إنّ مما ابتُليَ به المسلمون في كلّ عصر، وخصوصًا في هذا العصر أنّ عددًا من الشخصيات المتفرّقة التي ينتسبُ بعضُها إلى العلم الشرعيّ ممن درسوه وتخصّصوا في بعض مجالاته، وينتسب بعضُها إلى علومٍ أُخرى تطفّلوا على العلوم الشرعية بالكلامِ فيها، فصرّحوا، وحرّضوا، وأفتَوا، بما حلا لهم، وبما راقَ لهم من أهواءِ، وعليهم يصدُقُ قول الشاعر:
يقولونَ: هذا عِندَنا غيرُ جائزٍ ومن أنتُمُ حتى يكونَ لكمْ عِندُ؟
وقد مُحِنَتِ الأمةُ المسلمة في عصرِها الحديث في بلادِ العرب - وفي أمّها مصر - بنكراتٍ تعرّفوا بالشذوذ، واشتُهِروا بتبنِّيهم من الآراء كلَّ منبوذ.
وقد نبغَ منهم في القرنَين الماضيَين أشخاصٌ هيَّئوا التربةَ المتقبّلةَ لظهور القرآنيين المعاصرين، ذلك بما أشاعوه من انتقاص كتب الحديث والفقه والتفسير المتقدمة، ورفعهم لواءَ الإصلاح والتجديد، والتنوير ومحاربة البدع وما إلى ذلك من شعارات برّاقة، زُبِرَت على راياتٍ خفّاقة، وكانت كلماتِ حقٍّ أُريد بها في كثيرٍ من الأحيان الباطلُ الصُّراح، والضلالُ البَواح.
ومن أبرز هذه الشخصيات التي تطاولت بطريقةٍ أو بأخرى على أخبار السنة المطهَّرة الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية (١).
_________________
(١) ولد سنة (١٢٦٦ هـ/ ١٨٤٩ م) في شنرا من قرى الغربية بمصر، تعلم بالجامع الأحمدي بطنطا، ثم بالأزهر. وتصوف وتفلسف وعمل في التعليم، وكتب في الصحف ولا سيما جريدة (الوقائع المصرية) وقد تولى تحريرها، وأجاد اللغة الفرنسية بعد الأربعين. ولما احتل الانكليز مصر ناوأهم وشارك في مناصرة الثورة العرابية، فسجن ٣ أشهر للتحقيق، ونفي إلى بلاد الشام، سنة (١٨٨١ م)، وسافر إلى باريس فأصدر مع صديقه وأستاذه جمال الدين الأفغاني جريدة «العروة الوثقى» وعاد إلى بيروت فاشتغل بالتدريس والتأليف. عاد إلى مصر سنة (١٨٨٨) وتولى منصب القضاء، ثم جعل مستشارًا في محكمة الاستئناف، فمفتيًا للديار المصرية سنة (١٨٩٩ م) واستمر إلى أن توفي بالإسكندرية، ودفن في القاهرة سنة (١٣٢٣ هـ / ١٩٠٥ م). له «تفسير القرآن الكريم» (ط) لم يتمه، و«رسالة التوحيد» (ط)، و«الرد على هانوتو» (ط)، و«رسالة الواردات» (ط) صغيرة، في الفلسفة والتصوف، و«حاشية على شرح الدواني للعقائد العضدية» (ط)، و«شرح نهج البلاغة» (ط)، و«شرح مقامات البديع الهمذاني» (ط)، و«الإسلام والرد على منتقديه» (ط) من مقالاته، و«الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية» (ط) كالسابق، و«الثورة العرابية» لم يتمه. وترجم رسالة «الرد على الدهريين» (ط). «الأعلام» للأستاذ خير الدين الزركلي ﵀ ٦/ ٢٥٢ - ٢٥٣ باختصار وتصرف يسير. وله ترجمةٌ تتبّعت الكثير من أخطائه في كتاب «أعلام وأقزام في ميزان الإسلام» للدكتور سيد بن حسين العفاني ١/ ٨٤ - ٨٩.
[ ٤٥ ]
وسار على دربِهِ الأستاذ أحمد أمين (١)، والمترفِّض محمود أبو رية (٢).
_________________
(١) ترجم له الأستاذ خير الدين الزركلي ﵀ في موسوعته «الأعلام» ١/ ١٠١ بما يلي: أحمد أمين (١٢٩٥ - ١٣٧٣ هـ = ١٨٧٨ - ١٩٥٤ م) أحمد أمين ابن الشيخ إبراهيم الطباخ: عالم بالأدب، غزير الاطلاع على التاريخ، من كبار الكتاب. اشتهر باسمه (أحمد أمين) وضاعت نسبته إلى (الطباخ). مولده ووفاته بالقاهرة. قرأ مدة قصيرة في الأزهر وتخرج بمدرسة القضاء الشرعي، ودرس بها إلى سنة (١٩٢١ م)، وتولى القضاء ببعض المحاكم الشرعية. ثم عين مديرًا بكلية الآداب بالجامعة المصرية. وانتخب عميدًا لها (سنة ١٩٣٩) وعين مديرًا للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية (سنة ١٩٤٧) واستمر إلى أن توفي. وكان من أعضاء المجمع العلمي العربي بدمشق ومجمع اللغة بالقاهرة والمجمع العلمي العراقي ببغداد. ومنحته جامعة القاهرة (سنة ١٩٤٨) لقب (دكتور) فخري. وهو من أكثر كتاب مصر تصنيفًا وإفاضة. ومن أعماله إشرافه على «لجنة التأليف والترجمة والنشر» مدة ثلاثين سنة، وكان رئيسًا لها. وبلغت مقالاته في المجلات والصحف، ولا سيما في مجلتي «الرسالة» و«الثقافة» عشرة مجلدات، جمعها في كتابه «فيض الخاطر - ط» ستة أجزاء، ومن تآليفه المطبوعات: «فجر الإسلام»، و«ضحى الإسلام»، و«ظهر الإسلام»، و«يوم الإسلام»، و«النقد الأدبي» جزآن، و«زعماء الإصلاح في العصر الحديث»، و«إلى ولدي»، و«حياتي»، و«قاموس العادات»، و«الصعلكة والفتوة في الإسلام»، و«مبادئ الفلسفة» مترجم. وله ترجمةٌ تتبّعت الكثير من أخطائه في كتاب «أعلام وأقزام في ميزان الإسلام» للدكتور سيد بن حسين العفاني ١/ ١٦٤ - ١٧٣.
(٢) المولود في كفر المندرة في محافظة الدهقلية سنة (١٨٨٩ م) كان انتسب إلى الأزهر في صدر شبابه، فلما انتقل إلى مرحلة الثانوية الأزهرية أعياه أن ينجح أكثر من مرة، فعمل مصححًا للأخطاء المطبعية بجريدة في بلده، ثم موظفًا في دائرة البلدية حتى أحيل إلى التقاعد، من مصنفاته التي طعن فيها في السنة والصحابة: «أضواء على السنة المحمدية»، و«قصة الحديث المحمدي»، «شيخ المضيرة أبو هريرة». يُنظَر: «السنة ومكانتها في التشريع» للدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى ص ٥٠٤. ومع ذلك يُوصَفُ بأنه «من علماء مصر المحققين البارزين»؛ كما في ترجمته في العديد من المواقع الشيعية يُنظر على سبيل المثال: «موقع المجمع العلمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية»: رواد التقريب: الشيخ محمود أبي رية. (www.taghrib.org/arabic/rowad/riia.htm). وفي ترجمته التدليسُ بأنّ أبا رية قد «جمع بين الدراسة المدنية بالمدارس الابتدائية والثانوية والمعاهد الدينية»! فأيُّ تقريبٍ هذا؟
[ ٤٦ ]
ولم يكُفَّ الزمانُ إلى هذه اللحظة عن أن يُطلِعَ على الأمّة رُويبضاتٍ بالعشرات بل المئات، نبتَت نوابتُهم في البلدان الإسلامية كافّةً سنةً بعد أُخرى.
من ذلك جماعة صغيرةٌ جدًا تحمل تشابُهًا كبيرًا جدًّا بينها وبين «القرآنيين» تُسمّى «جماعة الربانيين»، يرأسُها فلسطينيٌّ من مدينة نابلس اسمه «محمد راجح يوسف دويكات» (١)، وقد افتتحت موقعًا الكترونيًا يُدعى موقع «كونوا ربانيين» (٢).
يقول رأس هذه الفرقة في مقال: «تعريف بمدرسة الربانيين»:
وترى مدرسة الربّانيّين أن "الخير" هو في كتاب الله تعالى الذي هو وحده «الحقُّ» معرفًا، لا يشاركه في ذلك سِفر ولا كتاب كما لا يشارك اللهَ تعالى في الألوهية شيءٌ ولا في الربوبية أحد» «ترى مدرسة الربانيين أن الالتزام بما ذُكر كما فعل الرسول النبي الكريم مع المؤمنين الأولين، واتباعَ "ملة إبراهيم" في التعليم والدعوة - كما أمر الله سبحانه رسوله الكريم أن يفعل ففعل».
