وَفِي الْبَاب الرَّابِع من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لتلاميذه لَا تحسبوا أَنِّي جِئْت لنقض التَّوْرَاة وَكتب الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا أتيت لإتمامها فَإِنِّي الْحق أَقُول لكم إِلَى أَن تبيد السَّمَاء وَالْأَرْض لَا تبيد بَاء وَاحِدَة وَلَا حرف وَاحِد من التَّوْرَاة حَتَّى يتم الْجَمِيع فَمن حلل عهدا من هَذِه العهود الصَّغِيرَة وَحمل النَّاس على تَحْلِيله فسيدعى فِي ملكوت السَّمَوَات صَغِيرا وَمن أتمه وحض النَّاس على إِتْمَامه فسيدعى فِي ملكوت السَّمَوَات عَظِيما وَفِي الْبَاب السَّادِس عشر من إنجيل مَتى ستحول السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَا يحول كَلَامي
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذِه نُصُوص تَقْتَضِي التأييد وتمنع من النّسخ جملَة ثمَّ لم يمض بعد الْفَصْل الأول الْمَذْكُور إِلَّا أسطار يسيرَة حَتَّى ذكر مَتى أَنه قَالَ لَهُم الْمَسِيح قد قيل من فَارق امْرَأَته فليكتب لَهَا كتاب طَلَاق قَالَ وَأَنا أَقُول لكم من فَارق امْرَأَته إِلَّا لزنا فقد جعل لَهَا سَبِيلا إِلَى الزِّنَا وَمن تزوج مُطلقَة فَإِنَّهُ يَزْنِي وَهَذَا نقض لحكم التَّوْرَاة الَّذِي ذكر أَنه لم يَأْتِ لنقضها لَكِن لإتمامها ثمَّ يحكون عَن بولس الملعون أَنه نهى عَن الْخِتَان وَهُوَ من أوكد شرائع التَّوْرَاة وَعَن شَمْعُون باطرة المسخوط أَنه أَبَاحَ أكل الْخِنْزِير وكل حَيَوَان وَطَعَام حرمته التوارة ثمَّ هم قد نقضوا شرائع التَّوْرَاة كلهَا أَولهَا عَن آخرهَا من السبت وأعياد الْيَهُود وَغير ذَلِك وهم مَعَ هَذَا الْعَمَل لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن الْمَسِيح وَجَمِيع تلاميذه بعده لم يزَالُوا يلتزمون السبت وأعياد الْيَهُود وفصحهم إِلَى أَن مَاتُوا على ذَلِك وَأَن الْمَسِيح إِنَّمَا أَخذ لَيْلَة الفصح وَهُوَ يفصح على سنة الْيَهُود وشريعتهم فَكيف هَذَا فَلَا بُد لَهُم من أَن يضيفوا الْكَذِب إِلَى الْمَسِيح جهارًا إِذْ أخبر أَنه لم يَأْتِ لنقض التَّوْرَاة ثمَّ نقضهَا فصح أَنه أَتَى لما أخبر أَنه لم يَأْتِ لَهُ من نقضهَا وَهَذَا كذب
[ ٢ / ١٨ ]
لَا مزحل عَنهُ وَلَا بُد لَهُم من أَن يَفروا من أَن الْمَسِيح مسخوط يدعى فِي ملكوت السَّمَوَات صَغِيرا لَا عَظِيما لِأَنَّهُ هَكَذَا أخبر هُوَ عَمَّن حلل عهدا صَغِيرا من عهودها وَهُوَ قد حل عهودًا كبارًا من عهودها إِذْ حرم الطَّلَاق وَقد أباحته التَّوْرَاة وَنهى عَن الْقصاص الَّذِي جَاءَت بِهِ التَّوْرَاة فَقَالَ قد قيل الْعين بِالْعينِ وَالسّن بِالسِّنِّ وَأَنا أَقُول لَا تكافئوا أحدا بسيئة وَلَكِن من لطم خدك الْأَيْمن فانصب لَهُ الخد الْأَيْسَر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ أَو لَا بُد لَهُم من أَن يشْهدُوا على أنفسهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وسالفهم عَن خالفهم بِمَعْصِيَة الله تَعَالَى وَمُخَالفَة الْمَسِيح وَأَنَّهُمْ يدعونَ فِي ملكوت السَّمَوَات صغَارًا إِذْ نقضوا حكم التَّوْرَاة أَولهَا عَن آخرهَا وَلَا يُمكنهُم هَا هُنَا دَعْوَى النّسخ الْبَتَّةَ لأَنهم حكوا كَمَا أوردنا عَن الْمَسِيح أَنه قَالَ أَقُول لكم إِلَى أَن تبيد السَّمَاء وَالْأَرْض لَا تبيد بَاء وَاحِدَة وَلَا حرف وَاحِد من التَّوْرَاة حَتَّى يتم الْجَمِيع فَمنع من النّسخ جملَة وَأَن فِي هَذَا لعجبًا لَا نَظِير لَهُ وحمق وضلالًا مَا كُنَّا نصدق بِأَن أحدا يدين بِهِ لَوْلَا أَنا شاهدناهم ونسأل الله السَّلامَة ثمَّ ذكر فِي الْبَاب الثَّامِن عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ للحواريين الاثْنَي عشر بأجمعهم وَمن جُمْلَتهمْ يهوذا الأسخريوطي الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْيَهُود برشوة ثَلَاثِينَ درهما كل مَا حرمتموه فِي الأَرْض يكون محرما فِي السَّمَاء وكل مَا حللمتموه فِي الأَرْض يكون محللًا فِي السَّمَاء وَفِي الْبَاب السَّادِس عشر من إنجيل مَتى أَنه قَالَ هَذَا القَوْل لباطره وَحده
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ وَهَذَا نَص تنَاقض عَظِيم كَيفَ يكون التَّحْلِيل وَالتَّحْرِيم للحواريين أَو لباطره مَعَ قَوْله أَنه لم يَأْتِ لتبديل التَّوْرَاة لَكِن لإتمامها وَأَنه من نقض من عهودها عهدا صَغِيرا دعِي فِي ملكوت السَّمَوَات صَغِيرا وَأَن السَّمَاء وَالْأَرْض تبيدان قبل أَن تبيد التَّوْرَاة بَاء وَاحِدَة أَو حرف وَاحِد لَئِن كَانَ صدق فِي هَذَا فَإِن فِي نَص التَّوْرَاة أَن الله تَعَالَى قد لعن من صلب فِي خَشَبَة وهم يَقُولُونَ أَنه صلب فِي خَشَبَة وَلَا شكّ فِي أَن باطرة شَمْعُون أَخا يُوسُف وأندرياش أَخُو باطرة وفليش وبولس صلبوا فِي الْخشب فعلى قَول الْمَسِيح لَا يبيد شَيْء من التَّوْرَاة حَتَّى يتم جَمِيعهَا فَكل هَؤُلَاءِ ملعونون بلعنة الله تَعَالَى فاعجبوا لضلال هَذِه الْفرْقَة المخذولة فَمَا سمع بأطم من هَذِه الفضائح أبدا
[ ٢ / ١٩ ]