لن ينفيَ القرآنيون أنّ في القرآن كثيرًا من الآياتِ التي تذكر - أو تأمر - بطاعة النبيّ ﷺ؛ وإنني سأخرجُ عن السياقِ بسردِ الآياتِ القرآنية الكريمة الكثيرة الآمرة بطاعة سيدنا رسول الله ﷺ؛ إنارة للعقول، وترقيقًا للقلوب!
قال الله ﵎: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [سورة آل عمران ٣: الآية ٣٢].
وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [سورة آل عمران ٣: الآية ١٣٢]
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [سورة النساء ٤: الآية ٥٩].
وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة المائدة ٥: الآية ٩٢].
[ ١٢٢ ]
وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال ٨: الآية ١].
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [سورة الأنفال ٨: الآية ٢٠].
وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [سورة الأنفال ٨: الآية ٤٦].
وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة النور ٢٤: الآية ٥٤].
وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُون﴾ [سورة النور ٢٤: الآية ٥٦].
وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [سورة محمد ٤٧: الآية ٣٣].
وقال: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآَتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ [سورة المجادلة ٥٨: الآية ١٣].
وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [سورة التغابن ٦٤: الآية ١٢]
وهنا لنا أن نسأل: في أي شيءٍ يُطاعُ رسول الله ﷺ؟
وهل طاعةُ الرسول ﷺ في الدخول في الإسلام والإيمان بدينه الحنيف، والتصديق بالقرآن الكريم؟ أم هي طاعةٌ عامة في كلّ ما يأمر به؟
[ ١٢٣ ]
إن كانت الأولى؛ فإنّ الآيات الآمرة بالطاعة الموجَّهَةَ إلى المؤمنين تنقُضُ هذا الاحتمال!
وإن كانت الأخرى - أي: إن طاعتَهُ ﷺ في غيرِ ذلك - سألنا:
أهي طاعةٌ فيما هو مأمورٌ به في نصّ القرآن أم لا؟
فإن قال منكرو السنة: هي في الذي أُمرَ به في القرآن.
قلنا لهم: وما الفائدة من إثباتِ طاعةٍ لرسول الله ﷺ في ما أمرَ به الله عينًا ونصًّا؟
فإنّ قالوا: تأكيدًا على وجوب طاعة الله.
قلنا: لا يؤكّد على الكبير بالصغير، والله أعظم من أن يؤكِّدَ على طاعتِهِ بطاعة عبده ومخلوقه.
وإنّ لله تعالى أوامرَ كثيرةً وكثيرةً في القرآن الكريم لم يؤكِّدها بما تزعمون من طاعة مخلوقه وحبيبه ﷺ.
فلم أكّد بعضَها - كما تزعمون - وسلَبَ البعضَ الآخرَ هذا التأكيد؟
ثمّ إننا نلحظُ أنّ الله تعالى في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [سورة النساء ٤: الآية ٥٩] يُشيرُ إلى طاعةِ أولي الأمر، وهم - حسب تفسيرنا إما الأمراء وإما العلماء (١) - وكلا الفريقين غير
_________________
(١) أسند الطبري في «تفسيره» تفسيرَ أولي الأمر بالأمراء إلى أبي هريرة، وابن عباس، وميمون بن مهران، وابن زيد. وأسند تفسيرها بأهل العلم إلى جابر بن عبد الله، ومجاهد، وابن أبي نجيح، وابن عباس، وعطاء، والحسن، وأبي العالية. وأسندَ تفسيرها بأصحاب النبي ﷺ إلى مجاهد، وأسند إلى عكرمة أنهم أبو بكر وعمر سيدا أصحاب النبيِّ ﷺ. ثم قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب، قول من قال: هم الأمراء والولاة؛ لصحة الأخبار عن رسول الله ﷺ بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان لله طاعةً، وللمسلمين مصلحة. «تفسير الطبري» ٥/ ١٩٦ - ١٩٩.
[ ١٢٤ ]
معصومٍ، ولا مؤيد بالوحي، أفيؤكد الله تعالى على طاعته بطاعة خلقٍ من خلقه فيهم الفاسد والفاسق، والجاهل والغافل، ومن فيه صفاتٌ سوأى قد لا يعُدُّها عادّ؟
وهنا نتابعُ توجيه أسئلتنا:
فإن لم يكن ما يُطاعُ رسول الله هو نفس ما يُطاع الله فيه؛ لزم أن يكون الذي سيُطاع فيه الرسول ﷺ غير ما يُطاعُ الله به مما أمرَ به ونصّ عليه في القرآن؟
فإن كان الأمر كذلك فما هو هذا الذي سيُطاعُ النبيُّ به مما ليس في القرآن الكريم منصوصًا عليه؟ أليس هو شيئًا زائدًا على القرآن؟
فإن اتفقنا (١) على أنّ ما يُطاعُ فيه النبيُّ غير ما هو منصوصٌ عليه في القرآن، فإنّ هذا الشيء هو إما خاصٌّ بزمنه ﷺ أو هو غير خاصّ.
