ثمَّ وصف قيام بني إِسْرَائِيل على مُوسَى ﵇ وطلبهم مِنْهُ اللَّحْم للْأَكْل وَذكروا شوقهم إِلَى القرع والقثاء والبصل والكراث والثوم الَّذِي تشبه رَائِحَته فِي الروائح عُقُولهمْ فِي الْعُقُول وَذكروا ضجرهم من الْمَنّ وَالله ﷿ قَالَ لمُوسَى ﵇ نقُول للعامة تقدسوا غَدا تَأْكُلُوا اللَّحْم هَا أَنا أسمعكم قائلين من ذَا يطعمنا أكل اللَّحْم قد كُنَّا بِخَير بِمصْر ليعطيكم السَّيِّد اللَّحْم فتأكلون لَيْسَ يَوْمًا وَاحِدًا وَلَا يَوْمَيْنِ وَلَا خَمْسَة وَلَا عشرَة حَتَّى تكمل أَيَّام الشَّهْر حَتَّى يخرج على مناخركم ويصيبكم التخم لما تخليتم عَن السَّيِّد الَّذِي هُوَ فِي وسطكم ويبكون قدامه قائلين لماذا أخرجنَا من مصر فَقَالَ مُوسَى لله تَعَالَى هم سِتّمائَة ألف رجل وَأَنت تَقول أَنا أعطيهم اللحوم شهرا طعمًا أَتَرَى تكْثر بذبائح الْبَقر وَالْغنم فيقتاتون بهَا أم تجمع حيتان الْبَحْر مَعًا لتشبعهم فَقَالَ لَهُ الرب أَتَرَى يَد السَّيِّد عاجزة سترى أَن يوافيك كَلَامي أم لَا ثمَّ ذكر أَن الله تَعَالَى أرسل ريحًا فأت بالسماني من خلف الْبَحْر إِلَى بني إِسْرَائِيل فأكلوها وَدخل اللَّحْم بَين أضراسهم وأصابتهم التُّخمَة وَأَخذهم وباء شَدِيد مَاتَ مِنْهُم بِهِ كثير وَإِن هَذَا كَانَ فِي الشَّهْر الثَّانِي من خُرُوجهمْ من مصر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد رَضِي اللله عَنهُ ذكر فِي هَذَا الْفَصْل آيَات من الله رب الْعَالمين وَمَا تَأتي لَهُ طامة أَلا تكَاد تنسي مَا قبلهَا فَأول ذَلِك إِخْبَار اللعين الْمُبدل للتوراة بِأَن الله تَعَالَى إِذْ قَالَ لمُوسَى غَدا تَأْكُلُونَ اللَّحْم إِلَى تَمام الشَّهْر قَالَ لَهُ مُوسَى هم سِتّمائَة ألف رجل وَأَنت تَقول أَنا أعطيهم اللحوم طَعَاما شهيًا أَتَرَى تكْثر بذبائح الْبَقر وَالْغنم يقتاتون بهَا أَو تجمع حيتان الْبَحْر مَعًا لتشبعهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ حاش لله أَن يُرَاجع رجل لَهُ من الْعقل مسكة ربه ﷿ هَذِه الْمُرَاجَعَة وَأَن يشك فِي قوته على ذَلِك وعَلى مَا هُوَ أعظم مِنْهُ فَكيف رَسُول نَبِي أَتَرَى مُوسَى ﵇ دخله قطّ شكّ فِي أَن الله تَعَالَى قَادر على أَن يكثر بذبائح الْبَقر وَالْغنم حَتَّى يشبعهم أَو على أَن يَأْتِيهم من حيتان الْبَحْر بِمَا يشبعهم مِنْهُ حاش لله من ذَلِك أتراه خَفِي على مُوسَى ﵇ أَن الله تَعَالَى هُوَ الَّذِي يرْزق جَمِيع بني آدم فِي شَرق الأَرْض وغربها اللَّحْم وَغير اللَّحْم وَأَنه تَعَالَى رَازِق سَائِر الْحَيَوَانَات كلهَا من الطَّائِر والعائم والمنساب والماشي على رجلَيْنِ وَأَرْبع وَأكْثر حَتَّى يستنكر أَن يشْبع شرذمة قَليلَة لَا قدر لَهَا من اللَّحْم حاش لَهُ من ذَلِك فَكيف يَقُول مُوسَى ﵇ هَذَا الْكَلَام الأحمق حاش لَهُ من ذَلِك وَقبل ذَلِك بعام وَشهر وَبَعض آخر طلبُوا اللَّحْم فَأَتَاهُم بالسماني والمن وأكلوا ذَلِك بِنَصّ توراتهم أتراه نسي ذَلِك فِي هَذِه الْمدَّة الْيَسِيرَة أَو يظنّ أَنه قدر على الأولى ويعجز عَن الثَّانِيَة حاشا لَهُ من هَذَا الهوس
ثمَّ زِيَادَة فِي بَيَان هَذَا الْكَذِب أَن فِي توراتهم إِن بني إِسْرَائِيل إِذْ خَرجُوا من مصر مَعَ
[ ١ / ١٣٧ ]
مُوسَى خَرجُوا بِجَمِيعِ مَوَاشِيهمْ من الْبَقر وَالْغنم وَأَن أهل بَيت مِنْهُم ذَبَحُوا جديًا أَو خروفًا فِي تللك اللَّيْلَة وَذكر فِي مَوَاضِع مِنْهَا أَنهم أهدوا الكباش والتيوس والخرفان والجديان وَالْبَقر والعجول إِلَى قبَّة الْعَهْد وَذكروا فِي آخرهَا أَن بني رؤابين وَبني جادا وَنصف سبط بني منشا كَانَ مَعَهم غنم كثير وَمن الْبَقر عدد لَا يُحْصى فِي حِين ابْتِدَاء قِتَالهمْ وفتحهم لأرض الشَّام فَأَي عِبْرَة فِي إشباعهم من اللَّحْم وَاللَّحم حَاضر مَعَهم كثير لَا قَلِيل ثَلَاثَة من الْغنم كَانَت تَكْفِي الْوَاحِد مِنْهُم شهرا كَامِلا وثور وَاحِد كَانَ يَكْفِي أَرْبَعَة مِنْهُم شهرا كَامِلا على أَن يَأْكُلُوا اللَّحْم قوتًا حَتَّى يشبعوا بِلَا خبز فَكيف إِذا تأدموا بِهِ فَأَي عجب فِي إشباعهم بِاللَّحْمِ حَتَّى يُرَاجع مُوسَى ربه تَعَالَى بإنكار ذَلِك من قُوَّة ربه ﷿ فَهَل فِي الْعَالم أَحمَق مِمَّن كتب هَذِه الكذبة الشنيعة الْبَارِدَة السخيفة الممزوجة بالْكفْر اللَّهُمَّ لَك الْحَمد على تسليمك لنا مِمَّا امتحنتهم بِهِ فَإِن قَالُوا إِن فِي كتابكُمْ أَن الله تَعَالَى قَالَ لزكريا ﴿إِنَّا نبشرك بِغُلَام اسْمه يحيى﴾ الْآيَة وَأَن زَكَرِيَّا قَالَ لرَبه تَعَالَى ﴿أَنى يكون لي غُلَام وَكَانَت امْرَأَتي عاقرًا وَقد بلغت من الْكبر عتيًا قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين﴾ الْآيَة ﴿قَالَ رب اجْعَل لي آيَة قَالَ آيتك أَلا تكلم النَّاس ثَلَاث لَيَال سويًا﴾ وَفِي كتابكُمْ أَيْضا أَن الْملك قَالَ لِمَرْيَم ﴿أَنا رَسُول رَبك لأهب لَك غُلَاما زكيًا قَالَت أَنى يكون لي غُلَام﴾ الْآيَة ﴿قَالَ كَذَلِك قَالَ رَبك هُوَ عَليّ هَين﴾ الْآيَة قُلْنَا لَيْسَ فِي جَوَاب زَكَرِيَّا وَمَرْيَم ﵉ اعْتِرَاض على بشرى الْبَارِي ﷿ لَهما كَمَا فِي كتابكُمْ عَن مُوسَى ﵇ وَلَا فِي كَلَام زَكَرِيَّا وَمَرْيَم ﵉ إِنْكَار على أَن يعطيهما وَلدين وهما عقيم وَبكر إِنَّمَا سَأَلَا أَن يعرفا الْوَجْه الَّذِي مِنْهُ يكون الْوَلَد فَقَط لِأَن إِنِّي فِي اللُّغَة الْعَرَبيَّة الَّتِي بهَا نزل الْقُرْآن بِلَا خلاف أَن مَعْنَاهَا من أَيْن فصح مَا قُلْنَا من أَنَّهُمَا سألاه أَن يعرفهما الله تَعَالَى من أَيْن يكون لَهما الْوَالِدَان أَو من أَي جِهَة أبنكاح زَكَرِيَّا لامْرَأَة أُخْرَى أم نِكَاح رجل لِمَرْيَم أم من اختراعه تَعَالَى وَقدرته فَإِنَّمَا سَأَلَ زَكَرِيَّا الْآيَة ليظْهر صدقه عِنْد قومه وَلِئَلَّا يظنّ أَنَّهُمَا أخذاه وادعياه هَذَا هُوَ ظَاهر الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكرنَا من الْقُرْآن دون تكلّف تَأْوِيل بِنَقْل لفظ أَو زِيَادَة أَو حذف بِخِلَاف مَا حكيتم عَن مُوسَى من الْكَلَام الَّذِي لَا يحْتَمل التَّكْذِيب فَقَط