا وَسِتِّينَ سنة ولد متوشالخ وَأَن جَمِيع عمر خنوخ كَانَ خَمْسمِائَة سنة وخمسًا وَسِتِّينَ سنة فَفِي هَذَا الْفَصْل تكاذب بَين الطَّائِفَتَيْنِ فِي موضِعين أَحدهمَا سنّ خنوخ إِذْ ولد لَهُ متوشالخ وَالثَّانيَِة كمية عمر خنوخ واتفقت الطائفتان على عمر متوشالخ إِذْ ولد لَهُ لامخ وعَلى عمر لامخ إِذْ ولد لَهُ نوح وعَلى عمر نوح إِذْ ولد لَهُ سَام وَحَام وَيَافث وعَلى عمر سَام إِذْ ولد لَهُ أرفخشاذ وَفِي التَّوْرَاة الَّتِي عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن أرفخشاذ لما بلغ خمْسا وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ شالخ وَأَن عمر أرفخشاذ كَانَ أَرْبَعمِائَة سنة وخمسًا وَثَلَاثِينَ سنة وَعند النَّصَارَى كلهم أَن أرفخشاذ لما بلغ مائَة سنة وخمسًا وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ قينان وَأَن عمر أرفخشاذ كَانَ أَرْبَعمِائَة سنة وخمسًا وَسِتِّينَ سنة وَأَن قينان لما بلغ مائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ شالخ فَبين الطَّائِفَتَيْنِ فِي هَذَا الْفَصْل وَحده اخْتِلَاف فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع احدها عمر أرفخشاذ جملَة وَالثَّانِي سنّ أرفخشاذ إِذْ ولد لَهُ وَلَده وَالثَّالِث زِيَادَة النَّصَارَى بَين أرفخشاذ وشالخ قينان وَإِسْقَاط الْيَهُود لَهُ وَفِي التَّوْرَاة عِنْد اليهودكما ذكرنَا أَن شالخ لما بلغ ثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ عَابِر وَأَن عمر شالخ كَانَ أَرْبَعمِائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة وَعند النَّصَارَى كلهم أَن شالخ لما بلغ مائَة وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ عَابِر وَأَن عمر شالخ كُله كَانَ أَرْبَعمِائَة سنة وَسِتِّينَ سنة فَفِي هَذَا الْفَصْل تكاذب بَين الطَّائِفَتَيْنِ فِي موضِعين أَحدهمَا سنّ شالخ إِذْ ولد لَهُ عَابِر وَالثَّانِي كمية عمر شالخ وَعند الْيَهُود كَمَا ذكرنَا فِي التَّوْرَاة أَن فالغ إِذْ بلغ ثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ (١) راغو وَعند النَّصَارَى كلهم أَن فالغ لما بلغ مائَة سنة وَثَلَاثِينَ ولد لَهُ رغو وَفِي توراة الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن راغو لما بلغ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ شاروع وَعند النَّصَارَى كلهم أَن راغو لما بلغ مائَة سنة واثنتين وَثَلَاثُونَ ولد لَهُ شاروع وَفِي التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود كَمَا
[ ٢ / ٧ ]
ذكرنَا أَن شاروع إِذْ بلغ ثَلَاثِينَ سنة ولد لَهُ ناحور وَكَانَ عمر شاروع كُله مِائَتي عَام وَثَلَاثِينَ عَاما وَعند النَّصَارَى كلهم أَن شاروع إِذْ بلغ ثَلَاثِينَ سنة وَمِائَة سنة ولد لَهُ ناحور وَأَن عمر شاروع كُله كَانَ ثَلَاثمِائَة سنة وَثَلَاثِينَ سنة فَفِي هَذَا الْفَصْل بَين الطَّائِفَتَيْنِ تكاذب فِي موضِعين أَحدهمَا عمر شاروع جملَة وَالثَّانِي سنّ شاروع إِذْ ولد لَهُ ناحور وَفِي التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن ناحور لما بلغ تسع وَعشْرين سنة ولد لَهُ نارخ وَأَن عمر ناحور كُله كَانَ مائَة سنة وثمانيًا وَأَرْبَعين سنة وَعند النَّصَارَى كلهم أَن ناحور لما بلغ تسعا وَسبعين سنة ولد لَهُ تارخ وَأَن عمر ناحور كُله كَانَ مِائَتي عَام وَثَمَانِية أَعْوَام فَفِي هَذَا الْفَصْل تكاذب بَين الطَّائِفَتَيْنِ فِي موضِعين أَحدهمَا عمر ناحور كُله وَالثَّانِي سنّ ناحور إِذْ ولد لَهُ تارخ وَفِي التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود كَمَا ذكرنَا أَن تارخ كَانَ عمره كُله مِائَتي عَام وَخَمْسَة أَعْوَام وَعند النَّصَارَى كلهم أَن تارخ كَانَ عمره كُله مِائَتي عَام وَثَمَانِية أَعْوَام
