وأما أفرادُ رجالات المعتزلة فقد وردَ أنّ عَمْرَو بنَ عُبَيدٍ (٢) سمعَ حديثَ عبد الله بن مسعود قال: حدثنا رسولُ الله ﷺ وهو الصادق المصدوق: «إن خلق أحدِكُم يُجمَعُ في بطن أمه أربعين يومًا » الحديثَ (٣).
فقال: لو سمعتُ الأعمشَ (٤) يقول هذا لقلتُ له: كذبتَ، ولو سمعتُ زَيْد بن وَهْبٍ (٥) يقول ذلك لقلتُ له: كذبتَ، ولو سمعتُ ابن مَسعُودٍ يقول ذلك ما قبلتُه، ولو سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول ذلك لرددتُه، ولو سمعتُ اللهَ يقول ذلك لقلتُ: ليس على هذا أخذتَ ميثاقنا (٦).
_________________
(١) «الفرق بين الفِرَق» ص ١١٤.
(٢) عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء، أبو عثمان البصري: شيخ المعتزلة في عصره، وأحد الزهاد المشهورين. واشتهر بأخباره مع المنصور العباسي حتى قال المنصور: كلكم طالب صيد، غير عمرو بن عبيد. بل إنه رثاه، ولم يَرثِ خليفة مَن دونه سواه! له رسائلُ وخطب، ونُقلَتْ عنه أخبارٌ فيها بدعٌ كثيرة. توفي سنة (١٤٣ هـ). يُنظر لترجمته: «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص ٢٤٢ - ٢٤٨ ضمن الطبقة الرابعة منهم. و«تهذيب الكمال» ٢٢/ ١٢٣ - ١٣٥ الترجمة (٤٤٠٦)، «ميزان الاعتدال في نقد الرجال» ٥/ ٣٢٩ - ٣٣٤ الترجمة (٦٤١٠).
(٣) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (٧٤٥٤)، ومسلم في «صحيحه» برقم (٦٧٢٤)، وأحمد في «مسنده» برقم (٣٦٢٤).
(٤) سليمان بن مهران الأسدي ولاءَ، الملقب بالأعمش تابعي ثقة. رأى أنس بن مالك وأبا بكرة الثقفي، أخرج له الجماعة، كان عالمًا بالقرآن والحديث والفرائض، قال شعبة: ما شفاني أحد في الحديث ما شفاني الأعمش. توفي سنة (١٤٨ هـ). يُنظر لترجمته: «تهذيب الكمال» للحافظ المزي ١٢/ ٧٦ - ٩١ الترجمة (٢٥٧٠).
(٥) زيد بن وهب الجهني أبو سليمان الكوفي، تابعيٌّ ثقة، أدرك زمن النبي ﷺ وهاجر إليه ولم يدركه حديث عن كثيرٍ من الصحابة. روى له الجماعة. توفي سنة (٩٦ هـ). يُنظر لترجمته: «تهذيب الكمال» للحافظ المزي ١٠/ ١١١ - ١١٤ الترجمة (٢١٣١).
(٦) «تهذيب الكمال» للحافظ المزي ٢٢/ ١٢٩، «ميزان الاعتدال» للذهبي ٥/ ٣٣٣.
[ ٣٦ ]
وقد رُويَ ردُّ القاضي عبد الجبار: «خلقَ اللهُ آدم على صورته طوله ستون ذراعًا » الحديث (١).
بزعم أنّ مثلَ هذه الأخبار لا يجوزُ التصديقُ بها إذا كانت مخالفةً للأدلة القاطعة (٢).
فإذا سألنا: ما هي الأدلة القاطعة التي يعنيها المعتزلة؟
فإن الجوابَ هو: إنها الأنظارُ العقلية الخاصّةُ بهم؛ بدليل أنّ النظّام (٣) صرّح بأنه يرى «أنّ جهةَ العقلِ تنسخ الأخبار» (٤).
_________________
(١) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (٦٢٢٧)، ومسلمٌ في «صحيحه» برقم (٧١٦٣)، وأحمد في «مسنده» برقم (٨١٧١) من حديث أبي هريرة ﵁. مع لزوم التفطُّن إلى أنّ القاضيَ عبدَ الجبارِ أتهاُ الحديثُ من طُرُقٍ أُخرى، وهو لم يتناوله من أيٍّ من الصحيحين، وبذلك يُردُّ من يشغّبون على الإمام البخاري وغيره من الحفاظ بفرية أنهم افتَرَوا الكثير والكثير من الأحاديث. ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾ [سورة الزخرف ٤٣: الآية ١٩].
(٢) «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص ١٥١.
(٣) إبراهيم بن سيار بن هانئ البصري، أبو إسحاق النظام، إمام النظامية من المعتزلة، تبحر في علوم الفلسفة، وتفرد بآراء خاصة، وقد ألفت كتب خاصة للرد على النظام نُقلت عنه فيها العظائم، حتى اتهم بالزندقة وكان شاعرا أديبا بليغًا، توفي سنة (٢٣١ هـ). يُنظر لترجمته: «فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة» ص ٢٦٤ - ٢٦٥ في الطبقة السادسة منهم. «الوافي بالوفيات» ٦/ ١٢ - ١٦ الترجمة (٩١).
(٤) نقله عنه ابن قتيبة الدينوري في «تأويل مختلف الحديث» ص ٣٢.
[ ٣٧ ]