ثم يقول: ولكن الرباني في سبيل فهم النص القرآني المقدس (وهو نص متشابه مثاني [كذا]) يدرس كل شيءٍ يُمكن أن يعينه على فهمه بدءًا بالسيرة النبوية العملية لا السنة التراثية التي لا لأصل لها» (٣).
ومن بدع المدعوّ دويكات الطريفة مقالُ «مفهوم سنة الله وسننه من كتابه العظيم فلا سنة لأحد إلا لله وحده».
وفيه يقول:
«تؤرخ الآية ٨٠/ آل عمران برقمها القرءاني (٣٧٣) لعام ٣٧٣ هـ (٩٨٣ - ٩٨٤ م) الذي تكرّس فيه الضلال تحت حكم البويهيين حين طغى زبد الأحاديث و(السنة المفتراة على الرسول والنبي معًا) على القرءان المنزل من السماء بعد أن اتخذه العرب وغير العرب مهجورًا، وفُرِضَ القول بالسنة على الناس حتى اليوم، مع أن أشهر كتب السنة عندهم (البخاري ومسلم حتى وفاة مسلم عام ٢٦١ هجري)
_________________
(١) لم أهتدِ في هذه العجالة إلى ترجمةٍ له حتى على موقعه الذي يشرف عليه، ولعله شخصية وهمية! . هذا مع العلم أنّه يوجد ضمن قائمة كتاب «موقع أهل القرآن» شخصٌ يُدعى «محمود دويكات» له بضعٌ وثلاثون مقالًا، وهذه صفحته الشخصية: (www.ahl-alquran.com/arabic/profile.php؟ main_id=٤٣٢).
(٢) (kuno-rabbaniyeen.org).
(٣) (kuno-rabbaniyeen.org/؟ page=details&newsID=٤&cat=٢):
[ ٤٧ ]
خلت من أيّ حديثٍ يدعو إلى السنة، بل العكس هو الصحيح، فقد اتفق البخاري ومسلم على أن النبيَّ لم يُوصِ بشيء سوى أنه أوصى بكتاب الله، وانفرد مسلم بحديث الاعتصام المشهور ولكنه لم يذكر السنة أبدًا: «وقد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتم به لن تضلوا: كتاب الله».
ولم يذكر السنة، فليرجع من يحرص على دينه إلى كتاب الحج باب خطبة الوداع في الكتاب المذكور ليعلم مدى التزوير الذي أحدثه المضلّون في دين الله.
ويؤكد هذا الفهم أن رقم كلمة «مهجورًا» في كلمات سورة الفرقان المكتوبة هو (٣٧٣) كذلك: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآَنَ مَهْجُورًا (٣٧٣) (٣٠) وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾ [٢٥ الفرقان].
فعدوّ النبي من المجرمين هم الذين شغلوا الناس بالأحاديث المكذوبة والمرويات التراثية الخرافية ليصرفوهم عن القرءان حتى هجروه! بعد أنْ لم يستطيعوا تزويره بسبب حفظ الله له.
كما يؤكد هذا المفهوم الخطير الذي يجب أن ترتعد له فرائصُ كل من يظن نفسه مؤمنًا تؤكده الآيتان ٢٩+٣٠ من سورة الأعراف اللتان تؤرخان لعودة الناس إلى الضلال الذي كانوا عليه قبل القرءان:
" وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ (٣٧٣) تَعُودُونَ (٢٩) (٩٨٣) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠) (٩٨٤) " ٧/ الأعراف
فرقم كلمة (بَدَأكُم) تعودون في كلمات سورة الأعراف المكتوبة (٣٧٣) يشير إلى عام ٣٧٣ / هـ الموافق لسنتي ٩٨٣/ ٩٨٤/ م وهما الرقمان القرآنيّان للآيتين ٢٩+٣٠/ من سورة الأعراف. فتكون هاتان الآيتان قد أرَّختا لعودة (المسلمين التراثيين) إلى الضلال الذي دلّ عليه مفهوم الكلمات، وبرقم الكلمة التي أشار إليها العام الهجري (٣٧٣) الموافق للسنتين الميلاديّتين ٩٨٣/ ٩٨٤/م » (١).
_________________
(١) (kuno-rabbaniyeen.org/Default.asp؟ page=details&newsID=٨١&cat=٢):
[ ٤٨ ]