وإزاء هذا التناقض بين قرارات المجامع المثلثة والنصوص الموحدة كان لابد أن يعمل النصارى عقولهم على جمع هذه المتناقضات التي يستحيل تصورها معًا، وعلى تفهيم البشر قضية الثلاثة الذين هم واحد، والواحد الذي هو ثلاثة.
[ ١٧٤ ]
وأمام ضعف هذه العقيدة وعجز العقل البشري عن تصورها، بل رفضه لها لا يجد النصارى من سبيل إلا القول بأن تثليثهم سر من الأسرار التي لا يمكن للعقل أن يقف على كنهها، بل يعترف البعض منهم بتعارض المسيحية والعقل فيقول (القديس) سان أوغسطين: "أنا مؤمن، لأن ذلك لا يتفق والعقل".
ويقول كير كجارد: "إن كل محاولة يراد بها جعل المسيحية ديانة معقولة لابد أن تؤدي إلى القضاء عليها".
وقد جاء في "التعليم المسيحي": لا يجوز التدخل في أسرار الله، لأننا لا نستطيع إدراك أسرار الإيمان".
ويقول القس دي جروت في كتابه "التعاليم الكاثوليكية": "إن الثالوث الاقدس هو لغز بمعنى الكلمة، والعقل لا يستطيع أن يهضم وجود إله مثلث، ولكن هذا ما علمنا إياه الوحي".
ويقول زكي شنودة: "وهذا سر من أسرار اللاهوت الغامضة التي لا يمكن إدراك كنهها بالعقل البشري".
ويقول الأب جيمس تد: "العقيدة المسيحية تعلو على فهم العقل".
ويقول القس أنيس شروش: " واحد في ثلاثة، وثلاثة في واحد، سر ليس عليكم أن تفهموه، بل عليكم أن تتقبلوه".
أما القس توفيق جيد في كتابه "سر الأزل" فإنه يجعل فهم سر التثليث من المستحيلات، التي لا طائل من محاولة فهمها، لأن "من يحاول إدراك سر الثالوث تمام الإدراك كمن يحاول وضع مياه المحيط كلها في كفة" (١).
_________________
(١) انظر: المسيح ﵇ بين الحقائق والأوهام، محمد وصفي، ص (١٣٩)، مناظرة العصر، أحمد ديدات، ص (١٠٥)، العقائد المسيحية بين القرآن والعقل، هاشم جودة، ص (١٥٣)، دراسة عن التوراة والإنجيل، كامل سعفان، ص (٢٣٥)، مسيحية بلا مسيح، كامل سعفان، ص (١٢٧).
[ ١٧٥ ]
ووراء هذه الحجب تختفي الحقيقة، وهي أن التثليث عقيدة يستحيل على العقل البشري فهمها، لا لضعف العقل البشري، لا بل لتناقضها مع أبسط المسلَمات الفطرية والمعارف الإنسانية.
[ ١٧٦ ]