وَفِي الْبَاب السَّادِس عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح قَالَ لباطرة إِلَيْك أَبْرَأ بمفاتيح السَّمَوَات فَكل مَا حرمته فِي الأَرْض يكون محرما فِي السَّمَوَات وكل مَا أحللته على الأَرْض يكون حَلَالا فِي السَّمَوَات وَبعد هَذَا الْكَلَام بأَرْبعَة أَن الْمَسِيح قَالَ لباطرة نَفسه مُتَّصِلا بالْكلَام الْمَذْكُور تَبِعنِي يَا مُخَالف وَلَا تعارضني فَإنَّك جَاهِل بمرضاة الله وَإِنَّمَا تَدْرِي مرضاة الْآدَمِيّين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل على قلته وَأَنه قَلِيل ومنتن كبعض مَا يُشبههُ مِمَّا نكره ذكره سؤتان عظيمتان إِحْدَاهمَا أَنه برْء إِلَى باطرة النذل بمفاتيح السَّمَوَات وولاه خطة الألوهية الَّتِي لَا تجوز لغير الله تَعَالَى وَحده لَا شريك لَهُ من أَن كل مَا حرمه فِي الأَرْض كَانَ حَرَامًا فِي السَّمَوَات وكل مَا حلله فِي الأَرْض كَانَ حَلَال فِي السَّمَوَات وَالثَّانيَِة أَنه إِثْر بَرَاءَته إِلَيْهِ بمفاتيح السَّمَوَات وتوليته خطة الربوبية إِمَّا شَرِيكا لله تَعَالَى فِي التَّحْرِيم والتحليل وَإِمَّا مُنْفَردا دونه ﷿ بِهَذِهِ الصّفة قَالَ لَهُ فِي الْوَقْت أَنه مُخَالف معَارض لَهُ جَاهِل بمرضاة الله ﷿ لَا يدْرِي إِلَّا مرضاة الْآدَمِيّين فوَاللَّه لَئِن كَانَ صدق فِي الْآخِرَة لقد خرق فِي الأولى إِذْ ولي مَا لَا يَنْبَغِي إِلَّا لله تَعَالَى جَاهِلا بمرضاة الله مُخَالفا لَهُ لَا يدْرِي إِلَّا رِضَاء النَّاس وَأَن هَذِه لسوءة الْأَبَد إِذْ من هَذِه صفته لَا يصلح أَن يبرأ إِلَيْهِ بمفاتيح كنيف أَو بَيت زبل وَلَئِن كَانَ صدق وَأصَاب فِي الأولى لقد كذب فِي الثَّانِيَة وَوَاللَّه مَا قَالَ الْمَسِيح قطّ شَيْئا مِمَّا ذكرُوا عَنهُ فِي الأولى لِأَنَّهَا مقَالَة كَافِر شَرّ خلق الله ﷿ وَمَا يبعد أَنه
[ ٢ / ٣١ ]
قَالَ لَهُ الْكَلَام الثَّانِي فَهُوَ وَالله كَلَام حق يشْهد بِهِ الْمُنَافِق على اللعين باطرة شاه وَجهه وَعَلِيهِ سخط الله وغضبه ثمَّ عجب ثَالِث أننا قد ذكرنَا قبل أر فِي الْبَاب الثَّانِي عشر من إنجيل مَتى أَن الْمَسِيح أشرك مَعَ باطرة فِي هَذِه الخطة الَّتِي أفرده بهَا هَا هُنَا سَائِر الاثْنَي عشر تلميذًا وَفِي جُمْلَتهمْ السَّارِق الْكَافِر الَّذِي دلّ عَلَيْهِ الْيَهُود برشوة ثَلَاثِينَ درهما أَخذهَا مِنْهُم وَأَنه قَالَ لجميعهم مَا حرمتموه فِي الأَرْض كَانَ حَرَامًا فِي السَّمَوَات وَمَا حللمتموه فِي الأَرْض كَانَ حَلَالا فِي السَّمَاء فيا لَيْت شعري كَيفَ يكون الْحَال إِن اخْتلفُوا فِيمَا ولاهم من ذَلِك فأحل بَعضهم شَيْئا وَحرمه آخر مِنْهُم كَيفَ يكون الْحَال فِي السَّمَوَات وَفِي الأَرْض لقد يَقع أهلهما مَعَ هَؤُلَاءِ السفلة فِي شغل وَفِي حُرْمَة وَحل مَعًا فَإِن قيل لَا يجوز أَن يَخْتَلِفُوا قُلْنَا سُبْحَانَ الله وَأي خلاف أعظم من تَحْلِيل يهوذا إِسْلَامه إِلَى الْيَهُود وَأَخذه ثَلَاثِينَ درهما رشوة على ذَلِك إِلَّا أَن كَانَ عَزله عَن خطة الإلهية بعد أَن ولاه إِيَّاهَا فلعمري إِن من قدر أَن يوليها أَنه لقادر على الْعَزْل عَنْهَا ولعمري لقد