يؤكد القرآنيون على رفضِهم للسنة النبوية، ولكنهم ما أكثر ما يذكرون زيدًا وعمرًا من الصحابة والتابعين، وخلفاء المسلمين وأمرائهم، ويوردون أحداثًا وقعَت في التاريخ التليد (٣)، وهنا نسأل:
_________________
(١) إلا الآية الأخيرة فالحكمة معطوفةٌ على «آيات الله».
(٢) نقل البغدادي في «خزانة الأدب» ٥/ ١٠٨ عن شرح الحماسة لابن جني: والشيء لا يعطف على نفسه من حيث كان العطف نظير التثنية في المعنى. وصرّح بهذه القاعدة المرزوقي في «شرح ديوان الحماسة» ١/ ١٤٨.
(٣) أذكُرُ على سبيل المثال: «موقع أهل القرآن»: مقال «أبو بكر الصديق ماذا تبقى منه في الفقه السني» لأحمد صبحي منصور. (www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php؟ main_id=١٨) «موقع أهل القرآن»: مقال «المسكوت عنه في سيرة عمر بن الخطاب في الفكر السني» لأحمد صبحي منصور. (www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php؟ main_id=٥١). «موقع أهل القرآن»: مقال «أبو هريرة والكلاب» لأحمد صبحي منصور. (www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php؟ main_id=٦٢). «موقع أهل القرآن»: مقال «علوم القرآن التي تطعن في القرآن» لأحمد صبحي منصور. (/ www.ahl-alquran.com/arabic/show_article.php؟ main_id=١٠٤٣).
[ ١٣٠ ]
كيف يستقيم رفض السنة والتصديق بالتاريخ، ووقائعه وأشخاصه؟
هل ورد اسم أبي بكر أو عمر أو عليٍّ أو غيرهم من الصحابة الكرام في القرآن؟ إنه لم يرد في القرآن إلا اسم زيد، ومن زيدٌ هذا، وما الذي كان سيُعرّفنا به لولا الأخبار الواردة في السنة، وروايات التاريخ؟
ناهيك عن السلف الصالح واحدًا واحدًا، بلهَ من بعدَهُم من الأعلام!
فيا أيها القرآنيون: كيف تقبلون التاريخ؟ وما هي قواعد الاعتبار وعدمه لديكم؟
إذا ادعيتُم القبول بالتواتر على طريقتكم بِنقلِ الجيل بعد الجيل، فإنّنا قد نُسلم جدلًا بأن هناك واحدًا اسمه أبو بكر الصديق، ولكن هيهاتَ أن يكون شيءٌ متواترًا - بحسب مذهبكم - من سيرة المدّعو أبي بكر، أو المدعوّ عمر بن الخطاب، أو غيرِهما أيًّا كان، وأيًا كان زمنه؟
فكيف تستشهدون علينا بشيءٍ من التاريخ؟
ثم إن ردّكم مرويّات السنة الشريفةِ التي نُقِلَت بقوانينَ صارمةٍ أشدّ الصرامة، دقيقة أكبر الدقة، محتاطةٍ أعظم الاحتياط، يستلزمُ منكم أن تردوا من باب أولى مرويات التاريخ التي رُويَ جُلُّها دون أسانيدَ من الأساس، أو رُويت بأسانيدَ واهيةٍ (١).
ثمّ إن لنا أن نسأل:
غيرُنا وغيرُكم من والفرق والطوائف: أليس لديهم تواترٌ عن أشياءَ وأشخاص يؤكد القرآن بطلانها؛ كقضية صلب المسيح التي أجمع عليها السواد الأعظم من النصارى.
أوليس ثمةَ تواترٌ لليهود على زنا نبي الله داود بامرأة أوريا، وزنا لوطٍ بابنتيه تبعًا لِما في توراتهم.
_________________
(١) يُنظرَ: «منهج التعامل مع الروايات التاريخية» للعبد الضعيف كاتب هذه السطور، الذي قدّم به بين يدي «إتمام الوفاء في سيرة الخلفاء» - يسّر له طباعته! - للشيخ محمد الخضري بك ﵀ ص ١١ - ٤٣.
[ ١٣١ ]
أوليس لدى الشيعة تواتر على ولاية عليٍّ ﵁، بل لدى بعضِهم تواترٌ على سورٍ من القرآن غير التي بين أيدينا.
فهل لأولئكَ أن يقولوا: هذا القرآن قرآنُكُم أنتم وحدَكُم! فكيف تردُّون عليهم؟
ثمّ كيف يستقيم لكم تكذيب كتب السنة، والطعن فيها وبأصحابِها، وتصديق كتب التاريخِ والرواية عنها، والطائفتان من الكتب لذوات المؤلفين:
فعلى سبيل التمثيل:
هذا هو الإمام أبو جعفر الطبري (١) له «تفسيره»، و«تاريخه»، و«تهذيب الآثار».
والحافظُ ابن كثير الدمشقيّ (٢) له «تفسيره»، و«تاريخه»، و«جامع المسانيد والسنن الهادي لأقوم سنن».
وعدوكم الأول الإمام البخاري له «صحيحه» وتواريخه: «الأكبر» و«الوسط» و«الأصغر» (٣).
وكذلك ابن سعد (٤) له «الطبقات الكبرى» وهو مليءٌ - إضافةً إلى الأحداث والأخبار التاريخية والتراجم - بالأحاديث المسندة
فما هذا التناقُضُ الشنيع، والتخبُّط المُريع؟ أم هو الحقدُ الأعمى، والوتر الأعشى، غشّى الأبصار والبصائر معًا؟
_________________
(١) محمد بن جرير بن يزيد الطبري، إمام المفسرين، وإمام المؤرخين، الحافظ الفقيه المجتهد. «تفسيره» و«تاريخه» عمدتا المفسرين والمؤخين؛ لقدمِهما وروايتهما بالإسناد. توفي سنة (٣١٠ هـ). يُنظر لترجمته: «الوافي بالوفيات» ٢/ ٢١٢ - ٢١٤ الترجمة (٧٢٢).
(٢) إسماعيل بن عمر بن كثير الدمشقي، أبو الفداء، عماد الدين الحافظ المؤرخ الفقيه الشافعيّ. من أشهر كتبه «البداية والنهاية»، و«تفسير القرآن العظيم». توفي سنة (٧٧٤ هـ).
(٣) وهي كتب تراجم اكثر من كونها كتبًا تسرد أحداثاُ تاريخية، وإن كانت لا تخلو من قدرٍ منها.
(٤) محمد بن سعد بن منيع الزهري، أبو عبد الله: مؤرخ حافظ محدث ثقة. صحب الواقديَّ، وكتب له وروى عنه؛ فعرف بكاتب الواقدي. له «الطبقات الكبير». توفي سنة (٢٣٠ هـ). يُنظر لترجمته: «الوافي بالوفيات» ٣/ ٧٥ الترجمة (١٠١١).
[ ١٣٢ ]