فباست بني سعد واسناه طيٌ وباست بني دودان حاشي بَين النَّضر
قَالَ أَبُو مُحَمَّد لَكِن وَالله باستاه بني نضر وباست الحطيئة حلت الدائرة وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَطَائِفَة ثَالِثَة أعلنت بالْكفْر وَالرِّدَّة كأصحاب طليحة وسجاح وَسَائِر من ارْتَدَّ وهم قَلِيل بِالْإِضَافَة إِلَى من ذكرنَا إِلَّا أَن فِي كل قَبيلَة من الْمُؤمنِينَ من يُقَاوم الْمُرْتَدين فقد كَانَ بِالْيَمَامَةِ تمامة بن أَثَال الحتفي فِي طوايف من الْمُسلمين محاربين لمُسَيْلمَة وَفِي قوم الْأسود
[ ٢ / ٦٦ ]
أَيْضا كَذَلِك وَفِي بني تَمِيم وَبني أَسد الْجُمْهُور من الْمُسلمين وَطَائِفَة رَابِعَة توقفت فَلم تدخل فِي أحد من الطوائف الْمَذْكُورَة وبقوا يتربصون لمن تكون الْغَلَبَة كمالك بن نُوَيْرَة وَغَيره فَأخْرج إِلَيْهِم أَبُو بكر الْبعُوث فَقتل مُسَيْلمَة وَقد كَانَ فَيْرُوز وذاذوية الفارسيان الفاضلان ﵄ قتلا الْأسود الْعَنسِي فَلم يمض عَام وَاحِد حَتَّى رَاجع الْجَمِيع الْإِسْلَام أَوَّلهمْ عَن آخِرهم وَأسْلمت سجَاح وطليحة وَغَيرهم وَإِنَّمَا كَانَت نزغة من الشَّيْطَان كنار اشتعلت فأطفأها الله للْوَقْت ثمَّ مَاتَ أَبُو بكر وَولي عمر ففتحت بِلَاد الْفرس طولا وعرضًا وَفتحت الشَّام كلهَا والجزيرة ومصر كلهَا وَلم يبْق إِلَّا وبنيت فِيهِ الْمَسَاجِد وَنسخت فِيهِ الْمَصَاحِف وَقَرَأَ الْأَئِمَّة الْقُرْآن وَعلمه الصّبيان فِي الْمكَاتب شرفا وغربًا وَبَقِي كَذَلِك عشرَة أَعْوَام وأشهرًا والمؤمنون كلهم لَا اخْتِلَاف بَينهم فِي شَيْء بل مِلَّة وَاحِدَة ومقالة وَاحِدَة وَإِن لم يكن عِنْد الْمُسلمين إِذْ مَاتَ عمر مائَة ألف مصحف من مصر إِلَى الْعرَاق إِلَى الشَّام إِلَى الْيمن فَمَا بَين ذَلِك فَلم يكن أقل ثمَّ ولي عُثْمَان فزادت الْفتُوح واتسع الْأَمر فَلَو رام أحد إحصاء مصاحف أهل الْإِسْلَام مَا قدر وَبَقِي كَذَلِك اثْنَي عشر عَاما حَتَّى مَاتَ وبموته حصل الِاخْتِلَاف وَابْتِدَاء أَمر الروافض وَاعْلَمُوا أَنه لَو رام الْيَوْم أحد أَن يزِيد فِي شعر النَّابِغَة أَو شعر زُهَيْر كلمة أَو ينقص أُخْرَى مَا قدر لِأَنَّهُ كَانَ يفتضح الْوَقْت وتخالفه النّسخ المثبوتة فَكيف الْقُرْآن فِي الْمَصَاحِف وَهِي من آخر الأندلس وبلاد البربر وبلاد السودَان إِلَى آخر السَّنَد وكابل وخراسان وَالتّرْك والصقالبة وبلاد الْهِنْد فَمَا بَين ذَلِك فَظهر حمق الرافضة ومجاهرتها بِالْكَذِبِ وَمِمَّا يبين كذب الروافض فِي ذَلِك أَن عَليّ بن أبي طَالب الَّذِي هُوَ عِنْد أَكْثَرهم إِلَه خَالق وَعند بَعضهم نَبِي نَاطِق وَعند سَائِرهمْ إِمَام مَعْصُوم مَفْرُوضَة طَاعَته ولي الْأَمر وَملك فَبَقيَ خَمْسَة أَعْوَام وَتِسْعَة أشهر خَليفَة مُطَاعًا ظَاهر الْأَمر سَاكِنا بِالْكُوفَةِ مَالِكًا للدنيا حاشى الشَّام ومصر إِلَى الْفُرَات وَالْقُرْآن يقْرَأ فِي الْمَسَاجِد فِي كل مَكَان وَهُوَ يؤم النَّاس بِهِ والمصاحف مَعَه وَبَين يَدَيْهِ فَلَو رأى فِيهِ تبديلًا كَمَا تَقول الرافضة وَكَانَ يقرهم على ذَلِك ثمَّ إِلَى ابْنه الْحسن هُوَ عِنْدهم كأبيه فَجرى على ذَلِك فَكيف يسوغ لهَؤُلَاء النوكي أَن يَقُولُوا أَن فِي الْمُصحف حرفا زَائِدا أَو نَاقِصا أَو مبدلًا مَعَ هَذَا وَلَقَد كَانَ جِهَاد من حرف الْقُرْآن وَبدل الْإِسْلَام أوكد عَلَيْهِ من قتال أهل الشَّام الَّذين إِنَّمَا خالفوه فِي رَأْي يسير رَأَوْهُ ورأي خلَافَة فَقَط فلاح كذب الرافضة ببرهان لَا محيد عَنهُ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنحن إِن شَاءَ الله تَعَالَى نذْكر صفة وُجُوه النَّقْل الَّذِي عِنْد الْمُسلمين لكتابهم وَدينهمْ لما نقلوه عَن أئمتهم حَتَّى يقف عَلَيْهِ الْمُؤمن وَالْكَافِر والعالم وَالْجَاهِل عيَانًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى فيعرفون أَيْن