ثمَّ قَالَ مُتَّصِلا بِهَذَا الْفَصْل وَقَالُوا لَهُ أَيْن سارة زَوجتك فَقَالَ هَا هِيَ ذِي فِي الخباء قَالَ سأرجع إِلَيْك مثل هَذَا الْوَقْت من قَابل وَيكون لَهَا ابْن وَسَارة تسمع فِي الخباء وَهُوَ وَرَاءَهَا وَكَانَ إِبْرَاهِيم وَسَارة شيخين قد طَعنا فِي السن وانْتهى لسارة أَن لَا يكون لَهَا عَادَة النِّسَاء فَضَحكت سارة فِي نَفسهَا قائلة أبعد أَن نليت يصير لي ذَا وسيدي شيخ قَالَ الله لإِبْرَاهِيم لماذا ضحِكت سارة قائلة هَل لي أَن أَلد وَأَنا عَجُوز وَهل يخفى عَن الله أَمْرِي فِي هَذَا الْوَقْت إِذْ قَالَ عز من قَائِل يكون لسارة ابْن فجحددت سارة وَقَالَت لم أضْحك لِأَنَّهَا خَافت وَقَالَ السَّيِّد لَيْسَ كَمَا تَقُولِينَ بل قد ضحِكت فَقَامَ الْقَوْم من ثمَّ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ عَاد الْخَبَر بَين سارة وَإِبْرَاهِيم وَبَين الله ﷿ وَعَاد الحَدِيث الْمَاضِي ثمَّ فِي هَذَا زِيَادَة أَن الله تَعَالَى قَالَ أَن سارة ضحِكت وَقَالَت سارة لم أضْحك فَقَالَ الله بل قد ضحِكت فَهَذِهِ مُرَاجعَة الْخُصُوم وتعارض الْأَكفاء وحاشى لسارة الفاضلة المنبأة من الله ﷿ بالبشارة من أَن تكذب الله ﷿ فِيمَا يَقُول وَتكذب هِيَ فِي ذَلِك فتجحد مَا فعلت فتجمع بَين سوءتين إِحْدَاهمَا كَبِيرَة من الْكَبَائِر قد نزه الله ﷿ الصَّالِحين عَنْهَا فَكيف الْأَنْبِيَاء وَالْأُخْرَى أدهى وَأمر وَهِي الَّتِي لَا يَفْعَلهَا مُؤمن وَلَو أَنه أفسق أهل الأَرْض لِأَنَّهَا كفر ونعوذ بِاللَّه من الضلال
فصل
وَبعد ذَلِك وصف أَن الْملكَيْنِ باتا عِنْد لوط وأكلا عِنْده الْخبز الفطير وَلَو أَن لوطًا سجد لَهما على وَجه الأَرْض وَتعبد لَهما وَقد مضى مثل هَذَا وَأَنه كذب وَأَن الْمَلَائِكَة لَا تَأْكُل فطيرًا وَلَا مختمرًا وَأَن الْأَنْبِيَاء ﵈ لَا يَسْجُدُونَ لغير الله تَعَالَى وَلَا يتعبدون لسواه
فصل
وَذكر أَن إِبْرَاهِيم ﵇ قَالَ لله ﷿ إِذْ ذكر لَهُ هَلَاك قوم
[ ١ / ١٠٤ ]
لوط فِي كَلَام كثير أَنْت معَاذ من أَن تصنع هَذَا الْأَمر لَا تقتل الصَّالح مَعَ الطالح فَأَنت معَاذ يَا حَاكم جَمِيع الْعَالم وَلم يُنكر الله تَعَالَى عَلَيْهِ هَذَا القَوْل وَقَالَ بعد ذَلِك أَن الْملكَيْنِ قَالَا للوط أنظر من لَك هُنَا من صهر بنيك وبناتك وكل مَالك فِي الْقرْيَة أخرجهم من هَذَا الْموضع لأَنا مهلكون هَذَا الْموضع وَقَالَ بعد ذَلِك إِن لوطًا كلم أَصْحَابه المتزوجين بَنَاته وَقَالَ لَهُم اخْرُجُوا من هَذَا الْموضع فَإِن الله مهلكهم وَأَنه صَار عِنْدهم كاللاعب ثمَّ قَالَ بعد ذَلِك أَن الْمَلَائِكَة أَمْسكُوا بيد لوط وبيد زَوجته وابنتيه لشفقة الله عَلَيْهِم وأخرجوهم خَارج