قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا حِين نَأْخُذ إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي ذكر بعض مَا اعْترضُوا بِهِ وَذَلِكَ أَنهم قَالُوا إِن الْبَرَاهِين قد صحت بِأَن الأَرْض كروية والعامة تَقول غير ذَلِك وجوابنا وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن أحد من أَئِمَّة الْمُسلمين الْمُسْتَحقّين لاسم الْإِمَامَة بِالْعلمِ ﵃ لم ينكروا تكوير الأَرْض وَلَا يحفظ لأحد مِنْهُم فِي دَفعه كلمة بل الْبَرَاهِين من الْقُرْآن وَالسّنة قد جَاءَت بتكويرها قَالَ الله ﷿ ﴿يكور اللَّيْل على النَّهَار ويكور النَّهَار على اللَّيْل﴾ وَهَذَا أوضح بَيَان فِي تكوير بَعْضهَا على بعض مَأْخُوذ من كور الْعِمَامَة وَهُوَ إدارتها وَهَذَا نَص على تكوير الأَرْض ودوران الشَّمْس كَذَلِك وَهِي الَّتِي مِنْهَا يكون ضوء النَّهَار بإشراقها وظلمة اللَّيْل بمغيبها وَهِي آيَة النَّهَار بِنَصّ الْقُرْآن قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلنَا آيَة النَّهَار مبصرة﴾ فَيُقَال لمن أنكر مَا جهل من ذَلِك من الْعَامَّة ألبس إِنَّمَا افْترض الله ﷿ علينا أَن نصلي الظّهْر إِذا زَالَت الشَّمْس فَلَا بُد من نعم فَيسْأَلُونَ عَن معنى زَوَال الشَّمْس
[ ٢ / ٧٨ ]
فَلَا بُد من أَنه إِنَّمَا هُوَ انْتِقَال الشَّمْس عَن مُقَابلَة من قَابل بِوَجْهِهِ القرص واستقبل بِوَجْهِهِ وَأَنْفه وسط الْمسَافَة الَّتِي بَين مَوضِع طُلُوع الشَّمْس وَبَين مَوضِع غُرُوبهَا فِي كل زمَان وكل مَكَان وَأَخذهَا إِلَى جِهَة حَاجِبه الَّذِي يَلِي مَوضِع غرُوب الشَّمْس وَذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ فِي أول النّصْف الثَّانِي من النَّهَار وَقد علمنَا أَن المداين من معمور الأَرْض آخذة على أديمها من مشرق إِلَى مغرب وَمن جنوب إِلَى شمال فَيلْزم من قَالَ أَن الأَرْض منتصبة إِلَّا على غير مكورة أَن كل من كَانَ سَاكِنا فِي أول الْمشرق أَن يُصَلِّي الظّهْر فِي أول النَّهَار ضَرُورَة وَلَا بُد إِثْر صَلَاة الصُّبْح بِيَسِير لِأَن الشَّمْس بِلَا شكّ تَزُول عَن مُقَابلَة مَا بَين حاجبي كل وَاحِد مِنْهُم فِي أول النَّهَار ضَرُورَة وَلَا بُد أَن كَانَ الْأَمر على مَا تَقولُونَ وَلَا يحل لمُسلم أَن يَقُول إِن صَلَاة الظّهْر تجوز أَن تصلى قبل نصف النَّهَار ويلزمهم أَيْضا أَن من كَانَ سَاكِنا فِي آخر الْمغرب إِن الشَّمْس لَا تَزُول عَن مُقَابلَة مَا بَين حاجبي كل وَاحِد مِنْهُم إِلَّا فِي آخر النَّهَار فَلَا يصلونَ الظّهْر إِلَّا فِي وَقت لَا يَتَّسِع لصَلَاة الْعَصْر حَتَّى تغرب الشَّمْس وَهَذَا خَارج عَن حكم دين الْإِسْلَام وَأما من قَالَ بتكويرها فَإِن كل من على ظهر الأَرْض لَا يُصَلِّي الظّهْر إِلَّا إِثْر انتصاف نَهَاره أبدا على كل حَال وَفِي كل زمَان وَفِي كل مَكَان وَهَذَا بَين لَا خَفَاء فِيهِ وَقَالَ ﷿ ﴿سبع سماوات طباقًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَد خلقنَا فَوْقكُم سبع طرائق﴾ وَهَكَذَا قَامَ الْبُرْهَان من قبل كسوف الشَّمْس وَالْقَمَر بعض الدراري لبَعض على أَنَّهَا سبع سموات وعَلى أَنَّهَا طرائق وَقَوله تَعَالَى طرائق يَقْتَضِي متطرقًا فِيهِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَهَذَا نَص مَا قَامَ عَلَيْهِ الْبُرْهَان من انطباق بَعْضهَا على بعض وإحاطة الْكُرْسِيّ بالسموات السَّبع وبالأرض وَقَالَ رَسُول الله ﷺ فاسألوا الله الفردوس الْأَعْلَى فَإِنَّهُ وسط الْجنَّة وَأَعْلَى الْجنَّة وَفَوق ذَلِك عرش الرَّحْمَن وَقَالَ تَعَالَى الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى وَأخْبر هَذَانِ النصان بِأَن مَا على الْعَرْش هُوَ منتهي الْخلق وَنِهَايَة الْعلم وَقَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّا زينا السَّمَاء الدُّنْيَا بزينة الْكَوَاكِب وحفظًا من كل شَيْطَان مارد﴾ وَهَذَا هُوَ نَص مَا قَامَ الْبُرْهَان عَلَيْهِ من أَن الْكَوَاكِب المرمي بهَا هِيَ دون سَمَاء الدُّنْيَا لِأَنَّهَا لَو كَانَت فِي السَّمَاء لَكَانَ الشَّيَاطِين يصلونَ إِلَى السَّمَاء أَو كَانَت هِيَ تخرج عَن السَّمَاء وَإِلَّا فَكَانَت تِلْكَ الشهب لَا تصل إِلَيْهِم إِلَّا بذلك وَقد صَحَّ أَنهم ممنوعون من السَّمَاء بالرجوم فصح أَن الرجوم دون السَّمَاء وَأَيْضًا فَإِن تِلْكَ الرجوم لَيست نجومًا مَعْرُوفَة أصلا وَإِنَّمَا هِيَ شهب ونيازك من نَار تتكوكب وتشتعل وتطفأ وَلَا نَار فِي السَّمَوَات أصلا فَلم نجد الِاخْتِلَاف إِلَّا فِي الْأَسْمَاء لاخْتِلَاف اللُّغَات وَقد اعْترض القَاضِي مُنْذر بن سعيد فِي هَذَا فَجعل الأفلاك غير السَّمَوَات
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَلَا برهَان على مَا ذكر إِلَّا أَنه قَالَ إِن السَّمَوَات هِيَ فَوق الأَرْض فَلَو كَانَت السَّمَوَات مُحِيطَة بِالْأَرْضِ لَكَانَ بعض السَّمَوَات تَحت الأَرْض وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْء لِأَن التحت والفوق من بَاب الْإِضَافَة لَا يُقَال فِي شَيْء تَحت إِلَّا وَهُوَ فَوق لشَيْء آخر حاشى مَرْكَز الأَرْض فَإِنَّهُ تَحت مُطلق لَا تَحت لَهُ الْبَتَّةَ وَكَذَلِكَ كل مَا قيل فِيهِ أَنه فَوق فَهُوَ أَيْضا تَحت لشَيْء آخر حاشى الصفحة الْعليا من
[ ٢ / ٧٩ ]
الْفلك إِلَّا على الْمَقْسُوم بقسمة البروج فَهِيَ فَوق لَا فَوق لَهَا الْبَتَّةَ فالأرض على هَذَا الْبُرْهَان الشَّاهِد هِيَ مَكَان التحت فِي السَّمَوَات ضَرُورَة فَمن حَيْثُ كَانَت السَّمَاء فَهِيَ فَوق الأَرْض وَمن حَيْثُ قابلتها الأَرْض فَهِيَ تَحت السَّمَاء وَلَا بُد وَحَيْثُ مَا كَانَ ابْن آدم فرأسه إِلَى السَّمَاء وَرجلَاهُ إِلَى الأَرْض وَقد قَالَ الله ﷿ ﴿ألم تروا كَيفَ خلق الله سبع سماوات طباقًا وَجعل الْقَمَر فِيهِنَّ نورا وَجعل الشَّمْس سِرَاجًا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿جعل فِي السَّمَاء بروجًا وَجعل فِيهَا سِرَاجًا وقمرًا منيرًا﴾ فَأخْبر الله تَعَالَى أَخْبَار لَا يردهُ إِلَّا كَافِر بِأَن الْقَمَر فِي السَّمَاء وَأَن الشَّمْس أَيْضا فِي السَّمَاء ثمَّ قد قَامَ الْبُرْهَان الضَّرُورِيّ الْمشَاهد بالعيان على دورانها حول الأَرْض من مشرق إِلَى مغرب ثمَّ من مغرب إِلَى مشرق فَلَو كَانَ على مَا يظنّ أهل الْجَهْل لكَانَتْ الشَّمْس وَالْقَمَر إِذْ دَارا بِالْأَرْضِ وصارا فِيمَا يُقَابل صفحة الأَرْض الَّتِي لسنا عَلَيْهَا قد خرجا عَن السَّمَاء وَهَذَا تَكْذِيب لله تَعَالَى فصح بِهَذَا أَنه لَا يجوز أَن يقارق الشَّمْس وَالْقَمَر السَّمَوَات وَلَا أَن يخرجَا عَنْهَا لِأَنَّهُمَا كَيفَ دَارا فهما فِي السَّمَوَات فصح ضَرُورَة أَن السَّمَوَات مُطَابقَة طباقًا على الأَرْض وَأَيْضًا فقد نَص تَعَالَى كَمَا ذكرنَا على أَن الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم فِي السَّمَوَات ثمَّ قَالَ تَعَالَى ﴿وكلٌ فِي فلك يسبحون﴾ وبالضرورة علمنَا أَنه لَا يُمكن أَن يكون جرم فِي وَقت وَاحِد فِي مكانين فَلَو كَانَت السَّمَوَات غير الأفلاك وَكَانَت الشَّمْس وَالْقَمَر بِنَصّ الْقُرْآن فِي السَّمَوَات وَفِي الْفلك لكانا فِي مكانيين فِي وَقت غير متداخلين وَاحِد وَهَذَا محَال مُمْتَنع وَلَا ينْسب القَوْل بالمحال إِلَى الله ﷿ إِلَّا أعمى الْقلب فصح أَن الشَّمْس فِي مَكَان وَاحِد وَهُوَ سَمَاء وَهُوَ فلك وَهَكَذَا القَوْل فِي الْقَمَر وَفِي النُّجُوم وَقَوله تَعَالَى وكلٌ فِي فلك يسبحون نَص جلي على الاستدارة لِأَنَّهُ أخبر تَعَالَى أَن الشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم سابحة فِي الْفلك وَلم يخبر تَعَالَى أَن لَهَا سكونًا فَلَو لم تستدر لكَانَتْ على أباد الدهور بل فِي الْأَيَّام الْيَسِيرَة تغيب عَنَّا حَتَّى لَا نرَاهَا أبدا لَو مشت على طَرِيق وَاحِد وَخط وَاحِد مُسْتَقِيم أَو معوج غير مستدير لَكنا أمامها أبدا وَهَذَا بَاطِل فصح بِمَا نرَاهُ من كرورها من شَرق إِلَى عرب وَغرب إِلَى شَرق أَنَّهَا دَائِرَة ضَرُورَة وَكَذَلِكَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذْ سُئِلَ عَن قَول الله تَعَالَى ﴿وَالشَّمْس تجْرِي لمستقرٍ لَهَا﴾ فَقَالَ ﵇ مستقرها تَحت الْعَرْش وَصدق ﷺ لِأَنَّهَا أبدا تَحت الْعَرْش إِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَقد علمنَا أَن مُسْتَقر الشَّيْء هُوَ مَوْضِعه الَّذِي يلْزم فِيهِ وَلَا يخرج عَنهُ وَإِن مَشى فِيهِ من جَانب إِلَى جَانب حَدثنَا أَحْمد بن عمر بن أنس العذري ثَنَا عبد الله بن أَحْمد الْهَرَوِيّ حَدثنَا عبد الله بن أَحْمد بن حمويه السَّرخسِيّ حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن خُزَيْمٌ ثَنَا عبد بن حميد حَدثنِي سُلَيْمَان بن حَرْب الواسحي ثَنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن اياسي بن مُعَاوِيَة الْمُزنِيّ قَالَ السَّمَاء مقببة هَكَذَا على الأَرْض وَبِه إِلَى عبد بن حميد ثَنَا يحيى بن عبد الحميد عَن يَعْقُوب عَن جَعْفَر هُوَ ابْن أبي وحشية عَن سعيد بن حبير قَالَ جَاءَ رجل إِلَى ابْن عَبَّاس فَقَالَ أَرَأَيْت قَول الله ﷿ ﴿سبع سماوات وَمن الأَرْض مِثْلهنَّ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس هن ملتويات بَعضهنَّ على بعض
[ ٢ / ٨٠ ]
حَدثنَا عبد الله بن ربيع التَّمِيمِي ثَنَا مُحَمَّد بن مُعَاوِيَة الْقرشِي حَدثنَا أَبُو يحيى زَكَرِيَّا بن يحيى السَّاجِي الْبَصْرِيّ قَالَ أَنبأَنَا عبد الْأَعْلَى وَمُحَمّد بن الْمثنى وَسَلَمَة بن صبيب قَالُوا كلهم ثَنَا وهب بن جرير بن حَازِم قَالَ سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْحَاق يحدث عَن يَعْقُوب ين عتبَة وَجبير بن مُحَمَّد بن جنير بن مطعم عَن أَبِيه عَن جده قَالَ جَاءَ أَعْرَابِي إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَ يَا رَسُول الله جهدت الْأَنْفس وَضاع الْعِيَال ونهكت الْأَمْوَال وَهَلَكت الْأَنْعَام فاستسق الله لنا فَذكر الحَدِيث بِطُولِهِ وَفِيه أَنه ﷺ قَالَ للأعرابي وَيحك تَدْرِي مَا الله إِن عَرْشه على سمواته وأرضه هَكَذَا وَقَالَ بأصابعه مثل الْقبَّة وَوصف لَهُم ابْن جرير بِيَدِهِ وأمال كَفه وأصابعه الْيُمْنَى وَقَالَ هَكَذَا حَدثنَا مُحَمَّد بن سعيد بن نَبَات ثَنَا أَحْمد بن عون الله وَأحمد بن عبد الْبَصِير قَالَا جَمِيعًا أَنبأَنَا قَاسم بن اصبع ثَنَا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الخثني ثَنَا مُحَمَّد بن بشار بنْدَار ثَنَا عبد الصَّمد الْوَارِث التنوري ثَنَا شُعْبَة عَن الْأَعْمَش هُوَ سُلَيْمَان ابْن مُسلم البطين عَن سعيد بن جُبَير عَن ابْن عَبَّاس قَالَ كل فِي فلك يسبحون فلك كفلك المغزل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَذكروا أَيْضا قَول لله ﷿ عَن ذِي القرنين وجدهَا تغرب فِي عين حمئة وقريء أَيْضا حامية قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا هُوَ الْحق بِلَا شكّ وَذُو القرنين هُوَ كَانَ فِي الْعين الحمئة الحامية حمئة من حماتها حامية من استحرارها كَمَا تَقول رَأَيْتُك فِي الْبَحْر تُرِيدُ أَنَّك إِذْ رَأَيْته كنت أَنْت فِي الْبَحْر وبرهان هَذَا أَن مغرب الشَّمْس لَا يجهل مِقْدَار عَظِيم مساحته إِلَّا جَاهِل وَمِقْدَار مَا بَين أول مغْرِبهَا الشتوي إِذا كَانَت من آخر رَأس الجدي إِلَى آخر مغْرِبهَا الصيفي إِذا كَانَت من رَأس السرطان مرئيٌّ مشَاهد ومقداره ثَمَان وَأَرْبَعُونَ دَرَجَة من الْفلك وَهُوَ يوازي من الأَرْض كلهَا بالبرهان الهندسي أقل من مِقْدَار السُّدس يكون من الأميال نَحْو ثَلَاثَة آلَاف ميل ونيف وَهَذِه المساحة لَا يَقع عَلَيْهَا فِي اللُّغَة اسْم عين الْبَتَّةَ لَا سِيمَا أَن تكون عينا حمئة حامية وباللغة الْعَرَبيَّة خوطبنا فَلَمَّا تَيَقنا أَنَّهَا عين بِإِخْبَار الله ﷿ الصَّادِق الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِل من بَين يَدَيْهِ وَلَا من خَلفه علمنَا يَقِينا أَن ذَا القرنين انْتهى بِهِ السّير فِي الْجِهَة الَّتِي مَشى فِيهَا من المغارب إِلَى الْعين الْمَذْكُورَة وَانْقطع لَهُ إِمْكَان الْمَشْي بعْدهَا لاعتراض الْبحار لَهُ هُنَالك وَقد علمنَا بِالضَّرُورَةِ أَن ذَا القرنين وَغَيره من النَّاس لَيْسَ يشغل من الأَرْض إِلَّا مِقْدَار مساحة جِسْمه فَقَط قَائِما أَو قَاعِدا أَو مُضْطَجعا وَمن هَذِه صفته فَلَا يجوز لَهُ أَن يُحِيط بَصَره من الأَرْض بِمِقْدَار مَكَان المغارب كلهَا لَو كَانَ مغيبها فِي عين من الأَرْض كَمَا يظنّ أهل الْجَهْل وَلَا بُد من أَن يلقى خطّ بَصَره من حدبة الأَرْض أَو من نثر من أنشازها مَا يمْنَع الْخط من التَّمَادِي إِلَى أَن يَقُول قَائِل إِن تِلْكَ الْعين هِيَ الْبَحْر فَلَا يجوز أَن يُسمى الْبَحْر فِي اللُّغَة عينا حمئة وَلَا حامية وَقد أخبر الله ﷿ أَن الشَّمْس تسبح فِي الْفلك وَأَنَّهَا إِنَّمَا هِيَ من الْفلك سراج وَقَول الله تَعَالَى هُوَ الصدْق الَّذِي لَا يجوز أَن يخْتَلف وَلَا يتناقض فَلَو غَابَتْ فِي عين فِي الأَرْض كَمَا يظنّ
[ ٢ / ٨١ ]
أهل الْجَهْل أَو فِي الْبَحْر لكَانَتْ الشَّمْس قد زَالَت عَن السَّمَاء وَخرجت عَن الْفلك وَهَذَا هُوَ الْبَاطِل الْمُخَالف لكَلَام الله ﷿ حَقًا نَعُوذ بِاللَّه من ذَلِك فصح يَقِينا بِلَا شكّ أَن ذَا القرنين كَانَ هُوَ فِي الْعين الحمئة الحامية حِين انْتهى من آخر فِي الْبر وَفِي المغارب وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق لَا سِيمَا مَعَ مَا قَامَ الْبُرْهَان عَلَيْهِ من أَن جرم الشَّمْس أكبر من جرم الأَرْض وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وبرهان آخر قَاطع وَهُوَ قَول الله ﷿ ﴿وجدهَا تغرب فِي عين حامية﴾ وقري ﴿حمئة﴾ وَوجد عِنْدهَا قوما فصح ضَرُورَة أَنه وجد الْقَوْم عِنْد الْعين لَا عِنْد الشَّمْس وَقَالَ الله ﷿ ﴿وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقد صَحَّ الْإِجْمَاع وَالنَّص على أَن أَرْوَاح الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم فِي الْجنَّة إِلَّا فِي قَول من لَا يعد من جملَة أهل الْإِسْلَام مِمَّن يَقُول بِفنَاء الْأَرْوَاح وَأَنَّهَا أَعْرَاض وَكَذَلِكَ أَرْوَاح الشُّهَدَاء فِي الْجنَّة وَأخْبر رَسُول الله ﷺ أَنه رَآهُمْ لَيْلَة أسرِي بِهِ فِي السَّمَوَات سَمَاء سَمَاء آدم فِي سَمَاء الدُّنْيَا وَعِيسَى وَيحيى فِي الثَّانِيَة ويوسف فِي الثَّالِثَة وَإِدْرِيس فِي الرَّابِعَة وَهَارُون فِي الْخَامِسَة ومُوسَى وَإِبْرَاهِيم فِي السَّادِسَة وَالسَّابِعَة صلى الله على جَمِيعهم وَسلم فصح ضَرُورَة أَن السَّمَوَات هِيَ الجنات وَقد قَالَ ﵇ أَن أَرْوَاح الشُّهَدَاء طير أَخْضَر تعلق فِي ثمار الْجنَّة وَمن الْمحَال الْمُمْتَنع الَّذِي لَا يَظُنّهُ مُسلم أَن تكون أَرْوَاح الشُّهَدَاء طيور خضر فِي الْجنَّة وأرواح الْأَنْبِيَاء فِي غير الْجنَّة إِذْ هم أولى بِكُل فضل وَلَا مَكَان أفضل من الْجنَّة حَدثنَا أَحْمد ابْن عمر بن أنس العذري حَدثنَا أَبُو ذَر الْهَرَوِيّ أَنا أَحْمد بن عَبْدَانِ الْحَافِظ النَّيْسَابُورِي بالأهواز أَنا مُحَمَّد بن سهل الْمقري حَدثنَا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ مؤلف الصَّحِيح أَنا أَبُو عَاصِم النَّبِيل أَنا عبد الله بن أُميَّة بن عبد الله بن خَالِد بن أسيد أَنا مُحَمَّد بن جُبَير عَن صَفْوَان بن يعلى عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ قَالَ الْبَحْر من جَهَنَّم أحَاط بِهِ سرادقها حَدثنَا يُونُس بن عبد الله ابْن مغيث أَنا أَحْمد بن عبد الله بن عبد الرَّحِيم حَدثنَا أَحْمد بن خَالِد أَنا مُحَمَّد بن عبد السَّلَام الْخُشَنِي حَدثنَا مُحَمَّد ابْن بشار حَدثنَا يحيى بن سعيد الْقطَّان عَن عُثْمَان بن غياث عَن عِكْرِمَة مولى ابْن عَبَّاس عَن ابْن عَبَّاس عَن كَعْب قَالَ وَالْبَحْر الْمَسْجُور يسجر فَيكون جَهَنَّم حَدثنَا عبد الله بن ربيع التَّمِيمِي أَنا عبد الله بن مُحَمَّد بن عُثْمَان الْأَسدي أَنا أَحْمد ابْن خَالِد حَدثنَا عَليّ بن عبد الْعَزِيز أَنا الْحجَّاج بن الْمنْهَال السّلمِيّ أَنا مهْدي بن مَيْمُون عَن مُحَمَّد بن عبد الله ابْن أبي يَعْقُوب الضَّبِّيّ عَن بشر هُوَ ابْن سعاف قَالَ كُنَّا مَعَ عبد الله بن سَلام يَوْم الْجُمُعَة فِي الْمَسْجِد فَقَالَ وَإِن الْجنَّة فِي السَّمَاء وَالنَّار فِي الأَرْض وَذكر كلَاما كثيرا وَبِه إِلَى الْحجَّاج بن الْمنْهَال حَدثنَا حَمَّاد بن سَلمَة عَن دَاوُد عَن سعيد بن الْمسيب أَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ ليهودي أَيْن جَهَنَّم قَالَ فِي الْبَحْر قَالَ عَليّ بن أبي طَالب مَا أَظُنهُ إِلَّا قد صدق حَدثنَا الْمُهلب الْأَسدي حَدثنَا ابْن عَبَّاس حَدثنَا بن مسرور حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى
[ ٢ / ٨٢ ]
حَدثنَا عبد الله ابْن وهب عَن شبيب بن سعيد عَن الْمنْهَال عَن شَقِيق بن سَلمَة عَن بن مَسْعُود قَالَ الأَرْض كلهَا يَوْمئِذٍ نَار وَالْجنَّة من وَرَائِهَا وأولياء الله فِي ظلّ عرش الله تَعَالَى
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَالَ الله تَعَالَى ﴿لَا الشَّمْس يَنْبَغِي لَهَا أَن تدْرك الْقَمَر وَلَا اللَّيْل سَابق النَّهَار﴾ فَبين الله تَعَالَى أَن الشَّمْس أَبْطَأَ من الْقَمَر وَهَكَذَا قَامَ الْبُرْهَان بالرصد أَن الشَّمْس تقطع السَّمَاء فِي سنة وَالْقَمَر يقطعهَا فِي ثَمَانِيَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ نَص تَعَالَى على أَن اللَّيْل لَا يسْبق النَّهَار فَبين تَعَالَى بِهَذَا الحكم الْحَرَكَة الثَّانِيَة الَّتِي للفلك الْكُلِّي وَهِي الَّتِي تتمّ فِي كل يَوْم وَلَيْلَة دورة وتتساوى فِيهَا جَمِيع الدراري وَالشَّمْس وَالْقَمَر والنجوم وَقَالَ تَعَالَى ﴿فَضرب بَينهم بسور لَهُ بَاب بَاطِنه فِيهِ الرَّحْمَة وَظَاهره من قبله الْعَذَاب﴾ وَأخْبر تَعَالَى أَن أَرْوَاح الْكَافرين ﴿لَا تفتح لَهُم أَبْوَاب السَّمَاء وَلَا يدْخلُونَ الْجنَّة﴾ فصح أَن من فتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء دخل الْجنَّة وَأخْبر رَسُول الله ﷺ أَن شدَّة الْحر من فيح جَهَنَّم وَأَن لَهَا نفسين نفسا فِي الشتَاء ونفسًا فِي الصَّيف وَإِن ذَلِك أَشد مَا نجد من الْحر وَالْبرد وَإِن نارنا هَذِه أبرد من نَار جَهَنَّم بتسع وَسِتِّينَ دَرَجَة وَهَكَذَا نشاهد من فعل الصَّوَاعِق فَإِنَّهَا تبلغ من الإحراق والأذى فِي مِقْدَار اللمحة مَا لَا تبلغه نارنا فِي المدد الطوَال وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِن آخر أهل الْجنَّة دُخُولا فِيهَا بعد خُرُوجه من النَّار يعْطى مثل الدُّنْيَا عشر مَرَّات روينَاهُ من طَرِيق أبي سعيد الْخُدْرِيّ مُسْندًا وَصَحَّ أَيْضا مُسْندًا عَن رَسُول الله ﷺ أَن الدُّنْيَا فِي الْآخِرَة كاصبع فِي اليم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي نِسْبَة الْمسَافَة لَا فِي نِسْبَة الْمدَّة لِأَن مُدَّة الْآخِرَة لَا نِهَايَة لَهَا وَمَا لَا نِهَايَة لَهُ فَلَا ينْسب مِنْهُ شَيْء الْبَتَّةَ بِوَجْه من الْأَوْجه وَلَا هُوَ أَيْضا نِسْبَة من السرُور واللذة وَلَا من الْحزن وَالْبَلَاء فَإِن سرُور الدُّنْيَا مشوب بألم ومتناه منقض وسرور الْآخِرَة وحزنها خالصان غير متناهيين وَهَكَذَا قَامَ الْبُرْهَان من قبل رويتنا لنصب السَّمَاء أبدا على أَنه لَا نِسْبَة للْأَرْض عِنْد السَّمَاء وَلَا قدر وَقَالَ ﷿ ﴿وجنة عرضهَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجنة عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وجني الجنتين دَان﴾ وَذكر رَسُول الله ﷺ أَن للجنة ثمانة أَبْوَاب وَقَالَ ﵇ فاسألوا الله الفردوس الْأَعْلَى فَإِنَّهُ وسط الْجنَّة وَأَعْلَى الْجنَّة وَفَوق ذَلِك عرش الرَّحْمَن فصح يَقِينا أَنَّهُمَا جنتان أَحدهمَا كعرض السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْأُخْرَى عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض وَقَوله تَعَالَى ﴿وَلمن خَافَ مقَام ربه جنتان﴾ إِنَّمَا هُوَ خبر عَن الْجَمِيع أَن لَهُم هَاتين الجنتين فالتي عرضهَا السَّمَوَات وَالْأَرْض هِيَ السَّمَوَات السَّبع لِأَن عرض الشَّيْء مِنْهُ بِلَا شكّ وكل جرم كرْسِي فَإِن جَمِيع إبعاده عرُوض فَقَط وَذكرت الأَرْض هُنَا لدخولها
[ ٢ / ٨٣ ]
فِي جملَة مساحة السَّمَوَات ولإحاطة السَّمَوَات بهَا وَالَّتِي عرضهَا كعرض السَّمَاء وَالْأَرْض هِيَ الْكُرْسِيّ الْمُحِيط بالسموات وَالْأَرْض قَالَ الله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ فصح ان عرضه كعرض السَّمَوَات وَالْأَرْض مُضَافا بعض ذَلِك إِلَى بعض فصح أَن لَهَا ثَمَانِيَة أَبْوَاب فِي كل سَمَاء بَاب وَفِي الْكُرْسِيّ بَاب وَصَحَّ أَن الْعَرْش فَوق أعلا الْجنَّة وَهُوَ مَحل الْمَلَائِكَة وموضعها لَيْسَ من الْجنَّة فِي شَيْء بل هُوَ فَوْقهَا وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى ﴿الَّذين يحملون الْعَرْش وَمن حوله﴾ بَيَان جلي على أَن الْعَرْش جرما آخر فِيهِ الْمَلَائِكَة وَقد ذكر أَن الْبُرْهَان يقوم بذلك من أحكم النّظر فِي الْهَيْئَة وَهَذِه نُصُوص ظَاهِرَة جلية دون تكلّف تَأْوِيل
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَقَوله تَعَالَى كعرض السَّمَاء ذكر لجنس السَّمَوَات لِأَن السَّمَوَات اسْم للْجِنْس يدل عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وسع كرسيه السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَمثل هَذَا كثير مِمَّا إِذا تدبره المتدبر دلّ على صِحَة مَا قُلْنَاهُ من أَن كل مَا ثَبت ببرهان فَهُوَ مَنْصُوص فِي الْقُرْآن وَكَلَام النَّبِي ﷺ