نقل سَائِر الْأَدْيَان من نقلهم فَنَقُول وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق إِن نقل الْمُسلمين لكل مَا ذكرنَا يَنْقَسِم أقسامًا سِتَّة أَولهَا شَيْء يَنْقُلهُ أهل الْمشرق وَالْمغْرب عَن أمثالهم جيلًا جيلًا لَا يخْتَلف فِيهِ مُؤمن وَلَا كَافِر منصف غير معاند للمشاهد وَهُوَ الْقُرْآن الْمَكْتُوب فِي الْمَصَاحِف فِي شَرق الأَرْض وغربها لَا يَشكونَ وَلَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَن مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب أُتِي بِهِ وَأخْبر أَن الله
[ ٢ / ٦٧ ]
﷿ أوحى بِهِ إِلَيْهِ وَأَن من اتبعهُ أَخذه عَنهُ كَذَلِك ثمَّ أَخذ عَن أُولَئِكَ حَتَّى بلغ إِلَيْنَا وَمن ذَلِك الصَّلَوَات الْخمس فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف مُؤمن وَلَا كَافِر وَلَا يشك أحد أَنه صلاهَا بِأَصْحَابِهِ كل يَوْم وَلَيْلَة فِي أَوْقَاتهَا الْمَعْهُودَة وصلاها كَذَلِك كل من اتبعهُ على دينه حَيْثُ كَانُوا كل يَوْم هَكَذَا إِلَى الْيَوْم لَا يشك أحد فِي أَن أهل السَّنَد يصلونها كَمَا يُصليهَا أهل الأندلس وَأَن أهل الأرمنية يصلونها كَمَا يُصليهَا أهل الْيمن وكصيام شهر رَمَضَان فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف كَافِر وَلَا مُؤمن وَلَا يشك أحد فِي أَنه صَامَهُ رَسُول الله ﷺ وصامه مَعَه كل من اتبعهُ فِي كل بلد كل عَام ثمَّ كَذَلِك جيلًا جيلًا إِلَى يَوْمنَا هَذَا وكالحج فَإِنَّهُ لَا يخْتَلف مُؤمن وَلَا كَافِر وَلَا يشك أحد فِي أَنه ﵇ حج مَعَ أَصْحَابه وَأقَام الْمَنَاسِك ثمَّ حج الْمُسلمُونَ من كل أفق من إِلَّا فاق كل عَام فِي شهر وَاحِد مَعْرُوف إِلَى الْيَوْم وكجملة الزَّكَاة وكسائر الشَّرَائِع الَّتِي فِي الْقُرْآن من تَحْرِيم القرائب وَالْميتَة وَالْخِنْزِير وَسَائِر شرائع الْإِسْلَام وكآياته من شقّ الْقَمَر وَدُعَاء الْيَهُود الَّتِي تمنى الْمَوْت وَسَائِر مَا هُوَ فِي نَص الْقُرْآن مقروء ومنقول وَلَيْسَ عَن الْيَهُود وَلَا عِنْد النَّصَارَى فِي هَذَا النَّقْل شَيْء أصلا لِأَن نقلهم لشريعة السبت وَسَائِر شرائعهم إِنَّمَا يرجعُونَ فِيهَا إِلَى التَّوْرَاة وَيقطع نقل ذَلِك وَنقل التَّوْرَاة إطباقهم على أَن أوائلهم كفرُوا بأجمعهم وبرؤا من دين مُوسَى وعبدوا الْأَوْثَان عَلَانيَة دهورًا طوَالًا وَمن الْمحَال أَن يكون ملك كَافِر عَابِد أوثان هُوَ وَأمته كلهَا مَعَه كَذَلِك يقتلُون الْأَنْبِيَاء ويخنقونهم وَيقْتلُونَ من دعى إِلَى الله تَعَالَى يشتغلون بِسَبَب أَو بشريعة مُضَافَة إِلَى الله سُبْحَانَهُ تَعَالَى عَن هَذَا الْكَذِب الَّذِي لَا شكّ فِيهِ وَيقطع بالنصارى عَن مثل هَذَا عدم نقلهم إِلَّا عَن خَمْسَة رجال فَقَط وَقد وضح الْكَذِب عَلَيْهِم إِلَى مَا أوضحنا من الْكَذِب الَّذِي فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل القَاضِي بتبديلهما بِلَا شكّ وَالثَّانِي شء نقلته الكافة عَن مثلهَا حَتَّى يبلغ الْأَمر كَذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ ككثير من آيَاته ومعجزاته الَّتِي ظَهرت يَوْم الخَنْدَق وَفِي تَبُوك بِحَضْرَة الْجَيْش وككثير من مَنَاسِك الْحَج وكزكاة التَّمْر وَالْبر وَالشعِير وَالْوَرق وَالْإِبِل وَالذَّهَب وَالْبَقر وَالْغنم ومعاملته أهل خَيْبَر وَغير ذَلِك مِمَّا يخفى على الْعَامَّة وَإِنَّمَا يعرفهُ كواف أهل الْعلم فَقَط وَلَيْسَ عِنْد الْيَهُود وَالنَّصَارَى من هَذَا لنقل شَيْء أصلا لِأَنَّهُ يقطع بهم دونه وَمَا قطع بهم دون النَّقْل الَّذِي ذكرنَا قبل من أطباقهم على الْكفْر الدهور الطوَال وَعدم إِيصَال الكافة إِلَى عِيسَى ﵇ وَالثَّالِث مَا نَقله الثِّقَة عَن الثِّقَة كَذَلِك حَتَّى يبلغ إِلَى النَّبِي ﷺ يخبر كل وَاحِد مِنْهُم باسم الَّذِي أخبرهُ وَنسبه وَكلهمْ مَعْرُوف الْحَال وَالْعين وَالْعَدَالَة وَالزَّمَان وَالْمَكَان على أَن أَكثر مَا جَاءَ هَذَا الْمَجِيء فَإِنَّهُ مَنْقُول نقل الكواف إِمَّا إِلَى رَسُول الله ﷺ من طرق جمَاعَة من الصَّحَابَة ﵃ وَإِمَّا إِلَى الصاحب وَإِمَّا إِلَى التَّابِع وَإِمَّا إِلَى أَمَام أَخذ عَن التَّابِع يعرف ذَلِك من كَانَ من أهل الْمعرفَة بِهَذَا الشَّأْن وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَهَذَا نقل خص الله تَعَالَى بِهِ المسملين دون سَائِر أهل الْملَل كلهَا وبناه عِنْدهم غضًا جَدِيدا على
[ ٢ / ٦٨ ]
قديم الدهور مد أَرْبَعمِائَة عَام وَخمسين عَاما فِي الْمشرق وَالْمغْرب والجنوب وَالشمَال يرحل فِي طلبه من لَا يُحْصى عَددهمْ إِلَّا خالقهم إِلَى الْآفَاق الْبَعِيدَة ويواظب على تَقْيِيده من كَانَ النَّاقِد قَرِيبا مِنْهُ قد تولى الله تَعَالَى حفظه عَلَيْهِم وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين فَلَا تفوتهم ذلة فِي كلمة فَمَا فَوْقهَا فِي شيءٍ من النَّقْل إِن وَقعت لأَحَدهم وَلَا يُمكن فَاسق أَن يقحم فِيهِ كلمة مَوْضُوعَة وَللَّه تَعَالَى الشُّكْر وَهَذِه الْأَقْسَام الثَّلَاثَة الَّتِي نَأْخُذ ديننَا مِنْهَا وَلَا نتعداها إِلَى غَيرهَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين وَالرَّابِع شَيْء نَقله أهل الْمشرق وَالْمغْرب أَو الكافة أَو الْوَاحِد الثِّقَة عَن أمثالهم إِلَى أَن يبلغ من لَيْسَ بَينه وَبَين النَّبِي ﷺ إِلَّا وَاحِد فَأكْثر فَسكت ذَلِك المبلوغ إِلَيْهِ عَمَّن أخبرهُ بِتِلْكَ الشَّرِيعَة عَن النَّبِي ﷺ فَلم يعرف من هُوَ فَهَذَا نوع يَأْخُذ بِهِ كثير من الْمُسلمين ولسنا نَأْخُذ بِهِ الْبَتَّةَ وَلَا نضيفه إِلَى النَّبِي ﷺ إِذْ لم نَعْرِف من حدث بِهِ عَن النَّبِي ﷺ وَقد يكون غير ثِقَة وَيعلم مِنْهُ غير الَّذِي رُوِيَ عَنهُ مَا لم يعرف مِنْهُ الَّذِي رُوِيَ عَنهُ وَمن هَذَا النَّوْع كثير من نقل الْيَهُود بل هُوَ أَعلَى مَا عِنْدهم إِلَّا أَنهم لَا يقربون فِيهِ من مُوسَى كقربنا فِيهِ من مُحَمَّد ﷺ بل يقفون وَلَا بُد حَيْثُ بَينهم وَبَين مُوسَى ﵇ أَزِيد من ثَلَاثِينَ عصرًا فِي أَزِيد من ألف وَخَمْسمِائة عَام وَإِنَّمَا يبلغون بِالنَّقْلِ إِلَى هِلَال وشماني ومرعقيما وأمثالهم وأظن أَن لَهُم مَسْأَلَة وَاحِدَة فَقَط يروونها عَن حبر من أَحْبَارهم عَن نَبِي من متأخري أَنْبِيَائهمْ أَخذهَا عَنهُ مشافهة فِي نِكَاح الرجل ابْنَته إِذا مَاتَ عَنْهَا أَخُوهُ وَأما النَّصَارَى فَلَيْسَ عِنْدهم من صفة هَذَا النَّقْل إِلَّا تَحْرِيم الطَّلَاق وَحده فَقَط على أَن مخرجه من كَذَّاب قد صَحَّ كذبه وَالْخَامِس شَيْء نقل كَمَا ذكرنَا إِمَّا بِنَقْل أهل الْمشرق وَالْمغْرب أَو كَافَّة عَن كَافَّة أَو ثِقَة عَن ثِقَة حَتَّى يبلغ إِلَى النَّبِي ﷺ إِلَّا أَن فِي الطَّرِيق رجلا مجروحًا بكذب أَو غَفلَة أَو مَجْهُول الْحَال فَهَذَا أَيْضا يَقُول بِهِ بعض الْمُسلمين وَلَا يحل عندنَا القَوْل بِهِ وَلَا تَصْدِيقه وَلَا الْأَخْذ بِشَيْء مِنْهُ وَهَذِه صفة نقل الْيَهُود وَالنَّصَارَى فِيمَا أضافوه إِلَى أَنْبِيَائهمْ لِأَنَّهُ يقطع بِأَنَّهُم كفار بِلَا شكّ وَلَا مرية وَالسَّادِس نقلٌ نقل بِأحد الْوُجُوه الَّتِي قدمنَا إِمَّا بِنَقْل من بَين الْمشرق وَالْمغْرب أَو بالكافة أَو بالثقة عَن الثِّقَة حَتَّى يبلغ ذَلِك إِلَى صَاحب أَو تَابع أَو إِمَام دونهمَا أَنه قَالَ كَذَا أَو حكم بِكَذَا غير مُضَاف ذَلِك إِلَى رَسُول الله ﷺ كَفعل أبي بكر فِي سبي أهل الرِّدَّة وكصلاة الْجُمُعَة صدر النَّهَار وكضرب عمر الْخراج وإضعافه الْقيمَة على رَقِيق حَاطِب وَغير ذَلِك كثير جدا فَمن الْمُسلمين من يَأْخُذ بِهَذَا وَمِنْهُم من لَا يَأْخُذ بِهِ وَنحن لَا نَأْخُذ بِهِ أصلا لِأَنَّهُ لَا حجَّة فِي فعل أحد دون من أمرنَا الله تَعَالَى باتباعه وأرسله إِلَيْنَا بِبَيَان دينه وَلَا يَخْلُو فَاضل من وهم وَلَا حجَّة فِيمَن يهم وَلَا يَأْتِي الْوَحْي بِبَيَان وهمه وَهَذَا الصِّنْف من النَّقْل هُوَ صفة جَمِيع نقل الْيَهُود لشرائعهم الَّتِي هم عَلَيْهَا الْآن مِمَّا لَيْسَ فِي التَّوْرَاة وَهُوَ صفة جَمِيع نقل النَّصَارَى حاشى تَحْرِيم الطَّلَاق إِلَّا أَن الْيَهُود لَا يُمكنهُم أَن يبلغُوا فِي ذَلِك إِلَى صَاحب نَبِي أصلا وَلَا إِلَى تَابع لَهُ وَأَعْلَى من يقف عِنْده النَّصَارَى
[ ٢ / ٦٩ ]
شَمْعُون ثمَّ بولس ثمَّ أساقفهم عصرًا عصرًا هَذَا أَمر لَا يقدر أحد مِنْهُم على إِنْكَاره وَلَا إِنْكَار شَيْء مِنْهُ إِلَّا أَن يَدعِي أحد مِنْهُم كذبا عِنْد من يطْمع فِي تجويزه عَلَيْهِ مِمَّن يظنّ بِهِ جهلا بِمَا عِنْده فَقَط وَأما إِذا قررهم على ذَلِك من يَدْرُونَ أَنه يعرف كتبهمْ فَلَا سَبِيل لَهُم إِلَى إِنْكَاره اصلًا
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَنقل الْقُرْآن وَمَا فِيهِ من إِعْلَام النَّبِي ﷺ كالإنذار بالغيوب وشق الْقَمَر وَدُعَاء الْيَهُود إِلَى تمني الْمَوْت وَالنَّصَارَى إِلَى المباهلة وَجَمِيع الْعَرَب إِلَى الْمَجِيء بِمثل الْقُرْآن وبتوبيخهم بِالْعَجزِ عَنهُ وبتوبيخ الْيَهُود بِأَنَّهُم لَا يتمنون الْمَوْت وقصة الطير الأبابيل ورميها أَصْحَاب الْفِيل بحجارة من سجيل وَكثير من الشَّرَائِع وَكثير من السّنَن فَإِنَّهُ نقل كل ذَلِك الْيَمَانِيّ والمضري والربيعي والقضاعي وَكلهمْ أَعدَاء متباينون متحاربون يقتل بَعضهم بَعْضًا لَيْسَ هُنَاكَ شيءٌ يَدعُوهُم إِلَى الْمُسَامحَة فِي نقلهم لَهُ ثمَّ نَقله عَن هَؤُلَاءِ من بَين الْمشرق وَالْمغْرب وَكَانَت الْعَرَب بِلَا خلاف قوما لقاحًا لَا يملكهم أحد كمضر وَرَبِيعَة وإياد وقضاعة أَو ملوكًا فِي بِلَادهمْ يتوارثون الْملك كَابِرًا عَن كَابر كملوك الْيمن وعمان وَشهر بن بارام ملك صفا وَالْمُنْذر بن سَاوَى ملك الْبَحْرين وَالنَّجَاشِي ملك الْحَبَشَة وجعفر وعياذا بني الجلندي ملكي عمان فانقادوا كلهم لظُهُور الْحق وبهوره وآمنوا بِهِ ﷺ طَوْعًا وهم آلَاف آلَاف وصاروا إخْوَة كبني أَب وَأم وانحل كل من أمكنه الانحلال عَن ملكه مِنْهُم إِلَى رسله طَوْعًا بِلَا خوف غَزْو وَلَا إِعْطَاء مَال وَلَا يطْمع فِي عز بل كلهم أقوى جَيْشًا من جَيْشه وَأكْثر مَالا وسلاحا مِنْهُ وأوسع بَلَدا من بَلَده كذي الكلاع وَكَانَ ملكا متوجًا ابْن مُلُوك متوجين تسْجد لَهُ جَمِيع رَعيته يركب أَمَامه ألف عبد من عبيده سوى بني عَمه من حمير وَذي طليم وَذي زود وَذي مران وَذي عَمْرو وَغَيرهم كلهم مُلُوك متوجون فِي بِلَادهمْ هَذَا كُله أَمر لَا يجهله أحد من حَملَة الْأَخْبَار بل هُوَ مَنْقُول كنقل كَون بِلَادهمْ فِي موَاضعهَا وَهَكَذَا كَانَ إِسْلَام جَمِيع الْعَرَب أَوَّلهمْ كالأوس والخزرج ثمَّ سَائِرهمْ قَبيلَة قَبيلَة لما ثَبت عِنْدهم من آيَاته وبهرهم من معجزاته وَمَا اتبعهُ الْأَوْس والخزرج إِلَّا وَهُوَ فريد طريد قد نابذه قومه حسدا لَهُ إِذا كَانَ فَقِيرا لَا مَال لَهُ يَتِيما لَا أَب وَلَا أَخ وَلَا ابْن أَخ وَلَا ولد أُمِّيا لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب نَشأ فِي بِلَاد الْجَهْل يرْعَى غنم قومه بِأُجْرَة يتقوت بهَا فَعلمه الله تَعَالَى الْحِكْمَة دون معلم وَعَصَمَهُ من كل من أَرَادَهُ بِلَا حرس وَلَا حَاجِب وَلَا بواب وَلَا قصر يمْتَنع فِيهِ على كَثْرَة من أَرَادَ قَتله من شجعان الْعَرَب وفتاكهم كعامر بن الطُّفَيْل واربد بن جزءٍ وغورث بن الْحَارِث وَغَيرهم مَعَ إِقْرَار أعدائه بنبوته كمسيلمة وسجاح وطليحة وَالْأسود وَهُوَ مكذب لَهُم فَهَل بعد هَذَا برهَان أَو بعد هَذِه الْكِفَايَة من الله تَعَالَى كِفَايَة وَهُوَ لَا يَبْغِي دينا وَلَا يمني بهَا من اتبعهُ بل أنذر الْأَنْصَار بالأثرة عَلَيْهِم بعده وتابعوه على الصَّبْر على ذَلِك قَامَ لَهُ أَصْحَابه على قدم فَمَنعهُمْ وَأنكر ذَلِك عَلَيْهِم وأعلمهم أَن الْقيام لله تَعَالَى لَا لخلقه وَرَضوا بِالسُّجُود لَهُ فاستعظم ذَلِك وَأنْكرهُ إِلَّا لله وَحده وَلَا شكّ فِي أَن هَذِه لَيست صفة طَالب دنيا قطّ أصلا وَلَا صفة رَاغِب فِي غَلَبَة وَلَا بعد صَوت بل هَذِه حَقِيقَة النُّبُوَّة الْخَالِصَة لمن
[ ٢ / ٧٠ ]
كَانَ لَهُ أدنى فهم فَهَذَا هُوَ الْحق لَا مَا تدعيه النَّصَارَى من الْكَذِب البحت فِي أَن الْمُلُوك دخلُوا دينهم طَوْعًا وَقد كذبُوا فِي ذَلِك لِأَن أول ملك تنصر قسطنطين باني الْقُسْطَنْطِينِيَّة بعد نَحْو ثَلَاثمِائَة عَام من رفع الْمَسِيح ﵇ فَأَي معْجزَة صحت عِنْده بعد هَذِه الْمدَّة وَإِنَّمَا نصرته أمه لِأَنَّهَا كَانَت نَصْرَانِيَّة بنت نَصْرَانِيّ تعشقها أَبوهُ فَتَزَوجهَا هَذَا أَمر لَا تناكر بَين النَّصَارَى فِيهِ والنشأة لَا خَفَاء بِمَا تؤثره فِي الْإِنْسَان وَأما من اتبع النَّبِي ﷺ فَإِنَّهُم اتَّبعُوهُ إِذْ بَلغهُمْ خَبره فِي حَيَاته ﵇ للآيات الَّتِي كَانَت لَهُ بِحَضْرَة جَمِيع أَصْحَابه كإعجاز الْقُرْآن وانشقاق الْقَمَر وَدُعَاء الْيَهُود إِلَى تمني الْمَوْت وإخبارهم بعجزهم عَن ذَلِك وَأَنَّهُمْ لَا يتمنونه أصلا والإنذار بالغيوب ونبعان عين تَبُوك فَهِيَ كَذَلِك إِلَى الْيَوْم ونبعان المَاء من بَين أَصَابِعه بِحَضْرَة الْعَسْكَر وإطعامه النَّفر الْكثير من طَعَام يسير مرَارًا جمة بِحَضْرَة الجموع وإخباره يَأْكُل الأرضة كل مَا فِي الصَّحِيفَة الْمَكْتُوبَة على بني هَاشم وَبني عبد الْمطلب حاشى أَسمَاء الله تَعَالَى فَقَط وأنظاره بمصارع أهل بدر بِحَضْرَة الْجَيْش موضعا موضعا ولنور الْوَاقِع فِي سَوط الطُّفَيْل بن عَمْرو الدوسي وحنين الْجذع بِحَضْرَة جَمِيعهم وَدفع أَرْبَد عَنهُ قَضَاء غُرَمَاء جَابر من تمر يسير مَشى بجنبه وتزويد عمر وَأَرْبَعمِائَة رَاكب من تمر يسير بَقِي بجنبه ورميه هُوَ إِذن بِتُرَاب عَم عيونهم وَخُرُوجه بِحَضْرَة مائَة من قُرَيْش وهم لَا يرونه وَدخُول الْغَار وهم عَلَيْهِ لَا يرونه وَفتح الْبَاب فِي حجر صلد فِي جنب الْغَار لم يكن فِيهِ قطّ وَلَو كَانَ هُنَالك يَوْمئِذٍ لما أمكنه الاختفاء فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَين الْبَابَيْنِ إِلَّا أقل من ثَمَانِيَة أَذْرع وَهُوَ ظَاهر إِلَى الْيَوْم كل عَام وكل حِين يزوره أهل الأَرْض من الْمُسلمين وَلَو رام الْبَاب الثَّانِي فِي ذَلِك الْحجر أهل الأَرْض مَا قدرُوا على إزاحته سالما عَن مَكَانَهُ وَلَو كَانَ ذَلِك الْبَاب هُنَالك يَوْمئِذٍ لرآه الطالبون لَهُ بِلَا مؤونة لأَنهم لم يَكُونُوا إِلَّا جموع قُرَيْش لَعَلَّهُم ميثون كَثِيرَة وآثار رَأسه الْمُقَدّس فِي ذَلِك الْحجر وآثار كَتفيهِ ومعصمه وَظَاهر يَده بَاقٍ إِلَى الْيَوْم فعل الله تَعَالَى مَنْقُول نقل الكواف جيلًا عَن جيل وَرمي الْجمار الَّذِي ترميه مَا لَا يُحْصِيه إِلَّا الله تَعَالَى كل عَام ثمَّ لَا يزِيد حجمه فِي ذَلِك الْموضع وَرمى الله تَعَالَى جَيش أَبْرَهَة صَاحب الْفِيل إِذْ غزا مَكَّة عَام مولده ﷺ بِالْحِجَارَةِ الْمُنكرَة بأيدي طير مُنكرَة وَنزلت فِي ذَلِك سُورَة من الْقُرْآن متلوة إِلَى الْيَوْم وَكَانَ ذَلِك ببركته ﵇ وإنذاراته وشكوى الْبَعِير إِلَيْهِ وإبراء عَيْني عَليّ من الرمد بِحَضْرَة الْجَمَاعَات فِي سَاعَة وسوخ قَوَائِم فرس سراقَة إِذْ تبعه ودور الشَّاة الَّتِي لَا لبن لَهَا مرَارًا وتسبيح الطَّعَام وَكَلَام الذِّئْب ومجيئه وَقَوله للْحكم إِذْ حُكيَ مشيته كن كَذَلِك فَلم يزل يرتعش إِلَى أَن مَاتَ وعائه للمطر قاتي للْوَقْت وَفِي الصحو فانجلى للْوَقْت وَظُهُور جِبْرِيل ﵇ مرَّتَيْنِ مرّة فِي صُورَة دحْيَة ثمَّ أَتَى دحْيَة بِحَضْرَة النَّاس وَأُخْرَى فِي صُورَة رجل لم يعرفهُ أحد وَلَا رُؤِيَ بعْدهَا وَقَوله إِذْ خطب بنت ابْن عَوْف بن الْحَارِث ابْن عَوْف بن أبي حارسة الْمُزنِيّ فَقَالَ لَهُ أَبوهَا أَن بهَا بَيَاضًا فَقَالَ لتكن كَذَلِك فبرصت فِي الْوَقْت وَهِي أم شبيب بن البرصاء الشَّاعِر الْمَشْهُور غير هَذَا كثير جدا مَعَ مَا ذكرنَا من أَن أول من تنصر
[ ٢ / ٧١ ]
من الْمُلُوك قسطنطين بعد نَحْو ثَلَاثمِائَة سنة من رفع الْمَسِيح فو الله مَا قدر على إِظْهَار النصراينة حَتَّى رَحل عَن رُومِية مسيرَة شهر وَبني برنطية وَهِي قسطنطينية ثمَّ أجبر النَّاس على النصراينة بِالسَّيْفِ وَالعطَاء وَكَانَ من عهوده المحفوظة أَن لَا يولي ولَايَة إِلَّا من تنصر من النَّاس سراع إِلَى الدُّنْيَا نافرون عَن الْأَدْنَى وَكَانَ مَعَ هَذَا كُله على مَذْهَب أريوس لَا على التَّثْلِيث وَلَكِن هَذَا من دَعْوَى النَّصَارَى وكذبهم مُضَاف إِلَى مَا يَدعُونَهُ من أَنهم بعد هَذِه الْمدَّة الطَّوِيلَة وَبعد خراب بَيت الْمُقَدّس مرّة بعد أُخْرَى وبقائه خرابًا لَا سَاكن فِيهِ نَحْو مِائَتي عَام وَسبعين عَاما وجدوا الشوك وضع الَّذِي على رَأس الْمَسِيح بزعمهم والمسامير الَّتِي ضربت فِي يَدَيْهِ وَالدَّم الَّذِي طَار من جنبه والخشبة الَّتِي صلب عَلَيْهَا فَلَا أَدْرِي مِمَّن الْعجب أممن اخترع مثل هَذِه الكذبة الغثة المفضوحة أم مِمَّن قبلهَا وَصدق بهَا ودان باعتقادها وصلب وَجهه للْحَدِيث بهَا لَيْت شعري أَيْن بَقِي ذَلِك الشوك وَذَلِكَ الدله سَالِمين وَتلك المسامير وَتلك الْخَشَبَة طول تِلْكَ الْمدَّة وَأهل ذَلِك مطرودون مقتولون كَقَتل من تستر بالزندقة الْيَوْم وَتلك الْمَدِينَة خراب الدهور الطوَال لَا يسكنهَا أحد إِلَّا السبَاع والوحش وَقد شاهدنا ملوكًا جلت لَهُم الأتباع ولأولاد الشيع والأقارب صلبوا فَمَا مَضَت مُدَّة يسيرَة حَتَّى لم يبْقى لتِلْك الْخشب أثر فَكيف أَمر لَا طَالب لَهُ وبدول قد انْقَطَعت وبلاد قد أقفرت وخلت ونسيت أَخْبَارهَا وَهَذِه الْبردَة الَّتِي كَانَت للنَّبِي ﷺ والقصعة وَالسيف على أَن الدولة مُتَّصِلَة لم تتخرم مُنْذُ حِينَئِذٍ وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين قد دخلت الدَّاخِلَة فِي الْقَصعَة وَالسيف حَتَّى لَا يَقِين عندنَا مِنْهُمَا الْيَوْم وَلَوْلَا تداول الْخُلَفَاء للباس الْبردَة أبدا الآبد فينقل أمرهَا جيلًا بعد جيل والمنبر كَذَلِك لما قَطعنَا عَلَيْهِمَا وَلَكِن التداول لَهما أمة بعد أمة وهما قائمان ظاهران للنَّاس هُوَ أوجب الْيَقِين بهما وَرفع الشَّك فيهمَا وَكَذَلِكَ كل مَا جرى هَذَا المجرى ثمَّ لم يلبث دين النَّصَارَى أَن مَاتَ قسطنطين أول من تنصر من مُلُوك الدُّنْيَا ثمَّ مَاتَ ابْنه قسطنطين وَولي ملك تِلْكَ النصراينة وَرجع إِلَى عبَادَة الْأَوْثَان إِلَى أَن مَاتَ ثمَّ ولي رجل من أقَارِب قسطنطين فَرجع إِلَى النصراينة وَأما ديانَة الْيَهُود فَمَا صفت فِيهَا نَبَات بني إِسْرَائِيل ومُوسَى ﵇ حَيّ بَين أظهرهم وَمَا زَالُوا مائلين إِلَى إِظْهَار عبَادَة الْأَوْثَان ثمَّ تكذيبهم كلهم بالشريعة الَّتِي أَتَاهُم بهَا بعد مَوته ﵇ طبقَة بعد طبقَة إِلَى انْقِطَاع دولتهم فَكيف إِن يتبعهُ غَيرهم
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وبرهان ضَرُورِيّ لمن تدبره حسي لَا محيد عَنهُ وَهُوَ أَنه لَا خلاف بَين أحد من الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْملَل فِي أَن بني إِسْرَائِيل كَانُوا بِمصْر فِي أَشد عَذَاب يُمكن أَن يكون من ذبح أَوْلَادهم تسخيرهم فِي عمل الطوب بِالضَّرْبِ الْعَظِيم والذل الَّذِي لَا يصبر عَلَيْهِ كلب مُطلق فَأَتَاهُم مُوسَى ﵇ يَدعُوهُم إِلَى فِرَاق هَذَا الْأسر الَّذِي قتل النَّفس أخف مِنْهُ وَإِلَى الْحُرِّيَّة وَالْملك وَالْغَلَبَة والأمن مَضْمُون مِمَّن هُوَ فِي أقل من تِلْكَ الْحَال أَن يُسَارع إِلَى كل من يطْمع على يَدَيْهِ بالفرج وَأَن يستجيب لَهُ إِلَى كل مَا دَعَاهُ إِلَيْهِ وَإِن أَكثر من فِي هَذَا الْبلَاء يستخير عبَادَة
[ ٢ / ٧٢ ]
من أخرجه مِنْهُ لَا سِيمَا إِلَى الْعِزّ وَالْحُرْمَة وَكَانُوا أَيْضا أهل عَسْكَر مُجْتَمع وَبني عمر يُمكنهُم التواطؤ ثمَّ كَانُوا أهل بلد صَغِير جدا قد تكنفهم الْأَعْدَاء من كل جَانب وَأما عِيسَى ﵇ فَمَا اتبعهُ إِلَّا نَحْو اثْنَي عشر رجلا معروفين وَنسَاء قَلِيل وَعدد لَا يبلغ جَمِيعهم وَفِي جُمْلَتهمْ الاثنا عشر إِلَّا مائَة وَعشْرين فَقَط هَكَذَا فِي نَص إنجيلهم وَكَانُوا مشردين مطرودين غير ظَاهِرين وَلَا يقوم بِمثل هَؤُلَاءِ ضَرُورَة يَقِين الْعلم وَأما مُحَمَّد ﷺ فَلَا يخْتَلف أحد فِي مشرق الأَرْض وغربها أَنه ﵇ أَتَى إِلَى قوم لقاح لَا يقرونَ بِملك وَلَا يطيعون لأحد وَلَا ينقادون لرئيس نَشأ على هَذَا آباؤهم وأجدادهم وأسلافهم مُنْذُ أُلُوف من الأعوام قد سرى الْفَخر والعز والنخوة وَالْكبر وَالظُّلم والأنفة فِي طباعهم وهم أعداد عَظِيمَة قد ملؤا جَزِيرَة الْعَرَب وَهِي نَحْو شَهْرَيْن فِي شَهْرَيْن قد صَارَت طباعهم طباع السبَاع وهم أُلُوف الألوف قبائل وعشائر يتعصب بَعضهم لبَعض أبدا فَدَعَاهُمْ بِلَا مَال وَلَا اتِّبَاع بل خذله قومه إِلَى أَن ينحطوا من ذَلِك الْعِزّ إِلَى غرم الزَّكَاة وَمن الْحُرِّيَّة وَالظُّلم إِلَى جري الْأَحْكَام عَلَيْهِم وَمن طول الْأَيْدِي بقتل من أَحبُّوا وَأخذ مَال من أَحبُّوا إِلَى الْقصاص من النَّفس وَمن قطع الْأَعْضَاء وَمن اللَّطْمَة من أجل من فيهم لأَقل علج غَرِيب دخل فيهم وَإِلَى إِسْقَاط الأنفة وَالْفَخْر إِلَى ضرب الظُّهُور بالسياط أَو بالنعال إِن شربوا خمرًا أَو قذفوا إنْسَانا وَإِلَى الضَّرْب بِالسَّوْطِ وَالرَّجم بِالْحِجَارَةِ إِلَى أَن يموتوا إِن زنوا فانقاد أَكْثَرهم لكل ذَلِك طَوْعًا بِلَا طمع وَلَا غَلَبَة وَلَا خوف مَا مِنْهُم أحد أَخذ بِغَلَبَة إِلَّا مَكَّة وخيبر فَقَط وَمَا غزا قطّ غَزْوَة يُقَاتل فِيهَا إِلَّا تسع غزوات بَعْضهَا عَلَيْهِ وَبَعضهَا لَهُ فصح ضَرُورَة أَنهم إِنَّمَا آمنُوا بِهِ طَوْعًا لَا كرها وتبدلت طبعائهم بقدرة الله تَعَالَى من الظُّلم إِلَى الْعدْل وَمن الْجَهْل إِلَى الْعلم وَمن الْفسق وَالْقَسْوَة إِلَى الْعدْل الْعَظِيم الَّذِي لم يبلغهُ أكَابِر الفلاسفة وأسقطوا كلهم أَوَّلهمْ عَن آخِرهم طلب الثأر وَصَحب الرجل مِنْهُم قَاتل ابْنه وَأَبِيهِ وأعدى النَّاس لَهُ صُحْبَة الْأُخوة المتحابين دون خوف يجمعهُمْ وَلَا رياسة ينفردون بهَا دون من أسلم من غَيرهم وَلَا مَال يتعجلونه فقد علم النَّاس كَيفَ كَانَت سيرة أبي بكر وَعمر ﵄ وَكَيف كَانَت طَاعَة الْعَرَب لَهما بِلَا رزق وَلَا عَطاء وَلَا غَلَبَة فَهَل هَذَا إِلَّا بِغَلَبَة من الله تَعَالَى على نُفُوسهم وقره ﷿ لطباعهم كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿لَو أنفقت مَا فِي الأَرْض جَمِيعًا مَا ألفت بَين قُلُوبهم وَلَكِن الله ألف بَينهم﴾ ثمَّ بَقِي ﵇ كَذَلِك بَين أظهرهم بِلَا حارس وَلَا ديوَان جند وَلَا بَيت مَال محروسًا مَعْصُوما وَهَكَذَا نقلت آيَاته ومعجزاته فَإِنَّمَا يَصح من أَعْلَام الْأَنْبِيَاء الْمَذْكُورين مَا نقل عَنهُ ﵇ بِصِحَّة الطَّرِيق إِلَيْهِ وارتفاع دواعي الْكَذِب والعصبية جملَة عَن اتِّبَاعه فِيهِ فجمهورهم غرباء من غير قومه لم يمنهم بدنيا وَلَا وعدهم بِملك وَهَذَا لَا يُنكره أحد من النَّاس وَأَيْضًا فَإِن سيرة مُحَمَّد ﷺ لمن تدبرها تَقْتَضِي تَصْدِيقه ضَرُورَة وَتشهد لَهُ بِأَنَّهُ رَسُول الله ﷺ حَقًا فَلَو لم تكن لَهُ معْجزَة غير سيرته ﷺ لكفى وَذَلِكَ أَنه ﵇ نَشأ كَمَا قُلْنَا فِي بِلَاد الْجَهْل لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب وَلَا خرج عَن
[ ٢ / ٧٣ ]
تِلْكَ الْبِلَاد قطّ إِلَّا خرجتين أَحدهمَا إِلَى الشَّام وَهُوَ صبي مَعَ عَمه إِلَى أول أَرض الشَّام وَرجع وَالْأُخْرَى أَيْضا إِلَى أول الشَّام وَلم يطلّ بهَا الْبَقَاء وَلَا فَارق قومه قطّ ثمَّ أوطأ الله تَعَالَى رِقَاب الْعَرَب كلهَا فَلم تغير نَفسه وَلَا حَالَتْ سيرته إِلَى أَن مَاتَ وَدِرْعه مَرْهُونَة فِي شعير لقوت أَهله أصواع لَيست بالكثيرة وَلم يبت قطّ فِي ملكه دِينَار وَلَا دِرْهَم وَكَانَ يَأْكُل على الأَرْض مَا وجد ويخصف نَعله بِيَدِهِ ويرقع ثَوْبه ويؤثر على نَفسه وَقتل رجل من أفاضل أَصْحَابه مثل فَقده يهد عَسْكَر اقْتُل بَين أظهر أعدائه من الْيَهُود فَلم يتسبب إِلَى أَذَى أعدائه بذلك إِذْ لم يُوجب الله تَعَالَى لَهُ ذَلِك وَلَا توصل بذلك إِلَى دِمَائِهِمْ وَلَا إِلَى ذمّ وَاحِد مِنْهُم وَلَا إِلَى أَمْوَالهم بل فدَاه من عِنْد نَفسه بِمِائَة نَاقَة وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال مُحْتَاج إِلَى بعير وَاحِد يتقوى بِهِ وَهَذَا أَمر لَا تسمح بِهِ نفس ملك من مُلُوك الأَرْض وَأهل الدُّنْيَا من أَصْحَاب بيُوت الْأَمْوَال بِوَجْه من الْوُجُوه وَلَا يَقْتَضِي هَذَا أَيْضا ظَاهر السِّيرَة والسياسة فصح يَقِينا بِلَا شكّ أَنه إِنَّمَا كَانَ مُتبعا مَا أَمر بِهِ ربه ﷿ كَانَ ذَلِك مضرًا بِهِ فِي دُنْيَاهُ غَايَة الْإِضْرَار أَو كَانَ غير مُضر بِهِ وَهَذَا عجب لمن تدبره ثمَّ حَضرته الْمنية وأيقن بِالْمَوْتِ وَله عَم أَخُو أَبِيه هُوَ أحب النَّاس إِلَيْهِ وَابْن عَم هُوَ من أخص النَّاس بِهِ وَهُوَ أَيْضا زوج ابْنَته الَّتِي لَا ولد لَهُ غَيرهَا وَله مِنْهَا أبان ذكران وكلا الرجلَيْن الْمَذْكُورين عَمه وَابْن عَمه عِنْده من الْفضل وَالدّين والسياسة فِي الدُّنْيَا والبأس والحلم وخلال الْخَيْر مَا كَانَ كل وَاحِد مِنْهُمَا حَقِيقا بسياسة الْعَالم كُله فَلم يحابهما وهما من أَشد النَّاس عناء عَنهُ ومحبة فِيهِ وَهُوَ من أحب النَّاس فيهمَا إِذْ كَانَ غَيرهمَا مُتَقَدما لَهما فِي الْفضل وَإِن كَانَا بعيد النّسَب مِنْهُ بل فوض الْأَمر إِلَيْهِ قَاصِدا إِلَى مر الْحق وَاتِّبَاع مَا أَمر بِهِ وَلم يُورث ورثته ابْنَته ونساءه وَعَمه فلسًا فَمَا فَوْقه وهم كلهم أحب النَّاس إِلَيْهِ وأطوعهم لَهُ وَهَذِه أُمُور لمن تأملها كَافِيَة مغنية فِي أَنه إِنَّمَا تصرف بِأَمْر الله تَعَالَى لَا بسياسة وَلَا بهوى فوضح بِمَا ذكرنَا وَالله الْحَمد كثيرا أَن نبوة مُحَمَّد ﷺ حق وَأَن شَرِيعَته الَّتِي أَتَى بهَا هِيَ الَّتِي وضحت براهينها واضطرت دلائلها إِلَى تصديقها وَالْقطع على أَنَّهَا الْحق الَّذِي لَا حق سواهُ وَأَنَّهَا دين الله تَعَالَى الَّذِي لَا دين لَهُ فِي الْعَالم غَيره وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين عدد خلقه ورضاء نَفسه وزنة عَرْشه ومداد كَلِمَاته على مَا وفقنا إِلَيْهِ من الْملَّة الإسلامية ثمَّ على مَا يسرنَا عَلَيْهِ من النحلة الجماعية السّنيَّة ثمَّ على مَا هدَانَا لَهُ من التدين وَالْعَمَل بِظَاهِر الْقُرْآن وبظاهر السّنَن الثَّابِتَة عَنهُ ﷺ عَن باعثه ﷿ وَلم يجعلنا مِمَّن يُقَلّد أسلافه وأحباره دون برهَان قَاطع وَحجَّة قاهرة وَلَا مِمَّن يتبع الْأَهْوَاء المضلة الْمُخَالفَة لقَوْله وَقَول نبيه ﷺ لَا مِمَّن يحكم بِرَأْيهِ وظنه دون هدى من الله وَرَسُوله اللَّهُمَّ كَمَا ابتدأتنا بِهَذِهِ النِّعْمَة الجليلة فأتمها علينا وأصحابنا إِيَّاهَا وَلَا تخَالف بهَا عَنَّا حَتَّى تقبضنا إِلَيْك وَنحن متمسكون بهَا فنلقاك بهَا غير مبدلين وَلَا مغيرين اللَّهُمَّ آمين رب الْعَالمين وصل اللَّهُمَّ على مُحَمَّد عَبدك وَرَسُولك وخليلك وَخَاتم أنبيائك خَاصَّة وعَلى أنبيائك عَامَّة وعَلى ملائكتك كَافَّة وَلَا حول وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم
[ ٢ / ٧٤ ]