الْقرْيَة ثمَّ ذكر هَلَاك الْقرْيَة بِكُل مَا فِيهَا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ لَا تَخْلُو أَصْهَار لوط وَبَنوهُ وَبنَاته الناكحات من أَن يَكُونُوا صالحين أَو طالحين فَإِن كَانُوا صالحين فقد هَلَكُوا مَعَ الطالحين وَبَطل عقد الله تَعَالَى مَعَ إِبْرَاهِيم فِي ذَلِك وحاشى لله من هَذَا وَإِن كَانُوا طالحين فَكيف تَأمر الْمَلَائِكَة بِإِخْرَاج الطالحين وهم كَانُوا مبعوثين لهلاكهم فَلَا بُد من الْكَذِب فِي أحد الْوَجْهَيْنِ وَبِالْجُمْلَةِ فأخبارهم معفونة جدا
فصل
وَبعد ذَلِك قَالَ وَأقَام لوط فِي المغارة هُوَ وابنتاه فَقَالَت الْكُبْرَى للصغرى أَبونَا شيخ وَلَيْسَ فِي الأَرْض أحد يأتينا كسبيل النِّسَاء تَعَالَى نسقي أَبَانَا الْخمر ونضاجعه ونستبق مِنْهُ نَسْلًا فسقتا أباهما الْخمر فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَأَتَت الْكُبْرَى فضاجعت أَبَاهَا وَلم يعلم بنومها وَلَا بقيامها فَلَمَّا كَانَ من الْغَد قَالَت الْكُبْرَى للصغرى قد ضاجعت أبي أمس تعالي نسقيه الْخمر هَذِه اللَّيْلَة وضاجعيه أَنْت ونستبقي من أَبينَا نَسْلًا فسقتاه تِلْكَ اللَّيْلَة خمرًا وَأَتَتْ الصُّغْرَى فضاجعته وَلم يعلم بنومها وَلَا بقيامها وحملت ابنتا لوط من أَبِيهِمَا فَولدت الْكُبْرَى ابْنا وسمته مواب وَهُوَ أَبُو الموابين إِلَى الْيَوْم وَولدت الصُّغْرَى ابْنا سمته ابْن عمي وَهُوَ أَبُو العمونيين إِلَى الْيَوْم وَفِي السّفر الْخَامِس من التَّوْرَاة بزعمهم أَن مُوسَى قَالَ لبني إِسْرَائِيل إِن الله تَعَالَى قَالَ لما انتهينا إِلَى صحراء بني مواب قَالَ لي لَا تحارب بني مواب وَلَا تقَاتلهمْ فَإِنِّي لم أجعَل لكم فِيمَا تَحت أَيْديهم سَهْما لِأَنِّي قد ورثت بني لوط أَدّوا وجعلتها مسكنا لَهُم ثمَّ ذكر أَن مُوسَى قَالَ لَهُم إِن الله تَعَالَى قَالَ لَهُ أَيْضا أَنْت تخلف الْيَوْم حوز بني مواب الْمَدِينَة الَّتِي تَدعِي عَاد وتنزل فِي حوز بني عمون فَلَا تحاربهم وَلَا تقَاتل أحدا مِنْهُم فَإِنِّي لم أجعَل لكم تَحت أَيْديهم سَهْما لأَنهم من بني لوط وَقد ورثتهم تِلْكَ الأَرْض
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ﵁ فِي هَذِه الْفُصُول فضائح وسوآت تقشعر من سماعهَا جُلُود الْمُؤمنِينَ بِاللَّه تَعَالَى العارفين حُقُوق الْأَنْبِيَاء ﵈ فأولها مَا ذكر عَن بِنْتي لوط ﵇ من قَوْلهمَا لَيْسَ أحد فِي الأَرْض يأتينا كسبيل النِّسَاء تعالي نسقي أَبَانَا خمرًا ونضاجعه ونستبق مِنْهُ نَسْلًا فَهَذَا كَلَام أَحمَق فِي غَايَة الككذب وَالْبرد أَتَرَى كَانَ انْقَطع نسل ولد آدم حَتَّى لم يبْق فِي الأَرْض أحد يضاجعها إِن هَذَا لعجب فَكيف والموضع مَعْرُوف إِلَى الْيَوْم لَيْسَ بَين تِلْكَ المغارة الَّتِي كَانَ فِيهَا لوط ﵇ مَعَ بنتيه وَبَين قَرْيَة سُكْنى إِبْرَاهِيم ﵇ إِلَّا فَرسَخ وَاحِد لَا يزِيد وَهُوَ ثَلَاثَة أَمْيَال فَقَط فَهَذِهِ سوءة وَالثَّانيَِة اطلاق الْكَذِب الْوَاضِع لهَذِهِ الخرافة لَعنه الله هَذِه الطومة
[ ١ / ١٠٥ ]
على الله ﷿ من أَنه أطلق نبيه وَرَسُوله ﷺ على هَذِه الْفَاحِشَة الْعَظِيمَة من وَطْء ابْنَتَيْهِ وَاحِدَة بعد الْأُخْرَى فَإِن قَالُوا لَا ملامة عَلَيْهِ فِي ذَلِك لِأَنَّهُ فعل ذَلِك وَهُوَ سَكرَان وَهُوَ لَا يعلم من هما قُلْنَا فَكيف عمل إِذْ رآهما حاملتين وَإِذ رآهما قد ولدتا وَلدين لغير رشدة وَإِذ رآهما تربيان أَوْلَاد الزِّنَا هَذِه فضائح الْأَبَد وتوليد الزَّنَادِقَة المبالغين فِي الاستخفاف بِاللَّه تَعَالَى وبرسله ﵈ وَالثَّالِثَة إِطْلَاقهم على الله تَعَالَى أَنه نسب أَوْلَاد ذَيْنك الزنيمين فرخي الزِّنَا إِلَى ولادَة لوط ﵇ حَتَّى ورثهما بلدين كل ورث بني إِسْرَائِيل وَبني عيسو ابْني إِسْحَاق سَوَاء سَوَاء تَعَالَى الله عَن هَذَا علوا كَبِيرا فَإِن قَالُوا كَانَ مُبَاحا حِينَئِذٍ قُلْنَا فقد صَحَّ النّسخ الَّذِي تُنْكِرُونَهُ بِلَا كلفة وَقَالَ قبل هَذَا إِن إِبْرَاهِيم إِذْ أَمر الله تَعَالَى بِالْمَسِيرِ من حران إِلَى أَرض كنعان أَخذ مَعَ نَفسه امْرَأَته سارة وَابْن أَخِيه لوط بن هَارُون وَذكروا فِي بعض توراتهم أَنه كَلمته الْمَلَائِكَة وَأَن الله تَعَالَى أرسلهم إِلَيْهِ فصح بإقرارهم أَنه نَبِي الله ﷿ وهم يَقُولُونَ أَنه بَقِي فِي تِلْكَ المغارة شَرِيدًا طريدًا فَقِيرا لَا شَيْء لَهُ يرجع إِلَيْهِ فَكيف يدْخل فِي عقل من لَهُ أقل إِيمَان أَن إِبْرَاهِيم ﵇ يتْرك ابْن أَخِيه الَّذِي تغرب مَعَه وآمن بِهِ ثمَّ تنبأ مثله يضيع ويسكن فِي مغارة مَعَ ابْنَتَيْهِ فَقِيرا هَالكا وَهُوَ على ثَلَاثَة أَمْيَال مِنْهُ وَإِبْرَاهِيم على مَا ذكر فِي التَّوْرَاة عَظِيم المَال مفرط الْغنى كثير الْيَسَار من الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْعَبِيد وَالْإِمَاء وَالْجمال وَالْبَقر وَالْغنم وَالْحمير وَيَقُولُونَ فِي توراتهم أَنه ركب فِي ثَلَاثمِائَة مقَاتل وَثَمَانِية عشر مُقَاتِلًا لِحَرْب الَّذين سبوا لوطًا وَمَاله حَتَّى استنفذوه وَمَاله فَكيف يضيعه بعد ذَلِك هَذَا التضييع لَيست هَذِه صِفَات الْأَنْبِيَاء وَلَا كَرَامَة وَلَا صِفَات من فِيهِ شيءٌ من الْخَيْر لَكِن صِفَات الْكلاب الَّذين وضعُوا لَهُم هَذِه الخرافات الْبَارِدَة الَّتِي لَا فَائِدَة فِيهَا وَلَا موعظة وَلَا عِبْرَة حَتَّى ضلوا بهَا ونعوذ بِاللَّه من الخذلان