انعقد مجمع نيقية عام ٣٢٥م بأمر من الامبرطور الوثني قسطنطين الذي كان قد أعلن قبل بضع سنوات قانون التسامح الديني في الامبرطورية، ورأى قسطنطين النزاعات بين الكنائس النصرانية تفتت شعب الامبرطورية وترهق كيان الدولة، فقرر الدعوة إلى مجمع عام تحضره الطوائف النصرانية المختلفة، وقد عقد المجمع بإشرافه الشخصي، وقام بافتتاحه، وحضره ٣١٨ أسقفًا من مختلف الكنائس المسيحية الشرقية، ولم يحضره من الغربيين إلا ثمانية فقط، واستمرت المداولات ثلاثة أشهر من غير أن يصل المجتمعون إلى رأي موحد.
_________________
(١) وقد خالفه كثيرون من آباء الكنيسة حينذاك، منهم سبيليوس وغيره، وقد انتصر التثليث على التوحيد بعد تنصر قسطنطين في القرن الرابع. وأما ما قبل ترتليان فليس للتثليث أي ذكر. انظر: اليهودية والمسيحية، محمد ضياء الرحمن الأعظمي، ص (٤١١، ٤١٦)، طائفة الموحدين من المسيحيين عبر القرون، أحمد عبد الوهاب، ص (١٠).
(٢) تاريخ الفكر المسيحي، القس الدكتور حنا جرجس الخضري (٣/ ٢١).
[ ١٧٧ ]
وقد كان المجتمعون على ثلاثة محاور رئيسة:
أ- موحدون منكرون لألوهية المسيح يتزعمهم آريوس الاسكندراني ومعه زهاء ألف من الأساقفة.
ب- القائلون بأن للمسيح وجودًا أزليًا مع الأب وأنه من ذات جوهره وإن مثّل أقنومًا مستقلًا عنه، وذكر هؤلاء بأن المسيح لو لم يكن كذلك لما صح أن يكون مخلصًا، ومن القائلين بهذا الرأي بابا روما الاسكندروس، والشاب الوثني المتنصر أثناسيوس الذي يقول عنه كتاب التربية الدينية المسيحية: "كلنا يعلم ما للقديس أثناسيوس الرسول من مكانة ممتازة في الكنيسة المقدسة على مر العصور لقد حضر هذا القديس مع البابا الاسكندروس مجمع نيقية فكان القديس أثناسيوس هو الجندي الصالح ليسوع المسيح، وكان للقديس أثناسيوس أيضًا الفضل في صياغة قانون الإيمان وفي أواخر سنة ٣٢٩م بطريركًا خليفة للبابا الكسندروس".
ج- وأراد بعضهم التوفيق بين الرأيين ومنهم أوسايبوس أسقف قيسارية، حيث قال بأن المسيح لم يخلق من العدم، بل هو مولود من الآب منذ الأزل، وعليه ففيه عناصر مشابهة لطبيعة الآب.
ولا يخفى أن هذا الرأي - الذي زعم التوفيق - لا يكاد يختلف عن رأي أثناسيوس، وقد مال الملك إلى هذا الرأي الذي مثله ثلاثمائة وثمانية عشر قسًا، وخالف بقية المجتمعين الذين كانوا يشايعون آريوس أو مجموعات تتبنى آراء أضعف في المجمع، كالقائلين بألوهية مريم أو أن الآلهة ثلاثة صالح وطالح وعدل أو غير ذلك.
وقد أصدر القسس الثلاثمائة والثمانية عشر قرارات مجمع نيقية والتي كان من أهمها إعلان الأمانة التي تقرر ألوهية المسيح، كما أمر المجمع بحرق وإتلاف كل الكتب والأناجيل التي تعارض قراره،
[ ١٧٨ ]
وأصدر قرارًا بحرمان آريوس والقائلون برأيه، وقرارًا آخر بكسر الأصنام وقتل من يعبدها، وأن لا يثبت في الديوان إلا أبناء النصارى (١).
وحصل لآريوس وأتباعه ما كان المسيح قد تنبأ به: "سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله، وسيفعلون هذا لكم، لأنهم لم يعرفوا الآب ولم يعرفوني" (يوحنا ١٦/ ٢ - ٣)، فلو عرفوا الله حق معرفته وقدروه حق قدره لما جرؤوا على نسبة الولد إليه، ولما قالوا بألوهية المصفوع المولود من امرأة.
وقد أغفل مجمع نيقية الحديث عن الروح القدس ولم يبحث ألوهيته، فاستمر الجدل حوله بين منكر ومثبت حتى حسم أمره في مجمع القسطنطينية، فأضحى ثالث أقانيم اللاهوت الأقدس.