كنهي عمرَ ﵁: «أقلّوا الرواية عن رسول الله ﷺ وأنا شريككم» (٤).
وبيانُ الأمر أنهم كانوا يخشون روايتها ويهابون من ذلك؛ لعظم المسؤولية، ووعيد رسول الله ﷺ على من يكذب عليه.
_________________
(١) يُنظر: «أصول الحديث» للدكتور محمد عجاج الخطيب ص ٩٨ - ٩٩، «لمحات في أصول الحديث» للدكتور محمد أديب صالح ص ٥٦ - ٦٥.
(٢) «دراسات في الحديث النبوي وتاريخ تدوينه» للدكتور محمد مصطفى الأعظمي ص ٩٢ - ١٤٢.
(٣) «شرح النووي على صحيح مسلم» ٣/ ١٣٩١.
(٤) أخرجه ابن ماجه في «سننه» (٢٨)، والطبراني في «المعجم الأوسط» برقم (٢١١٧)، وهو بلفظ قريب في «سير أعلام النبلاء» ٢/ ٦٠١.
[ ١١٢ ]
ومن أدلة ذلك موقف عبد الله بن مسعود - ﵁ - الذي جاء حدّث يومًا عن رسول الله - ﷺ -، فنكس. قال (١): فنظرت إليه فهو قائم محللة أزرار قميصه قد اغرورقت عيناه وانتفخت أوداجه. قال: أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو قريبا من ذلك، أو شبيهًا بذلك (٢).
ومن أجلى ما يُستدَلُّ به ما أخرج البخاري في «صحيحه» عن عبد الله بن الزبير (٣) - ﵁ - أنه قال لأبيه: إني لا أسمعُكَ تحدّثُ عن رسول الله - ﷺ - كما يُحدّث فلانٌ وفلانٌ، قال: أمَا إني لم أكن أفارقُهُ، ولكن سمعتُ رسول الله - ﷺ - يقول: «من كذب عليّ متعمّدًا فليتبوّا مقعدَه من النار» (٤).
قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في شرح هذا الحديث في «فتح الباري»:
«وفي تمسُّك الزبير - ﵁ - (٥) بهذا الحديث على خلاف ما ذهب إليه من اختيار قلة التحديث دليلٌ للأصحِّ في أن الكذب هو: الإخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه سواءٌ كان عمدًا أم خطأً، والمخطئ وإن كان غير مأثومٍ بالإجماع، لكن الزبير خشيَ من الإكثار أن يقع في الخطأ وهو لا يشعر؛ لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكن قد يأثم بالإكثار؛ إذ إن الإكثار مظنة الخطأ.
_________________
(١) القائل هو الراوي عن ابن مسعود عمرُو بنُ ميمون.
(٢) أخرجه ابن ماجه في «سننه» برقم (٢٣).
(٣) عبد الله بن الزبير بن العوام، أبو بكر وأبو خبيب، أحد العبادلة، وأحد شجعان الصحابة، ولد عام الهجرة، وكان أول مولود للمهاجرين بعد الهجرة، حنّكه النبي ﷺ بعد ولادته فكان أول شيءٍ يدخل بطنه ريق النبي ﷺ، حفظ عن النبي ﷺ وحدّث عنه وعن كبار الصحابة، روى عنه أجلة التابعين كعطاء وطاووس وسماك بن حرب وغيرهم، بُويع بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية سنة (٦٤ هـ) ولم يتخلّف عنه إلا أهل الشام، اعتصم بالبيت الحرام أمام جيوش الحجاج الذي كسره وقتله وصلبه سنة (٧٣ هـ). يُنظر لترجمته: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٤/ ٦٩ - ٧١ الترجمة (٤٦٧٣).
(٤) أخرجه البخاري في «صحيحه» برقم (١٠٧).
(٥) الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى، أمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي - ﷺ - أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى، أسلم وله اثنتا عشر سنةً، وشهد مع النبي - ﷺ - المشاهد كلها وثبتت أحاديث فضائله في الصحيحين وسواهما، قُتل بعد معركة الجمل على يد عمرو بن جرموز سنة (٣٦ هـ). يُنظر لترجمته: «الإصابة في تمييز الصحابة» ٣/ ٥ - ٧ الترجمة (٢٧٨٣).
[ ١١٣ ]
والثقة إذا حدّث بالخطأ فحُمِلَ عنه وهو لا يشعر أنه خطأ ٌ يُعمَلُ به على الدوام للوثوق بنقله، فيكون سببًا للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من إكثار الوقوع في الخطأ لا يُؤمن عليه الإثم إذا تعمّد الإكثار، فمن ثمّ توقّف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث. وأما من أكثرَ منهم فمحمولٌ على أهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبُّت، أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسُئلوا فلم يُمكِنهم الكتمان» (٣).