وذلك في واقعةٍ حصلت في مرض وفاة حبيبنا محمدٍ أخرج خبرَها البخاري في مواضعَ من «صحيحه» وغيرُهُ عن ابن عباس - ﵁ - قال: لما اشتد بالنبيِّ ﷺ وجعُهُ قال: «اتئوني بكتابٍ أكتُبْ لكم كتابًا لا تَضلُّوا من بعده». قال عمر - ﵁ -: إن النبي ﷺ غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا. فاختلفوا وكثر اللغط قال: «قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع». فخرج ابن عباس - ﵁ - يقول: إن الرزيّةَ كلَّ الرزيّةِ ما حال بين رسول الله ﷺ وبين كتابه (١).
وهذا الحديث أخرجه البخاريُّ في باب كتابة العلم من كتاب العلم من «صحيحه»!
وهذا من فقهه العظيم؛ والشاهدُ همُّ النبيِّ أن يكتبَ لأمته كتابًا يحصل معه الأمن من الاختلاف وهو لا يهمّ إلا بحقّ (٢).
وقد بيّن العلماءُ توجيه قول عمر - ﵁ -، وقد جمعَ من دُرَرِهم الحافظ ابن حجر العسقلانيّ باقةً عطرةً فقال:
قال القرطبي وغيره: «ائتوني» أمر، وكان حق المأمور أن يبادر للامتثال، لكن ظهر لعمر - ﵁ - مع طائفةٍ أنه ليس على الوجوب، وأنه من باب الإرشاد إلى الأصلح، فكرهوا أن يكلّفوه من ذلك ما يشق عليه في تلك الحالة؛ مع استحضارهم قوله تعالى:
_________________
(١) «فتح الباري» ١/ ٢٧٢.
(٢) أخرجه البخاري في صحيحه» برقم (١١٤)، ومسلمٌ في «صحيحه» برقم (٤٢٣٢).
(٣) يُنظر: «فتح الباري» للحافظ ابن حجر العسقلاني ١/ ٢٨٤.
[ ١١٤ ]
﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿تبيانا لكل شيء﴾ [سورة النحل ١٦: الآية ٨٩]، ولهذا قال عمر - ﵁ -: «حسبُنا كتاب الله».
وظهر لطائفة أخرى أن الأَولى أن يكتب لِمَا فيه من امتثالِ أمرِهِ، وما يتضمنه من زيادة الإيضاح. ودل أمرُهُ لهم بالقيام على أن أمرَهُ الأولَ كان على الاختيار، ولهذا عاش ﷺ بعد ذلك أيامًا ولم يعاود أمْرَهم بذلك، ولو كان واجبًا لم يتركه لاختلافهم؛ لأنه لم يترُكِ التبليغَ لِمُخالفة من خالَفَ!
وقد كان الصحابة يُراجعونه في بعض الأمور ما لم يَجزِم بالأمر، فإذا عزم امتثلوا (١).
وقال الحافظ ابن حجر في موضعٍ آخر من كتابه:
وقال النووي: اتفق قولُ العلماء على أن قولَ عمرَ - ﵁ -: «حسبنا كتاب الله» من قوة فقهه ودقيق نظره؛ لأنه خشي أن يكتب أمورًا ربما عجَزوا عنها فاستحقوا العقوبة لكونها منصوصة (٢)، وأراد أن لا ينسدّ بابُ الاجتهاد على العلماء.
وفي تركه ﷺ الإنكار على عمر - ﵁ - إشارة إلى تصويبه رأيَه.
وأشار بقوله: حسبنا كتاب الله إلى قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾ [سورة الأنعام ٦: الآية ٣٨].
ويحتمل أن يكون قصد التخفيف عن رسول الله ﷺ لِمَا رأى ما هو فيه من شدة الكرب، وقامت عنده قرينةٌ بأن الذي أراد كتابته ليس مِمّا لا يستغنون عنه؛ إذ لو كان من هذا القَبيل لم يتركْهُ ﷺ لأجل اختلافهم.
_________________
(١) «فتح الباري» للحافظ ابن حجر العسقلاني ١/ ٢٨٢.
(٢) يُستدل لذلك بأدلةٍ كثيرةٍ صريحةٍ منها قوله ﷺ: «ذروني ما تركتُكم». أخرجه مسلم في «صحيحه» برقم (٣٢٥٧)، وأحمد في «مسنده» برقم (٧٣٦٧) من حديث أبي هريرة ﵁. وقوله في صلاة شأن التراويح: «خشيتُ أن تُفترَضَ عليكم». أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (٢٠١٢)، ومسلم في «صحيحه» برقم (١٧٨٤) من حديث عائشة ﵂.
[ ١١٥ ]
ولا يعارض ذلك قولُ ابن عباس: إن الرزية إلخ؛ لأن عمر - ﵁ - كان أفقَهَ منه قطعا.
وقال الخطابي: لم يتوهم عمرُ - ﵁ - الغلطَ فيما كان النبي ﷺ يريد كتابته، بل امتناعُهُ مَحمولٌ على أنه لما رأى ما هو فيه من الكرب وحضور الموت خشي أن يجد المنافقون سبيلًا إلى الطعن فيما يكتبه وإلى حمله على تلك الحالة التي جرت العادة فيها بوقوع بعض ما يخالف الاتفاق؛ فكان ذلك سبب توقُّف عمر - ﵁ - لا أنه تعمَّدَ مُخالَفةَ قول النبي ﷺ ولا جواز وقوع الغلط عليه حاشا وكلا (١).
_________________
(١) «فتح الباري» للحافظ ابن حجر العسقلاني ٨/ ٤٧٩.
[ ١١٦ ]