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فتولد من الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور بَين الطَّائِفَتَيْنِ زِيَادَة عَن ألف عَام وثلاثمائة عَام وَخمسين عَاما عِنْد النَّصَارَى فِي تَارِيخ الدُّنْيَا على مَا هُوَ عِنْد الْيَهُود فِي تاريخها وَهِي تِسْعَة عشر موضعا كَمَا أوردنا فوضح اخْتِلَاف التَّوْرَاة عِنْدهم وَمثل هَذَا من التكاذب لَا يجوز أَن يكون من عِنْد الله ﷿ أصلا وَلَا من قَول نَبِي الْبَتَّةَ وَلَا من قَول صَادِق عَالم من عرض النَّاس فَبَطل بِهَذَا بِلَا شكّ أَن تكون التَّوْرَاة وَتلك الْكتب منقولة نقلا يُوجب صِحَة الْعلم لَكِن نقلا فَاسِدا مَدْخُولا مضطربا وَلَا بُد لِلنَّصَارَى ضَرُورَة من أحد خَمْسَة أوجه لَا مخرج لَهُم عَن أَحدهَا إِمَّا أَن يصدقُوا نقل الْيَهُود للتوراة وَأَنَّهَا صَحِيحَة عَن مُوسَى عَن الله ﷿ ولكتبهم وَهَذِه طريقتهم فِي الْحجَّاج والمناظرة فَإِن فعلوا فقد أقرُّوا على أنفسهم وعَلى أسلافهم الَّذين نقلوا عَنْهُم دينهم بِالْكَذِبِ إِذْ خالفوا قَول الله تَعَالَى وَقَول مُوسَى ﵇ أَو يكذبوا مُوسَى ﵇ فِيمَا نقل عَن الله ﷿ وهم لَا يَفْعَلُونَ هَذَا أَو يكذبوا نقل الْيَهُود للتوراة ولكتبهم فَيبْطل تعلقهم بِمَا فِي تِلْكَ الْكتب مِمَّا يَقُولُونَ أَنه إنذار بالمسيح ﵇ اذلا يجوز لأحد أَن يحْتَج بِمَا لَا يَصح نَقله أَو يَقُولُوا كَمَا قَالَ بَعضهم إِنَّهُم إِنَّمَا عولوا فِيمَا عِنْدهم على تَرْجَمَة السّبْعين شيحا الَّذين ترجموا التَّوْرَاة وَكتب الْأَنْبِيَاء ﵈ لبطليموس فَإِن قَالُوا هَذَا فَإِنَّهُم لَا يحلونَ ضَرُورَة من أحد وَجْهَيْن إِمَّا أَن يَكُونُوا صَادِقين فِي ذَلِك أَو يَكُونُوا كاذبين فِي ذَلِك فَإِن كَانُوا كاذبين فِي ذَلِك فقد سقط أَمرهم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين إِذْ لم يرجِعوا إِلَّا إِلَى المجاهرة بِالْكَذِبِ وَإِن كَانُوا صَادِقين فِي ذَلِك فقد حصلت توراتان متخالفتان متكاذبتان متعارضتان توراة السّبْعين شَيخا وتوراة عزرا وَمن الْبَاطِل الْمُمْتَنع كَونهمَا جَمِيعًا حَقًا من عِنْد الله وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى كلهم مُصدق مُؤمن بِهَاتَيْنِ التوراتين مَعًا سوى توراة السامرية وَلَا بُد ضَرُورَة من ان تكون احدهما حَقًا
[ ٢ / ٨ ]
وَالْأُخْرَى مكذوبة فَأَيّهمَا كَانَت المكذوبة فقد حصلت الطائفتان على الْإِيمَان بِالْبَاطِلِ ضَرُورَة وَلَا خير فِي أمة تؤمن بِيَقِين الْبَاطِل وَإِن كَانَت توراة السّبْعين شَيخا هِيَ المكذوبة فَلَقَد كَانُوا شُيُوخ سوء كَذَّابين ملعونين إِذْ حرفوا كَلَام الله تَعَالَى وبدلوه وَمن هَذِه صفته فَلَا يحل أَخذ الدّين عَنهُ وَلَا قبُول نَقله وَإِن كَانَت توراة عزرا هِيَ المكذوبة فقد كَانَ كذابا إِذْ حرف كَلَام الله تَعَالَى وَلَا يحل أَخذ شَيْء من الدّين عَن كَذَّاب وَلَا بُد من أحد الْأَمريْنِ أَو يكون كِلَاهُمَا كذبا وَهَذَا هُوَ الْحق الْيَقِين الَّذِي لَا شكّ فِيهِ لما قدمنَا مِمَّا فِيهَا من الْكَذِب الفاضح الْمُوجب للْقطع بِأَنَّهَا مبدلة محرفة وَسَقَطت الطائفتان مَعًا وَبَطل دينهم الَّذِي إِنَّمَا مرجعه إِلَى تِلْكَ الْكتب المكذوبة ونعوذ بِاللَّه من الخذلان
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فتأملوا هَذَا الْفَصْل وَحده فَفِيهِ كِفَايَة فِي تَيَقّن بطلَان دين الطَّائِفَتَيْنِ فَكيف بِسَائِر مَا أوردنا إِذا استضاف إِلَيْهِ وَفِي التَّوْرَاة عِنْد الْيَهُود وَعند النَّصَارَى اخْتِلَاف آخر اكتفيا مِنْهُ بِهَذَا الْقدر وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين على عَظِيم نعْمَته علينا بِالْإِسْلَامِ الْمَنْقُول نقل الكواف إِلَى رَسُول الله الْمَعْصُوم ﷺ البريء من كل كذب وَمن كل محَال الَّذِي تشهد لَهُ الْعُقُول بِالصِّحَّةِ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين