قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَذكر فِي الْفَصْل الَّذِي تكلمنا عَلَيْهِ أَن الْمَسِيح ﵇ احتشى من روح الْقُدس وَفِي أول بَاب من إنجيل لوقا أَن يحيى بن زَكَرِيَّا احتشى من روح الْقُدس فِي بطن أمه وَأَن أم يحيى احتشت أَيْضا من روح الْقُدس فَمَا نرى للمسيح من روح الْقُدس إِلَّا كَالَّذي ليحيى ولأم يحيى من روح الْقُدس وَلَا فرق فَأَي فضل لَهُ عَلَيْهِمَا
فصل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَفِي الْبَاب الثَّالِث من إنجيل مَتى فَلَمَّا بلغه حبس يحيى بن زَكَرِيَّا تنحى إِلَى جلجال وتخلا من مَدِينَة ناصرة ورحل وَسكن فِي كفرنا حوم على السَّاحِل فِي زابلون ونفثالى ليتم قَول أشعيا النَّبِي حَيْثُ قَالَ أَرض زابلون ونفثالى وَطَرِيق الْبَحْر خلف الْأُرْدُن وجلجال الْأَجْنَاس وكل من كَانَ بهَا فِي ظلمَة يبصرون نورا عَظِيما وَمن كَانَ سَاكِنا فِي ظلل الْمَوْت بهَا يطلع النُّور عَلَيْهِم وَمن ذَلِك الْموضع ابْتَدَأَ يسوع بِالْوَصِيَّةِ وَقَالَ تُوبُوا فقد تدانى ملكوت السَّمَاء وَبينا هُوَ يمشي على ريف الْبَحْر بَحر جلجال إِذْ بصر بأخوين أَحدهمَا يدعى شَمْعُون الْمُسَمّى باطرة وَالْآخر أندرياس وهما يدخلَانِ شباكهما فِي الْبَحْر وَكَانَا صيادين فَقَالَ لَهما اتبعاني أجعلكما صيادي الْآدَمِيّين فتخليا وقتهما ذَلِك من شباكهما واتبعاه ثمَّ تحرّك من ذَلِك الْموضع وبصر بأخوين أَيْضا وهما يَعْقُوب ويوحنا بن سيذاي فِي مركب مَعَ أَبِيهِمَا يعدَّانِ شباكهما فدعاهما فتخليا ذَلِك الْوَقْت من شباكهما وَمن أَبِيهِمَا ومتاعهما واتبعاه هَذَا نَص كَلَام مَتى فِي إنجيله حرفا حرفا وَفِي أول بَاب من إنجيل
[ ٢ / ١٥ ]
مارقش قَالَ فَبعد أَن بلي يحيى أقبل يسوع إِلَى جلجال ملك الله وَقَالَ إِن الزَّمَان قد تمّ وتدانى ملك الله فتوبوا وتقبلوا الْإِنْجِيل فَلَمَّا خطر جوَار بَحر جلجال نظر إِلَى شَمْعُون وأندرياس وهما يدخلَانِ شبكتهما فِي الْبَحْر وَكَانَا صيادين فَقَالَ لَهما يسوع اتبعاني أجعلكما صيادين للآدميين فتركا ذَلِك الْوَقْت الشبكة واتبعاه ثمَّ تَمَادى قَلِيلا فأبصر يَعْقُوب بن زبدى وأخاه يوحنا وهما فِي الْمركب يهندمان شبكتهما فدعاهما فتركا ولدهما مَعَ العمالين بِأُجْرَة فِي الْمركب واتبعاه هَذَا نَص كَلَام مارقش فِي إنجيله حرفا حرفا وَقَالَ فِي الْبَاب الرَّابِع من إنجيل لوقا وبينما الْجَمَاعَات يَوْمًا تزدحم عَلَيْهِ رَغْبَة فِي اسْتِمَاع كَلَام الله وَكَانَ فِي ذَلِك الْوَقْت وَاقِفًا على ريف بحيرة بشيرات إِذْ بصر بمركبين فِي الْبحيرَة قد نزل عَنْهُمَا أصحابهما لغسل شباكهم فَدخل يسوع أَحدهمَا الَّذِي كَانَ لشمعون وَسَأَلَهُ أَن يتَنَحَّى بِهِ عَن الرِّيف قَلِيلا فَقعدَ فِي الْمركب وَجعل يُوصي الْجَمَاعَات مِنْهُ فَلَمَّا أمسك عَن الْوَصِيَّة قَالَ لشمعون تَنَح عَن العمق والقواجر أفاتكم للصَّيْد فَقَالَ لَهُ شَمْعُون يَا معلم قد عنينا طول اللَّيْل وَلم نصب شَيْئا وَلَكنَّا سنلقي الجرافة بِأَمْرك وقولك فَلَمَّا أَلْقَاهَا قبضت على حيتان كَثِيرَة جليلة فَكَادَتْ تقطع الجرافة من كثرتها فاستعانوا بأصحاب الْمركب الثَّانِي وسألوهم أَن يعينوهم على إخراجهم لَهَا فَاجْتمعُوا عَلَيْهَا وشحنوا مِنْهَا المركبين حَتَّى كادا أَن يغرقا فَلَمَّا بصر بذلك شَمْعُون الَّذِي يدعى باطرة سجد لسيوع وَقَالَ اخْرُج عني يَا سَيِّدي لِأَنِّي إِنْسَان مذنب وَكَانَ قد حَار وكل من كَانَ مَعَه لِكَثْرَة مَا أَصَابُوا من الْحيتَان وحار يَعْقُوب ويوحنا ابْنا زبدى فَقَالَ يسوع لشمعون لَا تخف فَإنَّك ستصطاد من الْيَوْم الْآدَمِيّين فَخَرجُوا إِلَى الرِّيف الآخر مركبهم وتخلوا من جَمِيع مَا كَانَ لَهُم واتبعوه هَذَا نَص كَلَام لوقا فِي إنجيله حرفا حرفا وَفِي أول بَاب من إنجيل يوحنا بن سيذاي قَالَ وَفِي يَوْم آخر كَانَ يحيى بن زَكَرِيَّا المعمدان وَاقِفًا وَمَعَهُ تلميذان من تلاميذه فَبَصر بيسوع مَا شيا فَقَالَ هَذَا خروف الله فَسمع ذَلِك مِنْهُ التلميذان واتبعا يسوع فَالْتَفت إِلَيْهِمَا يسوع إِذْ رآهما يتبعانه وَقَالَ لَهما مَا الَّذِي طلبتما قَالَا لَهُ يَا معلم أَيْن مسكنك فَقَالَ لَهما أَقبلَا فأبصرا فتوجها مَعَه ورأيا مَسْكَنه وباتا عِنْده ذَلِك الْيَوْم وَكَانَا فِي السَّاعَة الْعَاشِرَة وَكَانَ أحد التلميذين اللَّذين اتبعاه أندرياس أَخُو شَمْعُون الْمُسَمّى باطرى أحد الاثْنَي عشر فلقي أَخَاهُ شَمْعُون وَهُوَ اُحْدُ الَّذين سمعا من يحيى واتبعاه إِذْ نظر إِلَيْهِ وَقَالَ لَهُ وجدنَا الْمَسِيح ثمَّ
[ ٢ / ١٦ ]
أقبل إِلَيْهِ بِهِ فَلَمَّا بصر بِهِ الْمَسِيح قَالَ لَهُ أَنْت شَمْعُون بن يوثا وَأَنت تسمى صفا وترجمته الْحجر وَهَذَا نَص كَلَام يوحنا فِي إنجيله حرفا حرفا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فاعجبوا لهَذِهِ الفضائح وتأملوها اتّفق مَتى وماقش على أَن أول مَا كَانَت صُحْبَة شَمْعُون باطره وأخيه أندرياش ابْني يوثا للمسيح فَإِنَّهَا كَانَت بعد أَن سجن يحيى بن زَكَرِيَّا إِذْ وجدهما الْمَسِيح وهما يدخلَانِ شبكتهما فِي الْبَحْر للصَّيْد وَقَالَ لوقا أَنه وجدهما أول مَا صحباه إِذْ وجدهما قد نزلا من الْمركب لغسل شباكهما وأنهما كَانَا قد تعبا طول اللَّيْل وَلم يصيدا شَيْئا وَقَالَ يوحنا إِن أول مَا صحباه إِذْ رَآهُ أندرياش أَخُو شَمْعُون باطره وَهُوَ وَاقِف مَعَ يحيى بن زَكَرِيَّا وَأَنه كَانَ تلميذًا ليحيى وَأَن يحيى حِينَئِذٍ كَانَ يعمد للنَّاس فَلَمَّا سمع أندرياش قَول يحيى إِذْ رأى الْمَسِيح هَذَا حُرُوف الله ترك يحيى وَصَحب الْمَسِيح وَذَلِكَ فِي السَّاعَة الْعَاشِرَة وَبَات عِنْده تِلْكَ اللَّيْلَة ثمَّ مضى إِلَى أَخِيه شَمْعُون باطره وَأخْبرهُ وأتى بِهِ إِلَى الْمَسِيح فصحبه وَهِي أول صحبته لَهُ فبعضهم يَقُول أول صُحْبَة باطره وأخيه أندرياش للمسيح كَانَت بعد سجن يحيى بن زَكَرِيَّا وَهُوَ قَول مَتى ومارقش وَبَعْضهمْ يَقُول أَن أول صُحْبَة شَمْعُون باطو وأندرياش للمسيح كَانَت قبل أَن يسجن يحيى وَهُوَ قَول يوحنا وَبَعْضهمْ يَقُول أول صُحْبَة باطره وأندرياش للمسيح كَانَت إِذْ وجدهما يدخلَانِ شبكتهما للصَّيْد جميعأً فتركاها وصحباه من حِينَئِذٍ وَهُوَ قَول مَتى ومارقش وَبَعْضهمْ يَقُول أَن أول صُحْبَة باطرة وأندرياش للمسيح كَانَت إِذْ رَآهُ أندرياش وَهُوَ وَاقِف مَعَ يحيى وَهُوَ تلميذ يحيى يَوْمئِذٍ فَرَأى الْمَسِيح مَاشِيا فَقَالَ يحيى هَذَا خروف الله فَترك أندرياش يحيى وَصَحب الْمَسِيح من حِينَئِذٍ ثمَّ مضى إِلَى أَخِيه شَمْعُون وعرفه أَنه قد وجد الْمَسِيح وأتى بِهِ إِلَيْهِ فصحبه من حِينَئِذٍ وَهُوَ قَول يوحنا فَهَذِهِ أَربع كذبات فِي نسق إِحْدَاهَا فِي الْوَقْت الَّذِي كَانَ ابْتَدَأَ صحبتهما للمسيح فِيهِ وَالْأُخْرَى فِي الْموضع الَّذِي كَانَت أول صحبتهما للمسيح فِيهِ وَالثَّالِثَة فِي رُتْبَة صحبتهما للمسيح امعًا أم أَحدهمَا قبل الثَّانِي وَالرَّابِعَة فِي صفة الْحَال الَّتِي وجدهما عَلَيْهَا أول مَا صحباه وبالضرورة نَدْرِي أَن أحد هَذِه الاختلافات الْأَرْبَعَة كذب بِلَا شكّ وَمثل هَذَا لَا يُمكن الْبَتَّةَ أَن يكون من عِنْد الله ﷿ وَلَا من عِنْد نَبِي وَلَا من عِنْد صَادِق بل من كَذَّاب عيار لَا يُبَالِي بِمَا حدث وَأغْرب شَيْء فِي ذَلِك قَوْلهم أَن يوحنا بن سيذاي هُوَ ترْجم إنجيل مَتى من العبرانية إِلَى اليونانية فَإِذا رأى هَذِه الْقَصَص فِي إنجيل مَتى بِخِلَاف مَا عِنْده فَلَا بُد ضَرُورَة من أَن يكون عرف أَن قَول مَتى كذب أَو عرف أَنه حق لَا بُد من أَحدهمَا ضَرُورَة فَإِن كَانَ قَول مَتى كذبا فقد
[ ٢ / ١٧ ]
استجاز يوحنا أَن يُورد الْكَذِب عَن صَاحبه الْمُقَدّس الَّذِي هُوَ عِنْدهم أكبر من مُوسَى وَمن سَائِر الْأَنْبِيَاء وَإِن كَانَ قَول مَتى حَقًا فقد قصد يوحنا لإيراد الْكَذِب فِيمَا أخبر هُوَ بِهِ فِي إنجيله لَا بُد من أَحدهمَا وَلَقَد كَانَت هَذِه وَحدهَا تَكْفِي فِي بَيَان أَن الأناجيل من عمل كَذَّابين ملعونين شَاهَت وُجُوههم وحاقت بهم لعنة الله