فإن قالوا: هو خاصٌّ بزمنه.
قلنا: ما الدليلُ من القرآن على ذلك؟ وإن العقولَ تتفقُ على أن العاقلَ حين يتكلم بكلامٍ عامٍّ يُريدُ أن يخُصَّهُ بشيءٍ أو أحدٍ يجعل في هذا الكلام ما يدلّ على مُراده تصريحًا أو تلميحًا.
وإذ لم يُوجد في القرآن ما يدلُّ على أنّ هذا الذي يجب أن يُطاع به النبيُّ - مما هو ليس منصوصًا عليه في القرآن - خاصٌّ بأهل زمانه؛ لزم أن يكون موجَّهًا إلى كلِّ مسلمٍ أنى كان.
فإن كان كذلك، فإنّ هذه الأوامرَ النبويةَ لازمةَ الطاعة هي إما موجودةٌ محفوظةٌ، أو هي ضائعة.
فإن كابر القرآنيون وادَّعَوا أنها ضائعة قلنا لهم: هذا يعني أنّ شيئًا مما أمر الله به في القرآن - وهو طاعة النبي - قد ضاعَ، وهذا يتناقضُ مع مفهوم عصمة القرآن من الضياع، وهذه العصمة تشمل حروفه وكلماتِه، وتشمل معانيه ومراداتِه.
بل ولَلَزِم أن يأمرَ الله بما لا يُستطاع، وبما لا يُطاق ولا يقدر المرء عليه، وهذا يتعارضُ مع ما في صريح القرآن من قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [سورة البقرة ٢: الآية ٢٨٦].
_________________
(١) ولا أظننا إلا يمنعنا الإمعان في الغيّ من الاتفاق.
[ ١٢٥ ]
وقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آَتَاهَا﴾ [سورة الطلاق ٦٥: الآية ٧].
وهذا يقودُ إلى أنّ ما أمر الله به محفوظٌ موجود، وهنا نُطالبُهم بالإفراج عنْه، والإفصاح عما له من كُنْه.
أما نحن فنقول: إنه السنة التي فيها أمره ﷺ ونهيه لكلّ مسلمٍ.
فإن قالوا: إنكم تزعمون أن السنة محفوظةٌ كحفظ القرآن!
أجبنا - بملء الفم ـ: أجل هي كذلك!
فإن قالوا: إنكم يا أيها المؤمنون بالسنة - تقولون: السنة متواترةٌ وآحاد، بل إن أكثرَ السنة آحادٌ، بل إنكم لم تتفقوا على حدّ التواتُر، ولا على عدد الأحاديث المتواترة، بل إنكم مختلفون حول الكثير والكثير من الأحاديث: أهي صحيحةٌ أم غير صحيحة، يُضعّفها بعضُ محدثيكم وعلمائكم ويصححها غيرُهم فكيف تزعمون حفظ السنة؟
أما الجواب على ذلك فسهلٌ بحمد الله وهو:
أما أن تكون السنة محفوظةً؛ فبالدليل من القرآن والعقل الذي يُثبِتُ وجودَ شيءٍ غيرِ المنصوص عليه في آيات القرآن من أوامرِ الله قد أُمِرت الأمة كلُّها أن تُطيعَ النبيّ ﷺ به، وهذا الشيء هو السنة بمفهومها الكلّي جملةً، لا أبعاضًا وأفرادًا.
وإنّ الثابت المتواتر المنقول بجميع وسائل النقل هو لزومُ متابعة النبيِّ ﷺ، ووجوب طاعته فيما يأمر به وينهى عنه، فمن اعتقد ذلك فهو المسلم حقًّا، والمؤمن صدقًا.
وأّما التفريعات الجزئيةُ فلا يضرُّ الاختلافُ فيها، ثم إنّ هذه الاختلافات لا تصلُ - ولم تصِلْ - إلى حدٍّ يؤثِّرُ على العقائد والعبادات تأثيرًا في أسِّها وأصلها.
فإن الاختلافَ في كون البسملة من الفاتحةِ أو ليست منها، وقول الشافعية بلزوم قراءتها كي تصحّ الصلاة؛ لأنها جزءٌ من ركنٍ من أركان الصلاة إذا فسد هذا الركن فسدت الصلاةُ؛ لا يجعل الحكمَ على صلاة من لا يعتقدُ جزئية البسملة في الفاتحة هو بطلانُ صلاته؛ لأن صلاته صحيحة بالنسبةِ إلى اعتقاده لا إلى اعتقاد مخالفِه.
[ ١٢٦ ]
ولذلك قرّر الفقهاءُ أنّ المخالفَ صلاتُهُ صحيحةٌ، ولا عبرةَ بأقوالِ بعضِ المتأخرين المتنطّعين الذين خرجوا على مناهجِ أئمتهم وأعلام مدارسهم الفكرية والفقهية.
فالراسخون من أهل العلم كانوا يقولون: مذهبي صواب يحتمل الخطأ ومذهب غيري خطأٌ يحتمل الصواب (١).
وصحّ كثيرٍ من الأئمة القول: إذا صحّ الحديثُ فهو مذهبي (٢).
والمدوّن في كتب المذاهب صحةُ الصلاةِ خلف المخالف، وحتى من قال بكراهة الصلاة خلفَ المخالف، فإنّ قوله بالكراهةِ لا يُفيد بأيِّةِ حالٍ عدمَ صحة الصلاة، أو عدم صحةِ صلاةِ من ستُصلّى خلفَه.
وبهذا المثال العميق على اختلافٍ في شيءٍ أساسيٍّ هو جزءٌ من ركنٍ من الصلاة نُمثِّلُ على أنّ الاختلافَ حول تصحيح حديثٍ أو تضعيفِه لا يُؤثِّرُ على الاتفاقِ الواقع على أصل متابعة رسول الله ﷺ وطاعته في ما أمر ونهى.
_________________
(١) جاء في «الفتاوى الكبرى الفقهية» لابن حجر الهيتمي ٤/ ٣١٣: وسئل رحمه الله تعالى بما صورته ذكر الإمام النسفي الحنفي في المصفى أنه يجب علينا إذا سئلنا عن مذهبنا ومذهب مخالفنا في الفروع أن نجيب بأن مذهبنا صواب يحتمل الخطأ ومذهب مخالفنا خطأ يحتمل الصواب أي بناء على أن المصيب في الفروع واحد وغيره مخطئ مأجور، فهل صرح أصحابنا بمثل ذلك السؤالَ. فأجاب نفعنا الله تعالى به بقوله: نعم صرح أصحابنا بما يفهم ذلك لا بقيد الوجوب الذي ذكره. ففي العدة لابن الصباغ: كان أبو إسحاق المروزي وأبو علي الطبري يقولان: إن مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه وأصحابه أن الحق في واحد إلا أن المجتهد لا يعلم أنه مصيب وإنما يظن ذلك اهـ وإذا كان المجتهد لا يعلم الإصابة وإنما يظنها فمقلده أولى ومعلوم أن الظن يقابله الوهم وهو احتمال الخطإ فنتج أن المجتهد يظن إصابته ويجوز خطؤه وأن مقلده كذلك وحينئذ يلزم ما ذكر عن النسفي
(٢) قال ابن عابدين في من «حاشيته» ١/ ١٦٧: «مطلب صحّ عن الإمام أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي». وذكرَ تحته أنه قد حكى ذلك ابنُ عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة، وأنه نقله أيضًا الإمام الشعراني عن الأئمة الأربعة. وكرّرَ مثل ذلك في موضعٍ آخرَ من «حاشيته» ٢/ ٥٠.
[ ١٢٧ ]
وتأكيدًا نقول: إنه لم يَرِد في كتب الفقه أنّ أحدًا - ممن يُعبَأُ بقوله من الأعلام - رمى مخالفًا بتركِ السنة أو الإعراضِ عن هدي النبيِّ ﷺ إن خالفه في إثباتِ دليلٍ على مسألةٍ ما أو نفيها.
وإنّ هيكلَ الإسلام جملةً (عقائدَ وفرائضَ وأمهات فضائل وأساسيات معاملات) لا خلافَ مؤثِّرًا فيه بين المسلمين حتى لو كانوا من غير أهل السنة كالشيعة (١) والخوارج والمعتزلة، ونحوِهم.
فالغريب عن الإسلام الذي لا يعرف عنه شيئًا إذا خالطهم واطلع على عباداتهم ومعاملاتهم وآدابهم وجدهم متفقين في الجملة، مختلفين في تفريعات ثانوية؛ تمامًا كالإخوة الأشقاء يجمعهم شبهٌ كبيرٌ في ملامحهم، ولا يضرُّ نسبَهم شيءٌ من اختلافِ واحدٍ منهم عن الآخر.