وَفِي هَذَا الْبَاب نَفسه أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم لَا تحسبوا أَنِّي جِئْت لَا دخل بَين أهل الأَرْض الصُّلْح لَا السَّيْف وَإِنَّمَا قدمت لأفرق بَين الْمَرْء وَابْنه وَبَين الِابْنَة وَأمّهَا وَبَين الكنة وختنتها وَأَن يعادي الْمَرْء أهل خاصته وَفِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قَالَ لَهُم إِنَّمَا قدمت لألقي فِي الأَرْض نَارا وَإِنَّمَا أَرَادَ لي إشعالها
[ ٢ / ٢٤ ]
والتعطش فِيهَا جَمِيعهَا وَأَنا بذلك منتصب إِلَى إِتْمَامه أتظنون أَنِّي أتيت لأصلح بَين هَل الأَرْض لَا وَلَكِن لَا فرق بَينهم فَيكون خَمْسَة مفترقين فِي بيب ثَلَاثَة على اثْنَيْنِ وَاثْنَانِ على ثَلَاثَة الْأَب على الْوَلَد وَالْولد على الْأَب والابنة على الْأُم وَالأُم على الِابْنَة والختنة على الكنة والكنة على الختنة فهذان فصلان كَمَا ترى وَفِي الْبَاب التَّاسِع من إنجيل لوقا أَن الْمَسِيح قا لَهُم لم نبعث لتلف الْأَنْفس لَكِن لسلامتها وَفِي الْبَاب الْعَاشِر من إنجيل يوحنا أَن قَالَ من سمع كَلَامي وَلم يحفظه فلست أحكم أَنا عَلَيْهِ فَإِنِّي لم آتٍ لأحكم على الدُّنْيَا وأعقبها لَكِن إِلَى تَبْلِيغ أهل الدُّنْيَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد هَذَانِ الفصلان ضد الْفَصْلَيْنِ اللَّذين قبلهمَا وكل وَاحِد من الْمَعْنيين يكذب الآخر صراحًا
فَإِن قيل إِنَّه إِنَّمَا أَرَادَ أَنه لم يبْعَث لتلف الْأَنْفس الَّتِي آمَنت بِهِ قُلْنَا قد عَم وَلم يخص وبرهان بطلَان تأويلكم هَذَا من أَنه إِنَّمَا عني أَنه لم يبْعَث لتلف النُّفُوس المؤمنة بِهِ إِنَّمَا هُوَ نَص هَذَا الْفَصْل فِي الْبَاب التَّاسِع من إنجيل لوقا هُوَ كَمَا نورده إِن شَاءَ الله تَعَالَى قَالَ عَن الْمَسِيح أَنه بعث بَين يَدَيْهِ رسلًا وَجعلُوا طريقهم على السامرية ليعدوا لَهُ بهَا فَلم يقتلوه لتوجهه إِلَى برشلام فَلَمَّا رأى ذَلِك يوحنا وَيَعْقُوب قَالَا لَهُ يَا سيدنَا أيوافقك أَن تَدْعُو فتنزل عَلَيْهِم نَارا من السَّمَاء وَتحرق عامتهم كَمَا فعل الياس فَرجع إِلَيْهِم وانتهرهم وَقَالَ الَّذِي أَنْتُم لَهُ أَرْوَاح لم يبْعَث الْإِنْسَان لتلف الْأَنْفس لَكِن لسلامتها ثمَّ توجهوا إِلَى حصن آخر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فارتفع الْإِشْكَال وَصَحَّ أَنه لم يعن بالأنفس الَّتِي بعث لسلامتها بعض النُّفُوس دون بعض وَلَكِن عَنى كل نفس كَافِرَة بِهِ ومؤمنة بِهِ لَا كَمَا يسمعُونَ إِنَّمَا قَالَ ذَلِك إِذْ أَرَادَ أَصْحَابه هَلَاك الَّذين لم يقبلوه فَظهر تكاذب الْكَلَام الأول وحاشى لله أَن يكذب الرَّسُول الْمَسِيح ﵇ لَكِن الْكَذِب بِلَا شكّ من الْفُسَّاق الْأَرْبَعَة الَّذين كتبُوا تِلْكَ الأناجيل المحرفة المبدلة
ثمَّ فِي هَذَا الْفَصْل نَص جلي على أَنه مَبْعُوث مَأْمُور فصح أَنه نَبِي كَمَا يَقُول أهل الْحق إِن كَانُوا أصدقوا فِي هَذَا الْفَصْل وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق