وَفِي الْبَاب الموفى عشْرين من إنجيل لوقا فَلَمَّا بلغُوا إِلَى الْموضع الَّذِي يَدعِي الأجرد صلبوه فِيهِ وصلبوا مَعَه السارقين العائثين عَن يَمِينه وشماله فَقَالَ يسوع يَا أبتاه اغْفِر لَهُم لأَنهم يجهلون مَا يصنعون وَلَا يَدْرُونَ فعلهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فِي هَذَا الْفَصْل شنعتان عظيمتان على النَّصَارَى كافيتان فِي وساخة دينهم وَبَيَان فَسَاد كل مَا هم عَلَيْهِ جهارًا أَولهَا أَن نسألهم فَنَقُول لَهُم الْمَسِيح إِلَه عنْدكُمْ أم لَا فَمن قَوْلهم نعم فَيُقَال لَهُم فَإلَى من دَعَا وَرفع طلبته فَإِن كَانَ دَعَا غَيره فَهُوَ إِلَه يَدْعُو إِلَهًا آخر وَهَذَا شرك وتغاير بَين الْآلهَة وهم لَا يَقُولُونَ هَذَا وَإِن كَانَ دَعَا نَفسه فَهَذَا هوس إِنَّمَا حكمه أَن يَقُول قد غفرت لكم وَهُوَ يصرحون فِي الأناجيل بِأَنَّهُ يغْفر ذنُوب من شَاءَ فَأَيْنَ كَانَ عَن هَذِه الصّفة إِذْ دَعَا إِلَهًا غَيره وَالثَّانيَِة أَن يُقَال لَهُم هَل أجيبت دَعوته هَذِه أم لَا فَإِن قَالُوا لم تجب دَعوته قُلْنَا فَلَيْسَ فِي الخزي أَكثر من إِلَه يَدْعُو فَلَا يُسْتَجَاب لَهُ وَلَا فِي النحس فَوق هَذَا وعَلى هَذَا فَمَا بِيَدِهِ من الربوبية إِلَّا كذنب ثَوْر شارد فِي جدور كَمَا بيد سَائِر المخلوقين يَدْعُو فيجاب مرّة وَلَا يُجَاب مرّة وَإِن قَالُوا بل أجيبت دَعوته قُلْنَا لَهُم فاعلموا أَنكُمْ وأسلافكم كلكُمْ فِي سبكم الْيَهُود الَّذين صلبوه ظَالِمُونَ لَهُم وَكَيف يسْتَحلُّونَ سبّ قوم قد غفر لَهُم إلههم وَأسْقط عَنْهُم الْمَلَامَة فِي صلبهم لَهُ أما لكم عقول تعرفُون بهَا مِقْدَار مَا أَنْتُم عَلَيْهِ من الضلال الَّذِي لَيْسَ فِي الْعَالم أحد على مثله بل كل ضَلَالَة فَهِيَ دونه فَإِن قيل وَمَا أنكرتم من هَذَا وَأَنْتُم تَقولُونَ أَن الله تَعَالَى دَعَا الْكفَّار إِلَى الْإِيمَان فَلم يُجِيبُوهُ قُلْنَا نعم فَكَانُوا عصاة وَالله تَعَالَى لم يرد كَون الْإِيمَان مِنْهُم إِنَّمَا أَمرهم أَمر تعجيز فأخبرونا أَنْتُم من هُوَ الْمَدْعُو لَهُم ليغفر لَهُم فنجيبه أَو نعصيه وَلَا مخلص من هَذَا
فصل
وَفِي آخر إنجيل لوقا أَنه بعد صلبه ترَاءى لِرجلَيْنِ من تلاميذه وهما لَا يعرفانه فَقَالَ لَهما مَا هَذَا الَّذِي تخوضان فِيهِ وتحزنان لَهُ فَقَالَ أَحدهمَا وَهُوَ الَّذِي يُسَمِّي كلوباش أَنْت وَحدك غَرِيب بيرشلام إِذْ تجْهَل مَا كَانَ بهَا هَذِه الْأَيَّام فَقَالَ لَهما وَمَا ذَلِك فَقَالَا لَهُ من خبر يسوع الناصري الَّذِي كَانَ نَبيا مقتدرًا فِي أَفعاله وَكَلَامه عِنْد الله وَعند النَّاس وَكَيف اجْتمع قواد القسيسين على قَتله وصلبه إِلَى آخر كَلَامهمَا وَأَنه قَالَ لَهما يَا جهال وَيَا من عجزت عَن فهم
[ ٢ / ٥٢ ]
مقَالَة الْأَنْبِيَاء قُلُوبهم أما كَانَ هَذَا وَاجِبا أَن يلقاه الْمَسِيح وَبعد ذَلِك يبلغ إِلَى عَظمته
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابه يَقُولُونَ أَنه كَانَ نَبيا عِنْد الله وَعند النَّاس وَهُوَ يسمع بزعمهم وَلَا يُنكر ذَلِك فَهَلا قَالُوا فِيهِ هَكَذَا لقد طمس الشَّيْطَان أبصار قُلُوبهم ولوي ألسنتهم عَن أَن يَقُولُوا ذَلِك وَلَا مرّة فِي الدَّهْر بل يكذبونه أَشد التَّكْذِيب وحسبنا الله وَنعم الْوَكِيل