رذلت هَذِه الْمنزلَة عِنْد هَؤُلَاءِ الأرذال حَقًا إِذْ يَليهَا السراق وَمن لَا خير فِيهِ ثمَّ يعزلون عَنْهَا بِلَا مؤونة تَعَالَى الله وَالله لَو دكت الْجبَال وَالْأَرْض دكًا وخرت السَّمَوَات الْعلَا وصعق كل ذِي روح عِنْد سَماع كفر هَؤُلَاءِ الخساس لما كَانَ ذَلِك بكبير وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل وَلَا يَخْلُو هَذَا القَوْل من أحد وَجْهَيْن لَا ثَالِث لَهما إِمَّا أَنه أَرَادَ أَن باطرة والتلاميذ المولين هَذِه الخطة لَا يحللون شَيْئا وَلَا يحرمُونَ إِلَّا بِوَحْي من الله ﷿ فَإِن كَانَ هَذَا فقد كذب فِي قَوْله الَّذِي ذكرنَا قبل أَن كل نبوة فمنتهاها إِلَى يحيى بن زَكَرِيَّا لِأَن هَؤُلَاءِ أَنْبيَاء على هَذَا القَوْل
وَإِمَّا أَنه أَرَادَ أَنه جعل لباطرة وَأَصْحَابه ابْتِدَاء الحكم فِي التَّحْرِيم والتحليل من عِنْد أنفسهم بِلَا وَحي من الله تَعَالَى فَيجب على هَذَا أَنهم مَتى حرمُوا شَيْئا حرمه الله تَعَالَى اتبَاعا لتحريمهم وَمَتى حللوا شَيْئا حلله الله تَعَالَى اتبَاعا لتحليلهم فلئن كَانَ هَكَذَا فَإِنَّهَا لخطة خسف ونرى باطرة النذل وَأَصْحَابه الأوغاد قد صَارُوا حكامًا على الله تَعَالَى وَلَقَد صَار ﷿ تَابعا لَهُم وحاشى لله تَعَالَى من هَذَا كُله وَمَا نرى باطرة المنتن وَأَصْحَابه الرذلة حصلوا من مَفَاتِيح السَّمَوَات وَمن خطة الألهية إِلَّا على حلق اللحى بالنتف وعَلى ضرب الظُّهُور بالسياط والصلب أما باطرة فدبره إِلَى فَوق وَرَأسه إِلَى أَسْفَل وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ليعلم كل مُسلم أَن هَؤُلَاءِ الَّذين يسمونهم النَّصَارَى ويزعمون أَنهم كَانُوا حواريين للمسيح ﵇ كباطرة وَمَتى الشرطي ويوحنا وَيَعْقُوب ويهوذا الاخساء
[ ٢ / ٣٢ ]
لم يَكُونُوا قطّ مُؤمنين فَكيف حواريين بل كَانُوا كَذَّابين مستخفين بِاللَّه تَعَالَى أما مقرين بالالهية الْمَسِيح ﵇ معتقدين لذَلِك غالين فِيهِ كغلو السبئية وَسَائِر فرق الغالية فِي عَليّ ﵁ وكقول الخطابية بالالهية أبي الْخطاب وَأَصْحَاب الحلاج بإلهية الحلاج وَسَائِر كفار الباطنية عَلَيْهِم اللَّعْنَة من الله وَالْغَضَب وَإِمَّا مدسوسين من قبل الْيَهُود كَمَا تزْعم الْيَهُود لإفساد ديث أَتبَاع الْمَسِيح ﵇ وإضلالهم كانتصاب عبد الله بن سبأ الْحِمْيَرِي وَالْمُخْتَار ابْن أبي عبيد وَأبي عبد الله العجاني وَأبي زَكَرِيَّا الْخياط وَعلي النجار وَعلي بن الْفضل الجندي وَسَائِر دعاة القرامطة والمشارقة لإضلال شيعَة عَليّ ﵁ فوصلوا من ذَلِك إِلَى حَيْثُ عرف وَسلم الله من ذَلِك من لم يكن من الشِّيعَة وَأما الحواريون الَّذين أثنى الله عَلَيْهِم فَأُولَئِك أَوْلِيَاء الله حَقًا ندين لله ﷿ بحبهم وَلَا نَدْرِي أسمائهم لِأَن الله تَعَالَى لم يسمهم لنا إِلَّا إننا نبت ونوقن ونقطع بِأَن باطرة الْكذَّاب وَمَتى الشرطي ويوحنا المستخف ويهوذا وَيَعْقُوب النذلين ومارقس الْفَاسِق ولوقا الْفَاجِر وبولس الْجَاهِل مَا كَانُوا قطّ من الحواريون لَكِن من الطَّائِفَة الَّتِي قَالَ الله فِيهَا وكفرت طَائِفَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق